غايةُ التشريفُ بأوقافِ المصحفِ الشريفِ

إبراهيم البيومي غانم |

لما كان القرآنُ الكريمُ من حيثُ وصفِه الظاهر هو "كتابٌ" من أوراقٍ مسطورة بين دفتين، نسميه "المصحف"؛ فإنه يأخذ حكمَ "المنقول" الذي يمكنُ أن يحوزه الإنسان ويتصرف فيه تصرف المالك فيما يملكه، وقد أجاز فقهاء المذاهب وقفَ المنقولات من الكتب والسيوف والكراع وما تعامل به الناس وجرت عليه عوائدهم. إلا أن المسلمين تحرَّجوا على مرِّ الزمن من وصف حيازتهم للمصحف بأنها "مِلكية"؛ وتحرَّجوا أيضاً من أن يكونَ محلاً للبيع والشراء، أو أن يكونَ له "ثمنٌ" عند التصرف فيه؛ فقالوا إن للمصحف "وهبةً"، أو عوضاً رمزياً؛ لأن تقدير ثمن "كتاب الله" متعذرٌ؛ بخلاف غيره من الأشياء التي تدخلُ ضمن ملكية الإنسانِ وتصرفه.


وتروي كتبُ التاريخ والأدب والتراجم والسِّيرِ أن وقفَ "المصحف الشريف" قد رافقَ إنشاء المساجد والجوامع في شرق العالم الإسلامي وغربه. وكانت ندرةُ المصاحف في تلك الأزمنة باعثاً قوياً على اقتنائها ووقفها تقرباً إلى الله تعالى ورجاءً في نيل رضاه.

وتعتبر صورة المصحف الشريف المثالَ الأعلى للفن في علم "الجمال الإسلامي" كما يقول صديقنا العلامة العراقي الدكتور ادهام محمد حنش. ومن هنا يمكن القول إن هذه الثقافة بكل مبادئها وأسسها وشروطها وتقنياتها وأساليبها وأشكالها وصورها؛ تتصل اتصالاً عضوياً حميماً بجمالية المصحف الشريف بوصفه الكتاب المخطوط الأول في الإسلام، الذي حرص المسلمون على العناية الفائقة بصناعته الفنية التي قدمت أفضل شكل وأحسن صورة للكتاب المخطوط. وقد كُتبت بعض الكتب المشتهرة كما تكتب المصاحف؛ وقد أخبر المؤرخ ابن الخطيب البغدادي (463هـ/1070م)- مثلاً- أن تآليف الإمام الشافعي كانت تُكتب كما تكتب المصاحف الشريفة. وأنا رأيتُ في خزانة حجج الأوقاف المصرية- بديوان الوزارة في باب اللوق- بعض حجج أوقاف محمد علي باشا مكتوبة بخطوط لها رسم كتابة المصحف الشريف.

ومن بواكير أوقاف المصحف ما رواه المقريزي في "المواعظ والاعتبار" وهو: أنَّ عبدَ العزيز بن مروان "أمر بكتابة مصحف"، وأن السبب في كَتْبِ هذا المصحف هو أنَّ الحجاجَ بن يوسف الثقفي كَتَبَ مصاحف وبعث بها إلى الأمصار، ووجَّه إلى مصرَ بمصحفٍ منها، فغضب عبد العزيز بن مروان من ذلك- وكان الوالي يومئذٍ من قبل أخيه عبد الملك- وقال: يبعثُ إلي جندٍ أنا فيه بمصحف؟!؛ فأمرَ فَكُتِب له هذا المصحف الذي في المسجد الجامع (يقصد جامع عمرو بن العاص بالقاهرة). فلما فرغَ منه قال: من وجدَ فيه حرفاً خطأً فله رأسٌ أحمر، وثلاثون ديناراً . فتداولَه القرَّاء، فأتي رجلٌ من قرَّاء الكوفة، اسمه زُرعةُ بن سهيل الثَّقفي، فقرأه تهَجِياً، ثم جاءَ إلى عبد العزيز بن مروان فقال له: إنِّي قد وجدتُ في المصحف حرفاً خطأً. فقال: مصحفي؟ قال: نعم. فنظر فإذا فيه (إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) ص:23. فإذا هي مكتوبة "نجعة"، قد قُدِّمت الجيمُ قبل العين. فأمرَ بالمصحف فأُصلح ما كان فيه، وأُبدلت الورقة، ثم أمر له بثلاثينَ ديناراً وبرأس أحمر. ولما فرغَ من تدقيق هذا المصحف، كان يحملُه إلى المسجد الجامع غداةَ كل جمعة من دار عبد العزيز، فيَقرأ فيه القراء، ثم يُقصُّ القصصُ. فكان أول من قرأَ فيه عبد الرحمن بن حُجيرة الخولاني... ثم توفي عبد العزيز سنة ست وثمانين فبِيعَ هذا المصحف في ميراثه، فاشتراه ابنه أبو بكر بألف دينار، ثم توفي أبو بكر فاشترته أسماء ابنتُه بسبع مائة دينار، فأمكنت الناس منه، وشهرته فنُسب إليها. ثم توفيت أسماءُ فاشتراه أخوها الحكمُ بن عبد العزيز بن مروان من ميراثها بخمس مائة دينار، فأشار عليه توبةُ بن نمر الحضرمي القاضي- وهو متولي القَصص يومئذ بالمسجد الجامع، بعد عقبة بن مسلم الهمداني، وإليه القضاء؛ وذلك في سنة ثمان عشرة ومئة- فجعله في المسجد الجامع، وأجرى على الذي يقرأ فيه ثلاثةَ دنانير في كل شهر، من غلة الإِسطبل. فكان توبةُ أول من قرأَ فيه بعد أن أُقرَّ في الجامع". (المقريزي، (ت845هـ)، كتّاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، نشرة: أيمن فؤاد سيد- لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 2013م، ج4/30-31).

