نصيحة الثعلب وأمنيته وقارب شي ـ بوتين

أحمد الصياد |

لطالما تلقّى الرئيس الأميركي دونالد ترامب نصيحة غالية من الثعلب العجوز هنري كيسنغر (95 عاماً)، الجمهوري وزير الخارجية (1973 -1977)، بالعمل مع روسيا لاحتواء الصين. غير أن الحال أن ضغطاً أميركياً، على الجانبين أدى إلى ما تشهده العلاقات الصينية - الروسية من تقارب واضح، ما يشير إلى بُعد نظر كيسنغر حين باح بأمنيته، في خضم السباق الرئاسي الذي أدخل ترامب البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني (يناير) 2017، قائلاً: "إنني أُفضل مرشحاً جمهورياً غيره". لكن ترامب نجح، وربما لم يشأ مجافاة الرأي العام الأميركي حول كيسنغر، كشخصية نافذة في المجتمع الأميركي، لذا فهو دائم التشاور معه، وكثيراً ما يعلن احترامه له، في ما يُعد وضعاً استثنائياً.


بداية، تجدر الإشارة بإيجاز إلى الوضع الاقتصادي للبلدين؛ إذ أكد تقرير حديث للبنك الدولي أن الاقتصاد الروسي وصل في عام 2018 إلى أعلى مستوياته في السنوات الست الأخيرة، محققاً نمواً قدره 2.3 في المئة. ويرى محللون أن الأسباب تعود إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة عائداته التصديرية وتنفيذ مشروعات عملاقة في مجال الطاقة، إلى جانب استضافة كأس العالم لكرة القدم. ما خفَّف من تأثيرات العقوبات الغربية المفروضة على روسيا. لكن البنك الدولي خفَّض توقعاته لنمو الاقتصاد الروسي لعام 2019 من 1.4 إلى 1.2 في المئة، مُرجعاً الأسباب إلى انخفاض إنتاج النفط وزيادة ضريبة القيمة المضافة منذ بداية العام الجاري. وفي ما يتعلق بالاقتصاد الصيني، توقَّع تقرير أخير للبنك الدولي أن ينمو بمعدل 6.2 في المئة في عام 2019، و6.1 في المئة في عام 2020، مقابل 6.6 في المئة في عام 2018. وأشار التقرير إلى حاجة الاقتصاد الصيني إلى الاعتماد بشكل متزايد على الطلب المحلي للحفاظ على النمو السريع، في ظل الحرب التجارية وما تفرزه من تباطؤ النمو العالمي. وعليه؛ فإن اعتماد روسيا على الصين أكبر من اعتماد الثانية على الأولى، لكن ترامب يُهدر فرصة احتواء الصين إذا ما عزَّز العلاقات مع روسيا؛ ذلك أن الخطر الحقيقي على أميركا يأتي من الصين وليس من روسيا، كما يقول كيسنغر. وفي إطار الذكرى السبعين للعلاقات بين البلدين، إذ كانت روسيا أول دولة تعترف بجمهورية الصين الشعبية غداة إعلانها في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 1949، شهدنا آخر تجليات التقارب الصيني - الروسي، عندما قام الرئيس الصيني شي جينبينغ أخيراً بزيارة دولة إلى روسيا، اختتمها بحضور منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي الـ 23، والذي جمع قادة وممثلين لنحو 1800 شركة روسية وأجنبية من 75 دولة.

