حرب الـ 67 وانكسار الشرق الأوسط

البدر الشاطري |

في خضم المسيرة السلمية وما يتردد عن "صفقة القرن"، يكتسب الكلام عن حرب "يونيو 67" بين إسرائيل وثلاث دول عربية أهمية كبيرة. ذلك أن المسيرة السلمية برمتها، تتعلق بإزالة آثار تلك الحرب التي غيرت من الخريطة السياسية في منطقة الشرق الأوسط.


وعلى رغم كل ما كتب عن تلك الحرب، وكل المداد الذي سال والأوراق التي استهلكت حولها، فإن كتاب "حرب الأيام الستة وانكسار الشرق الأوسط" (The Six Day war The breaking Of The Middle east) الذي ألفه الإسرائيلي غي لارون، يتبنى تفسيراً جديداً حول الأزمة التي قادت إلى تلك الحرب الحاسمة والتي لا زالت أطلالها تخيم على المنطقة في انتظار حل.

يقول الكاتب إن هناك إجماعاً من قبل المؤرخين على أن الأحداث التي قادت إلى حرب الـ 67 كانت "غير مقصودة ونتيجة أخطاء في الحسابات وسوء الفهم. لكن لارون يعتقد غير ذلك، ويجادل بأنها (الحرب) "كانت مرغوبة من قبل كبار الشخصيات العسكرية في البلدان المتحاربة، كما أن هناك نمطاً مشتركاً بين البلدان الثلاث التي اشتركت فيها (مصر، سورية وإسرائيل)، يتعلق بالخلاف الحاد بين المؤسسة العسكرية والساسة". ويشير الكاتب إلى أن "أزمة ميزان الدفوعات في البلدان الثلاث، التي أدت إلى تفاقم الركود الاقتصادي وزيادة معدلات البطالة. زعزعت بدورها السياسيين في أقطار عدة، من إندونيسيا وصولاً إلى البرازيل، وأدت إلى تدخل العسكر في الشأن السياسي عبر انقلابات عسكرية أطاحت بالكثير من الحكومات. وفي السياق، شهدت مصر وإسرائيل ضغوطاً من قبل العسكر على القادة السياسيين، فيما شهدت سورية انقلابات عسكرية عدة". لكن، فات الكاتب أنه حتى في إسرائيل كان هناك تهديد من قبل العسكر بتنصيب موشيه دايان وزيراً للدفاع قبيل الحرب رغماً عن رئيس الوزراء حينها ليفي أشكول، الذي كان يحتفظ بمنصب وزير الدفاع. ويرى لارون أن هناك عاملاً آخر مشابه لوضع ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى، إذ "كان هناك كثير من الإسرائيليين غير راضين عن الوضع الإقليمي القائم، واعتقدوا أن المقدرة الفائقة للجيش تمكّنه من اقتطاع أراضي جيرانه".

ويرى الكاتب أن "التطورات السياسية في سورية، وتناحر النخب الحاكمة أدت إلى تفاقم الوضع مع إسرائيل، إذ تعمدت تلك النخب إطلاق العنان لحركة "فتح" للقيام بعمليات ضد إسرائيل، بغية تحقيق مواجهة تحرج بها الزعيم المصري جمال عبدالناصر. كما سعت القيادة السورية، والتي استشعرت معارضة قوية من قبل الناصريين، للعودة إلى الاتحاد الذي انفصم عراه عام 1961. وكان لها ما أرادت، إذ وافق الرئيس الراحل جمال عبدالناصر على تشكيل حلف عسكري مع نظام البعث السوري، ليصبح الزعيم المصري بذلك القائد الطبيعي للعالم العربي". ويلفت لارون هنا إلى أن "عبدالناصر سقط في مصيدة البعث".

ويحاول الكاتب فهم السياق العام للحرب المقبلة، عبر تحليل صراع القوة بين الرئيس عبدالناصر والمشير عبدالحكيم عامر، والذي يعود إلى "فساد الثورة" برأيه. إذ أدت الأزمة الاقتصادية إلى اختفاء الحاجات الأساسية من الأسواق. وبدأت مصر تعاني أزمة في ميزان المدفوعات وتفاقم المديونية الخارجية التي وصلت إلى 1,4 بليون دولار. ولم تستطع الدولة تموين حاجتها بسبب الديون المتراكمة والتي أدت إلى إغلاق بعض المصانع لعدم توفر قطع الغيار. ولم تفلح القاهرة في الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي الذي هدد بطرد مصر إذا لم تسدد ما عليها من مدفوعات. هذه الأوضاع الاقتصادية، أثقلت كاهل المواطن المصري وجعلت الرئيس (عبدالناصر) يخشى فقدان شعبيته التي بناها على مدى سنوات، ما يتيح لمنافسه السياسي المشير عامر الإطاحة به. وإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية، كان لحرب اليمن التي تورط فيها عبدالناصر أثار عسكرية واقتصادية سلبية. إذ إنها جعلت مصر تفقد الكثير من الموارد التي كانت في أشد الحاجة إليها، فضلا عن أن نصف الجيش المصري كان منخرطا في تلك الحرب الأهلية بين "الثوار" وأنصار الإمام المخلوع.

