الرواية الشفهية والتدوين التاريخي عند العرب

تراث
صالح محروس محمد |

الشائع عند الكثير من المؤرخين المحدثين أن علم التاريخ عند العرب المسلمين قام على أسس من الرواية الشفهية لعدم شيوع الكتابة في المجتمع العربي قبيل الإسلام وفي بداية العصر الإسلامي. ولم يكن ظهور الرواية الشفهية مرتبطاً بالإسلام بل كان أقدم عهداً منه، فالرواية بدأت فترة ما قبل الإسلام حيث كانت الوعاء الذي يحفظ به الرواة أنساب القبائل وأشعارها. غير أن هذا لا ينفي وجود كتب أو صحائف متفرقة أو دواوين مجموعة في الفترة السابقة للإسلام كما يظهر من قصة عامر بن الظرب مع الملك الغساني. غير أن الرواية الشفهية قبل الاسلام مرت بتطورات أملتها طبيعة العصر وحاجات المجتمع فقد نشأت أول أمرها بسيطة ثم نمت وتطورت ولكن في البداية لم يكن لها أي صفة علمية. إضافة إلى هذا لم يكن هناك أُناس متخصصون بها وإنما كان كل إنسان حر في ما يروي وكانت موضوعاتها الشعر وأخبار القبائل أي أيامها ووقائعها وأنسابها. إلا أن الرواية الشفهية كأية ظاهرة ثقافية بدأت تتطور بتقادم الزمن وذلك لعناية العرب بالشعر وبراعتهم به فظهر "الرواة" وأوقفوا أنفسهم لهذا الفن بحفظه وأدائه في المحافل والمنتديات والمجالس فصار لكل قبيلة شاعر وأحياناً أكثر يضع نفسه في خدمة القبيلة باعتباره لسانها الناطق باسمها ومن وراء هذا الشاعر راوٍ بمثابة تلميذ له حتى يصبح شاعراً في يوم من الأيام. وبدأت الرواية تقترب من الصفة العلمية قبيل الإسلام.


ومنذ ظهور الإسلام نزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم في صورة شفهية قبل أن يتحول إلى نص مكتوب. وقد ردد النبي الآيات الأولى من القرآن كما سمعها واحتفظ به الصحابة في صدورهم، ولم يُقرأ من صحف مكتوبة إلا في وقت متأخر لاعتماد العرب على الذاكرة في نقل المعرفة وكان الاهتمام بحفظ القرآن قد أنعش الذاكرة الشعرية والنثرية عند العرب والشعوب الإسلامية وضاعفَ من أهمية الرواية الشفهية التي تعتمد على الذاكرة حتى مع ظهور الكتب شرحها العلماء المسلمين بالرواية الشفهية التي حُفرت في أذهان التلاميذ.

كان الصحابة رضوان الله عليهم قد شاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم وجالَسوه وصلوا وراءه وقاتلوا تحت رايته، فكان حقيق بهم أن يروا عنه ما سمعوه من حديثه معهم أو شاهدوا من أفعاله. رووها لمن لم يُكتب له حضور مجالسه ورؤيته ومصاحبته. رووها لأولادهم ونسائهم في بيوتهم، وفي ما بعد لأهل البلاد المفتوحة كي ينيروا لهم سبل العبادة الصحيحة أو معالجة مشكل من مشاكل الحياة في أنشطتها المتعددة. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان مصدر الخبر وكان الصحابة رواة ذلك الخبر أو جملة الأخبار. فكانوا يتلقون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إما بطريق المشافهة أو بطريق المشاهدة لأفعاله وتقريراته؛ لأنهم جميعاً لم يكونوا يحضرون مجالسه بل كان منهم من يتخلف لبعض حاجاته. وكان نهج الصحابة في الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم على الإقلال من الرواية والتثبت والتحري من صدقها لأن أقوال الرسول وأفعاله تعد الركن الثاني من التشريع "السنة النبوية" وانتقلت المرويات إلى الجيلين الثاني "التابعين" والثالث "تابعي التابعين". والتأكد من صحة الحديث النبوي استدعى ما يعرف بالسند والإسناد لذكر صاحب الرواية ومن أخذها منه ما يعرف بـ "العنعنة" ولم يظهر الإسناد إلا بعد حدوث الفتنة (35هـ) وللتأكد من صحة الرواية ظهر ما يعرف بـ "الجرح والتعديل" للتأكد من أمانة الراوي وصحة المتن وأُخضع الحديث للعقل والمنطق لمعرفة الأحاديث الصحيحة من غيرها. وبدأ تدوين الرواية الشفهية في عهد الصحابة وركزوا على تدوين القرآن الكريم حيث نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تدوين الحديث حتى لا يختلط مع القرآن الكريم. فتدوين القرآن تمَّ في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم على يد كُتّاب الوحي مثل زيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب وأُبي بن كعب وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عباس. فلما جُمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر رضي الله عنه ثم جمع الجمع النهائي بتحديد ابن العوام وشرحبيل بن سعد للقراءات المعتمدة في عهد عثمان رضي الله عنه، تحرَّر المسلمون من عقدة الخوف على القرآن الكريم وبدأوا في تدوين الحديث النبوي الشريف والسيرة النبوية. وهذا لا يمنع من وجود مدوَّنات على نطاق محدود وشخصي عند بعض الصحابة عن حياة الرسول وسيرته ولكن لم تكن ظاهرة. وبدأت حركة تدوين السيرة النبوية والمغازي على ثلاث طبقات من المؤلفين في هذا الحقل وكان لكل طبقة سماتها الخاصة التي أملتها حركة التطور والتدوين. فالطبقة الأولى مثّلها ثلاثة من أبناء الصحابة عنوا عناية كبيرة بكتابة الحديث والمغازي وجميعهم من المدينة ما شكَّل مدرسة المدينة وهم أبان بن عثمان بن عفان وعروة بن الزبير بن العوام وشرحبيل بن سعد، وشاركهم رجلٌ من اليمن هو وهبة بن منبه ومن أشهر كتبه "المبتدأ" الذي بدأ فيه التاريخ منذ الخليقة ثم تدرَّج به إلى العهد القديم ثم الجديد. وأشهر علماء الطبقة الثانية التي اهتمت بالسير والمغازي في القرن الثاني الهجري هو عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم الأنصاري (المتوفى عام 135 هـ) وعاصم بن عمر بن قتادة (المتوفى عام 120 هـ) ومحمد بن مسلم بن عبيد الله شهاب الزهري (المتوفى عام 124هـ). أما الطبقة الثالثة فظهرت في العصر العباسي ويمثلها موسي بن عقبة (المتوفى عام 141 هـ) ومحمد بن إسحاق بن يسار المطلبي (المتوفى عام 151 أو 152 هـ) والذي يُعد عمود مدرسة المدينة، ومعمر بن راشد (المتوفى 153هـ) والواقدي (المتوفى عام 207 هـ) أبرز تلاميذ ابن إسحاق وكتابه "المغازي" يعد من أشهر كتب السيرة النبوية، ومحمد بن سعد بن منيع (المتوفى عام 230 هـ). وتبقى الرواية الشفهية عند العرب مصدر كتاباتهم التاريخية والدينية، إذ حفظتها قوة ذاكرتهم إلى أن تم تدوينها على يد الرواة وكُتّاب الوحي وكُتّاب السير والأحاديث ومؤرخي المسلمين مثل الطبري وابن كثير.