ونقل المقريزي في خططه أيضاً خبراً عن وقف مصحف عثمان بن عفان رضيَ الله عنه في جامع عمرو بن العاص في سنة 347هـ. وحاصلُ الخبر هو: أنَّ رجلاً أحضرَ مصحفاً من العراق، وقال: إنه مصحفُ عثمان بن عفان. وكان فيه أثرُ دمٍ، وقال الرجل "استخرجته من خزائن المقتدر بالله العباسي"، ووقفَه في جامع عمرو بن العاص. وقد نقل المقريزي ما قالَ إنه رآه مكتوباً على ظهر هذا المصحف ونصُّه هو:

"بسمِ الله الرحمن الرحيم، الُحمد لله رب العالمين: هذا المصحفُ الجامعُ لكتابِ الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه؛ حمله المباركُ مسعود بن سعد الهيتي لجماعة المسلمين القرَّاء للقرآن التالين له، المتقربين إلى الله جل ذكره بقراءته، والمتعلمين له ليكونَ محفوظاً أبداً ما بقي ورقه ولم يذهب رسمه؛ ابتغاء ثوابِ الله عز وجل ورجاء غفرانه، وجعلَه عمدته ليوم فقره وفاقته، وحاجته إليه؛ أنالَهُ الله ذلك برأفته، وجعل ثوابَه بينه وبين جماعةِ من نظر فيه (...) وتبصر ورقه، وقصد بإيداعه فسطاطَ مصر في المسجد الجامع، جامع المسلمين العتيق؛ ليُحفظ حفظ مثله مع سائر مصاحف المسلمين، فرحمَ الله من حفظه، ومن قرأَ فيه، ومن عُني به، وكان ذلك في يوم الثلاثاء مستهل ذي القعدة سنة سبع وأربعين وثلثمائة، وصلى الله على محمد سيد المرسلين وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً وحسبنا الله ونعم الوكيل".

وقبل ذلك، وفي سنة 298هـ وقفَ عبد المنعم بن أحمد ثلاثينَ جزءاً من المصحف في الجامع الأموي في دمشق. ويقول الأستاذ يوسف العش إنه: "لا يزال جزءٌ منه محفوظ حتى اليوم في المتحف الوطني السوري". وروي المقَّري التلمساني: أن أبا عبد الله محمد بن إبراهيم اليَقُّوري "قدم إلى مصر ومعه مصحفُ قرآنٍ، حِمْلُ بغلٍ، بعثه ملك المغرب ليوقفه بمكة، ثم عاد بعد حجِّه، ومات بمراكش سنة 707هـ". (أحمد بن المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار صادر، الطبعة السادسة، 1433هـ/2012م/ج2/ص53.)

ويذكر يحيى الساعاتي مؤلف كتاب "الوقف وبنية المكتبة العربية"، أنه قرأ نصاً مكتوباً على جزءٍ من القرآن الكريم موقوف على الجامع الكبير بصنعاء وهذا النص هو: "وقفَ وحبَّس وسبَّل هذا الجزء، وما قبله وما بعده من الأجزاءِ إلى تمام خمسة عشر جزءاً الأَخوان: أبو المغيث وهادي؛ ابنا علي الكناني للقراءة فيه بالجامع الكبير بمدينة صنعاء المحروسة؛ لا يباع ولا يرهن، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. تقَّبل الله ذلك منهما، ثالث عشر محرم الحرام عام خمس وأربعين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام "فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ". (البقرة:181).