ويتناول الكاتب موضوعاً تم التطرق إليه كثيراً، يتعلق بتأثير النظام الإقليمي على تطور الأوضاع التي أدت إلى الحرب التي ثبت أنها كانت "مصيرية" في تاريخ المنطقة. ولعل كتاب مالكوم كير حول "الحرب العربية الباردة" خير مَن تناول هذا الموضوع، إذ رأى أن النظام الحاكم في دمشق أراد أن يحرج عبدالناصر باستفزازات إسرائيلية والتسبب بمواجهة بين مصر وإسرائيل، أو أن يقوم بتوبيخ النظام المصري بأنه يتخفى وراء ستار قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة، في ظل تزايد الضغوط والدعايات المضادة التي أدت إلى الطلب المصري بمغادرة هذه القوات.

ولكن الأهم من كل ذلك، تجلى في إغلاق مضائق تيران، الذي اعتبر بمثابة "إعلان حرب" كما وصفه الإسرائيليون حينها. علماً أن هناك حقائق قلة من يعرفونها أو يتحدثون عنها، ومنها أن إيلات التي يقع فيها الميناء، مقامة على أنقاض بلدة مصرية تدعى أم الرشراش، تقع على خليج العقبة، قام الإسرائيليون باحتلالها بعد توقيع الهدنة في العاشر من آذار (مارس) 1949، وهي كانت بالتالي، من وجهة نظر مصرية، أرض محتلة بشكل غير شرعي، ومن هنا فإن إغلاق منافذها لا يعتبر مخالفاً لأي قوانين طالما أنها احتُلت من قبل إسرائيل بعد الهدنة.

وينتقل الكاتب إلى استعراض الخلفية التي أدت إلى اندلاع حرب "حزيران 1967"، إذ يناقش العلاقة الشائكة بين الساسة والعسكر في إسرائيل ومدى إسهامها في تصعيد وتيرة الحرب مع الدول العربية. علماً أن هناك مقولة مفادها أن الدول تمتلك جيوشاً، ولكن الجيش الإسرائيلي يمتلك دولة. تجدر الإشارة إلى أن تلك المرحلة كانت تشهد توتراً بين كبار قادة الجيش والقادة السياسيين حول توسع إسرائيل على حساب جيرانها العرب الرافضين لوجود الدولة الصهيونية. وذكر الكاتب أن أحد كبار ضباط الجيش الإسرائيلي فاخر في ذلك الوقت بأنه في الدول الأخرى "الحكومة تحدد أهداف الجيش. ولكن العسكر في إسرائيل هم من يخلقون الخطة الاستراتيجية لأن الحكومة لم تعط توجيهات".

عندما تولى ليفي أشكول رئاسة الوزراء في عام 1963، دخل في نقاش مع قيادة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، واكتشف حينها حماسة قادة الجيش لاستغلال أي حرب مقبلة لتوسيع رقعة إسرائيل . فيما كان بن غوريون يكرر أن الحدود الحالية لإسرائيل غير محتملة. وكان الأخير ينظر إلى العالم العربي ليس كتهديد، بل على أنه يشكّل فرصة لتوسّع دولة قوية (إسرائيل) على حساب الدول العربية المتخلفة والمنقسمة على ذاتها.

وبتشجيع من بن غوريون، سعى المخططون في الجيش الإسرائيلي إلى رسم خطط لجعل حدود إسرائيل أكثر أمنا، من خلال التوسع إلى ما أسموه "الحدود الطبيعية للدولة". وتوصل هؤلاء إلى مفهوم "المجال الحيوي الاستراتيجي لإسرائيل" الذي يشير إلى أن على إسرائيل التوسع والسيطرة على سيناء لوجود النفط وبعض المعادن فيها. كما أن عليها السيطرة على الأردن و"تمديد أصابعها" إلى حقول النفط السعودية.