"أعز أصدقائي..."؛ عبارة وصف بها جينبينغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي استقبله في الكرملين بحفاوة بالغة، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين بلغت حداً غير مسبوق، (المبادلات التجارية بينهما ارتفعت بنسبة 25 في المئة في عام 2018 لتصل للمرة الأولى إلى 108 بلايين دولار). فيما يعتبره المحللون توجهاً روسياً صوب السوق الصينية كبديل من السوق الأوروبية بعد العقوبات الأوروبية والأميركية في عام 2014 على خلفية الأزمة الأوكرانية وضم القرم. وبالفعل أغدقت الصين في الاستثمار في الاقتصاد الروسي، كما أفاضت في منح القروض. وحلَّت بكين بذلك بديلاً طبيعياً للمنسحبين من موسكو تحت ضغط العقوبات الغربية، فباتت "مستثمراً رئيساً" في الاقتصاد الروسي و"مانحاً سخياً للقروض"؛ وإن كان الاستثمار الأوروبي هو الأول في الاقتصاد الروسي حتى الآن. وعلى رغم وفرة الاتفاقات الاقتصادية التي أفرزتها الزيارة؛ فإن اتفاقاً بعينه حمل الكثير من الدلالات، وهو الخاص باستفادة روسيا من تكنولوجيا 5G التي ينتجها عملاق التكنولوجيا الصيني شركة "هواوي"، التي أثنى بوتين كثيراً عليها، في رسالة سريعة ردَّت بها بكين على حركة ترامب المضادة للشركة في أوروبا، وآخرها تحريضه بريطانيا على أن تقتدي ببلاده وتضع الشركة في القائمة السوداء حفاظاً، على العلاقات الاستخباراتية القوية التي تجمع واشنطن بلندن.

لم تغب ملفات سياسية بعينها عن محادثات جينبينغ ـ بوتين، لعل أهمها علاقات البلدين مع القوى الغربية الكبرى، خاصة أميركا، فضلاً عن الملفات ذات التوافق الكبير بين البلدين: البرنامج النووي الكوري الشمالي، والاتفاق النووي الإيراني، والأوضاع في كل من سورية وفنزويلا. يشير إلى ذلك التصويت المماثل لكل من موسكو وبكين في مجلس الأمن. وشهدت الساحة الدولية مع مطلع حزيران (يونيو) الجاري حركة حملت بعضاً من سمات الثنائية القطبية التي حكمت العالم بين الأعوام 1945 - 1991، إذ زار ترامب بريطانيا وأرلندا وفرنسا، بينما حلَّ الرئيس الصيني ضيفاً كبيراً علي روسيا. وتم تبادل الرسائل بين الجانبين بطعم الحرب التجارية، على نحو يُعلي من شأن دور الاقتصاد في العلاقات الدولية المعاصرة. ويلاحظ أن أميركا ترامب تخوض حرباً تجارية شاملة، ليست مع أعداء الأمس فحسب؛ إذ الحروب التجارية "الترامبية" لا تستثني حليفاً أو جاراً، فإلى جانب الصين نجد اليابان وأوروبا والمكسيك، وإن كانت الأخيرة قد حظيت أخيراً باتفاق، أعلنه ترامب، منع تطبيق الرسوم الجمركية المشددة التي كانت تنتظر منتجاتها على الحدود مع الولايات المتحدة. إذ فضلت المكسيك تشديد قبضتها على الهجرة غير الشرعية عبر حدودها إلى أميركا، لكن يبقى هاجس المكسيك إزاء "سور ترامب" حياً لم يمت، فهو وعد انتخابي لم يستطع الرئيس الأميركي تحقيقه، ومن المتوقع أن يحاول مرة أخرى في حال فوزه بفترة رئاسية ثانية. وأسهم ترامب بقدر كبير في توحيد منافسيه، بالكفاءة نفسها التي يخسر بها حلفاءه؛ فلطالما وصف الصين وروسيا بأنهما منافسان اقتصاديان للقيم والمصالح الأميركية؛ ومن ثم فإن جينبينغ وبوتين رَكِبا في مركب واحد، يدفعه صوب مصالحهما ما بينهما من قواسم مشتركة: فكر متشابه له جذور راسخة. وشكوك متزايدة في النيات الأميركية. وصلاحيات داخلية مطلقة. ورغبة روسية في استعادة ماضي موسكو الجميل، يقابلها تفوق صيني مشهود تود بكين لو أسقطت به واشنطن من عرش النظام العالمي. وقدرة على البقاء في السلطة؛ إذ نجح بوتين في الفوز لولاية رابعة، ولن يعجزه شيء عن الخامسة وما بعدها، على رغم انخفاض شعبيته أخيراً، علماً أن الصين فتحت الأفق أمام الولايات الرئاسية؛ ومن ثم فإن جينبينغ قد يظل رئيساً إلى آخر عمره، لتغرق نصيحة الثعلب العجوز، بعد موت أمنيته، ويندفع قارب شي - بوتين في اتجاه عالم متعدد الأقطاب.

* كاتب مصري.