وقد اعتنى سلاطين آل عثمان بوقف المصاحف في المساجد التي شيدوها، وفي التكايا والمدارس التي أُلحقت بها أيضاً. ومن ذلك ما وردَ في حجة وقف السلطان سليمان القانوني بشأن التكية السليمانية في دمشق، وهو: "أن يُرتَّب رجلٌ موصوف بالأمانة، معروفٌ بحسن الديانة لحفظ المصاحف الشريفة الموضوعة هناك من المواضع المنيفة، ويعطى له كل يوم درهمان". (جعفر الحسني، التكية السليمانية في دمشق، مجلة المجمع العلمي العربي- دمشق، الجزء الثاني، المجلد الحادي والثلاثون. 19 شعبان 1357هـ/ 1 نيسان 1956م. ص441.). وحرص بعضُ المحسنين أثناء قيامهم بأداء الحج أو العمرة على إحضار مصاحف من بلاد الحرمين الشريفين ووقفها على مساجد بلدانِهم التي ينتمون إليها. وحرص آخرون على نسخها وإهدائها للوجهاء، والقادة ورؤساء القبائل، ومن ذلك أن ملوك مملكة سِنَّار (بالسودان حالياً) نسخوا مصحفاً وأهدوه لأسرة العبابسة بمنقطة التكاكتي (بمعنى: الأبواب) وهي من بلاد البجا شرق السودان.

وعلى هذا النحو؛ انتشرت أوقاف المصاحف في شتى أصقاع البلدان الإسلامية، واستمرَّ وقفُها في مختلف الأزمنةِ. وكل ما حدثَ هو أن مرورَ الزمن قد غيَّرَ شيئاً ما من صيغ وقفِ المصحف وصوره؛ فعوضاً عن وقفه في صورة مخطوط، بات وقفه في صورة مطبوع، مع كتابة نص يفيد وقفه لله تعالى، أو جملة قصيرة تفيد ذلك، أو حتى بمجرد وضعِه في مكتبة المسجد أو الجامع دون كتابة نصٍ ما يفيدُ وقفه؛ إذ يصبح المصحف وقفاً بحسب النية دون حاجة إلى دليل إثبات آخر.

لقد كان "الوقف" - ولا يزال- الوسيلة الأساسية لتوفير "المصحف" لكلِّ من يرغب في القراءة والحفظ والتعلم على مرِّ الزمن. ولما كان "المصحف" هو المصدر الأول والأعلى للعلم والمعرفة في تاريخ الحضارة الإسلامية؛ فإن إتاحته للجميع ومجاناً- في أغلب الحالات- على هذا النحو؛ تعني أن نظامَ الوقف قد أسهم بدور رئيسي في نشر العلم وبناء مجتمع المعرفة؛ ليس عن طريق إتاحة المصاحف وتمويل العلوم والمعارف التي نشأت حول المصحف وحده؛ وإنما- أيضاً- عن طريق إتاحة بقية مصادر العلوم الأخرى، وتيسير الحصول عليها دون قيود تُذكر. ولعلنا ندرك القيمة الحضارية لذلك إذا قارنا ما كان يحدث في أوروبا في عصورها الوسطى، وهي التي تقابلها عصور الازدهار الحضاري الإسلامي؛ إذ كان الحصول على جزء من "الكتاب المقدس" أمراً بعيد المنال، لارتفاع ثمنه من جهة، ولصدور قرارات كنسية تحرم اقتناءَه على غير رجال الكنيسة. وقد أكد المؤرخ الأميركي المشتهر "ول ديورانت"، على ذلك في قوله: "وحرم مجلس من مجالس الكنيسة عُقد في نَرْبُونة سنة 1227م على غير رجال الدين أن يكون لديهم جزء من الكتب المقدسة". وبقية قصة احتكار الكنيسة للعلم والمعرفة، ومحاربتها للعلماء ومحاكمتهم وحرق كتبهم بموجب محاكم التفتيش معلومة ومشينة إلى أبعد مدى، وحسبنا قول ول ديورانت أيضاً: "وأدى ارتفاع أثمان الكتب، وقلة الأموال اللازمة لإنشاء المدارس إلى انتشار الأمية، إلى حد لو أنه وجد في بلاد اليونان أو الرومان والأقدمين لجللهم بالعار" (قصة الحضارة، ج9/ص13).

وإلى جانب وقفِ "المصحف الشريف" الذي تشرف تاريخ الإنسانيةِ بأوقافه، دخل الناس أفواجاً في وقف ما لديهم من الكتبِ ومخطوطاتها في مختلف فروع العلم والمعرفة. ويدلُّ تاريخ حضارتنا الإسلامية على أن خزائنَ الجوامع والمدارس والزوايا ودور العلم والتكايا والأربطة والبيمارستانات قد حفظت ثروةً هائلة من الكتب الموقوفة في علوم: الحديث والتفسير والفقه، ومدونات الأدب والتاريخ، وكتب الطب، والكيمياء، والرياضيات، والبيطرة، والصيدلة، وكتب الصنائع والفنون الجميلة؛ ما بين مخطوطٍ أصلي، ومنسوخٍ منقول، ومطبوعٍ منشور.