وبالنسبة إلى سورية كان لعاب القادة العسكريين الإسرائيليين يسيل لاحتلال مرتفعات الجولان. ففي اجتماع لهيئة الأركان العامة في عام 1959، قال إسحاق رابين، الذي أصبح رئيساً لأركان الجيش أثناء حرب 1967، إن الغرض من الاستفزازات الإسرائيلية على الحدود مع سورية "توسيع سيطرتنا على الأرض". وقال إنه عازم على "تقديم اقتراح للجنة الهدنة التابعة للأمم المتحدة لتسوية النزاع مع سورية وهو الأمر الذي سترفضه دمشق، وحينها سنقبض على حنجرة السوريين".

وبعد أن عُيّن رابين رئيساً للأركان، في آب (أغسطس) 1964، شهدت المناطق المنزوعة السلاح بين سورية وإسرائيل حوادث عدة. واقترح رابين القيام بعمليات قصف جوي في حال قام السوريون بمهاجمة المزارعين في الأراضي المتنازع عليها. وحين استفسر رئيس الوزراء عن الأسس القانونية، رد رابين قائلاً: "ليس هناك أي أسس قانونية بأن تلك الأراضي هي أراضٍ يهودية". وتابع رابين محاولاته لإقناع أشكول بإرسال جرافات زراعية إلى تلك الأراضي، على أن تقوم إسرائيل بمهاجمة المواقع السورية، في حال تمت مهاجمتها من قبل السوريين. وكشف رابين عن نواياه، وفق ما يقول الكاتب، حين أعلن عن عزمه على احتلال الجولان.

من نافل القول إن التجاذبات التي نتحدث عنها كانت تحدث في سياق دولي. وأهمها ما يتعلق بموقف واشنطن من الحرب. والسؤال الذي يطرح دائما هو: هل كان هناك تواطؤ بين واشنطن وتل أبيب في شن الحرب على الدول العربية؟ علماً أن الصحافي والمفكر الراحل محمد حسنين هيكل، الذي كان مقرباً من الرئيس جمال عبدالناصر، كان يجزم بأن الرئيس الأميركي الراحل ليندون جونسون "توصل إلى تفاهم مع إسرائيل لتوجيه ضربة عسكرية إلى مصر لتحجيم عبدالناصر، أو إسقاط نظامه". بل كان هيكل يقول إن "الولايات المتحدة نسقت مع إسرائيل هبوط طائراتها بعد تنفيذ الضربة الجوية على حاملة الطائرات في البحر المتوسط إذا ما اضطرت لذلك".

ويشير الكتاب إلى أن تغيراً في توجه واشنطن بدأ مع اغتيال الرئيس جون كينيدي وخلافة جونسون له في الرئاسة. إذ كان الأخير يضيق ذرعاً بشخصيات في العالم الثالث اتخذت مواقف حيادية في الصراع بين القطبين الرئيسين (موسكو وواشنطن). وأن الولايات المتحدة تبدد موارد عدة كمساعدات، لا تثمر سياسياً في هذه الدول. وكانت واشنطن سئمت تدخلات مصر في الكثير من دول النامية التي كانت ترزح تحت الاستعمار الأوروبي. إذ كانت القاهرة تمد يد العون إلى الكثير من حركات التحرر، بل تتدخل مباشرة في بعض الدول كاليمن الشمالي، وتدعم الثوار في الجنوب العربي. كما قدمت العون في الحرب الدائرة في الكونغو ودعمت الرئيس باتريس لومومبا بخلاف موقف واشنطن من الصراع الدائر هناك.

ويورد الكاتب بعض المؤشرات على دعم أميركي لإسرائيل في صراعها مع الدول العربية، لافتاً إلى أنه عندما سُئل أشكول في نيسان (أبريل) 1967 عن الدعم الأميركي، رد بأن "واشنطن أعطت الكثير من الوعود الإيجابية بالوقوف إلى جانب إسرائيل. وحين نطلب منها سلاحاً يقولون لنا: وفروا على أنفسكم المال... نحن هنا... الأسطول السادس هنا...". علماً أن واشنطن من قبل لطمأنة إسرائيل إلى قدرة الولايات المتحدة على حماية أمنها. ودعت واشنطن في تشرين الثاني (نوفمبر) 1964 كل من شمعون بيريز ورابين وحاييم فايتزمن إلى القيام بجولة على متن الأسطول السادس، لمعاينة القدرات الأميركية على التدخل السريع إذا ما تعرض أمن إسرائيل للخطر. وكشف رابين في مذكراته عن الانطباع القوي الذي تكوّن لديه إثر معاينة القدرات الجوية المحملة على الأسطول. من هنا، هل يشكل ما تقدم مؤشراً على التواطؤ بين الطرفين قبل شن الغارات الجوية لتدمير كل القدرات الجوية المصرية؟ أم انه مجرد تعاون عسكري لا يرقى إلى مؤامرة ضد الدول العربية؟

