القضايا تذوب.. الذكريات تبقى!

علي القاسمي |

يمضي الزمن في غمضة عين، وهذا أمر مخيف وقد يكون مزعجاً من زاوية أخرى، بمعية هذا المضي يحدث أن نتوقف للتفكير، واستحضار مواقف أو ذكريات أو أحداث أو قرارات قادت في مجملها قاطرة كبرى لقضايا اجتماعية.


اليوم هو العاشر من شهر شوال، حيث يمثل الذكرى الأولى لمرور عام على قيادة المرأة السيارة، وهناك بالطبع عدد من القضايا التي اعتُبِرت في مرحلة مبكرة قضايا غير طبيعية وحدوثها أقرب للمستحيل، ثم أتت لحظات مفصلية لتتجاوز هذه القضايا وتتعامل معها بطريقة طبيعية وبمسيرة هادئة وكأن تاريخ الصراع الذي عاشته لم يكن شيئاً على الاطلاق.

لو عمد أحد المهتمين والناشطين إلى جمع ما أنتجته قضية قيادة المرأة للسيارة لأخذته الصدمة من تفاصيل ودهاليز المجموع والمرصود، ولكن بعد نهاية عام من عبور مشروع القيادة بسلام، نؤمن ونسلم أنّ كثيراً من القرارات ذات البعد الاجتماعي تحتاج لصرامة وجرأة مصحوبة بغطاء حماية لمجابهة ما يدخل في خانة الاستثناء من الأفعال والسلوكيات والتجاوزات، وللحق - وعطفًا على معارك مضت - لم يكن لأحد أن يتخيل مرور القضية الأشهر مرور الكرام، وإن انطوت على خجل وعجل، حكاية تربعنا رهائن لمخاوف مرسومة وتسطيح اجتماعي وشكوك تُسحب دائما إلى الخانات والمساحات التي لا نريد أن تجري فيها أفكار أو عناوين بعينها، وأقنِعْنا على امتداد عمر طويل أنها أفكار مخالفة منحرفة ذات مساس بمعتقدات وثوابت.

مثلت قضية قيادة المرأة السيارة واحدة من القضايا الاجتماعية التي ما أن يتم التحدث في أروقتها على صعيد التأييد والدعم والموافقة إلا ويدخل المتحدث إلى دوائر التصنيف والتخوين والتهديد، بل اعتبرت قضية شائكة مزعجة استنفرت الهمم والخطب والمنابر والمحابر، ويكفي أن تهمة «العلمانية» كانت تُطلَق من المجتمعات المهووسة بالشك على كل من يدون بضعة أسطر أو جمل خاطفة تتضمن الدعم والتعاطف والانحياز للصوت المرحب بالفكرة حينها.

مساحة هائلة من التحليق والتحليل تحضر مع إغلاق العام الأول بهدوء تام وجريان طبيعي لما لم يكن طبيعيا أن يجري، أسئلة متراكمة تقفز إلى الطريق بعد أن كان مجرد الهمس بها خطوة غير لائقة ولا مناسبة، عام مر بلا ضجيج، وكأن جملة السطر الأخير تفرض نفسها وتقول «المعركة الاجتماعية الأشهر تنتهي بسلام، وعدد من أبطال المعركة اختفوا أو تراجعوا أو خفت حدتهم، المعركة الشرسة تغلق 365 يوماً ولم يكن فيها شهيدا ولا مذبوحا ولا مفتونا ولا مطعونا، ولعل قدر معاركنا الشهيرة أن تمضي بهدوء ونحن الذين لم نحلم ونتوقع أن يكون الهدوء واحداً من نهاياتها ولا محطاتها، قدر المعارك المفتعلة أن تذوب طالما كان أبطالها مندفعون متحمسون برؤية أن الصلاح حصري والهداية أمر لا بد أن يمر على عدد من المساطر، وأن الموافقة على كثير من التوجهات والقرارات والخطوات العملية لن يكتب لها جواز العبور إلا بعد تفعيل مشاريع التضخيم والاحتساب وبث قصص الرعب بطريقة تعدم التفكير وتؤسس للظلام أكثر من النور.. القضية انتهت، إنما كثير من مسارات التفكير الجريء الجاد للتو أُضيئت.