في ذلك الحين، كان الاتحاد السوفياتي حينها يمثل القطب الآخر الذي لعب دوراً في الأحداث التي قادت إلى "حرب 1967". وكانت نظرة السوفيات تحكمها "الحرب الباردة" والأوضاع الداخلية لجهة تحسين المستوى المعيشي للمواطن السوفياتي. وهو ما أدى إلى انقسام في الرؤى على مستوى القيادة بعد التخلص من الزعيم نيكيتا خروتشوف، إذ كانت القيادة السوفياتية منقسمة بين الصقور الذين لم يهابوا المواجهة بين مصر وإسرائيل. وبين الحمائم والذين سعوا لتنفيس مواطن الاحتقان.

ولكن النقطة الأهم في التأثير السوفياتي على تطور الأحداث، كانت المعلومات الاستخبارية التي أوردتها موسكو إلى القاهرة عن حشود عسكرية على الحدود لشن حرب على سورية، ما استدعى تحركات مصرية في سيناء لردع إسرائيل . ففي العشرين من أيار (مايو) 1967، أي قبل 18 يوماً من الحرب، أكدت موسكو لوزير الدفاع المصري شمس بدران، أنباء الحرب على سورية، وأفادتها بأن "تل أبيب أجّلت الحرب على سورية ولكنها لم تلغيها". ويجدر بنا هنا التوقف عند هذه النقطة، ذلك أن هناك من يقول إن المعلومات الاستخباراتية التي أوصلتها موسكو إلى القاهرة "لم تكن صحيحة". ولكن الباحث في شؤون الصراع الإسرائيلي -الفلسطيني نورمن فنكلستين، كشف في إحدى مقابلاته بأنه كانت لدى السوفيات معلومات بأن مجلس الوزراء الإسرائيلي اتخذ قرار الهجوم على سورية. وهو يستند في ذلك إلى المؤرخ الإسرائيل، آمي قلوسكا الذي قال إن "التقديرات السوفياتية في منتصف أيار 1967 بأن إسرائيل على وشك أن تضرب سورية كانت صحيحة ومبنية على صواب".

وأخيرا، يتطرق الكاتب إلى موضوع التطورات الداخلية والمنافسات بين الشخصيات الإسرائيلية والمسار إلى الحرب، مستعرضاً السجال الذي دار بين أشكول الذي كان يبحث عن مخرج للأزمة من دون الدخول في حرب مع مصر، ويسعى إلى تأجيل مسالة الحسم العسكري إلى أسابيع أخرى حتى ينجلي الوضع بشكل أفضل، في حين كان جنرالات الجيش الإسرائيلي يرون في الحرب فرصة للتوسع وتعويض ما فاتهم في حرب 1948. ووصف لارون هذه المناورات بـأنها كانت بمثابة "انقلاب"، خصوصاً حين فرضت الأحزاب المتعددة داخل الائتلاف وخارجه تعيين موشيه دايان وزيراً للدفاع. وإدخال المعارضة في الائتلاف الحكومي ومنحها مقاعد في الحكومة، ما رجح كفة الصقور.

ومن الأشياء التي يذكرها الكتاب أنه "في الثاني من حزيران 1967، اجتمع الرئيس عبدالناصر مع كبار قادة الجيش وأبلغهم بأن إسرائيل ستقوم بهجوم جوي في الخامس من الشهر ذاته". تجدر الإشارة إلى أن الزعيم السوفياتي ليونيد بريجينيف قال إن عبدالناصر لم يكن يخمن موعد الحرب، بل كانت لديه معلومة مؤكدة مصدرها السفارة الأميركية في القاهرة". من هنا، كيف علمت واشنطن بموعد الحرب؟ ولماذا أبلغت السفارة الأميركية في مصر القاهرة بموعد الحرب؟ هذا ما سيظل من أسرار تلك الحرب قد تكشفه الوثائق في المستقبل. ولكن من المؤكد أن الولايات المتحدة كانت منخرطة في هذه الحرب أكثر مما تقر به. ذلك أن أبعاد الهزيمة المدوية في الخامس من حزيران، أكبر من مجرد صراع بين قوى إقليمية.

ختاماً، إذا كانت أهمية كتاب لارون تنبع من كونه يستند على مصادر أولية الكثير منها إسرائيلي، إلا أن الصورة لن تكتمل إلا بكتاب يعتمد على الوثائق العربية حول هذه الحرب المصيرية.

الأكثر قراءة في الرأي