"مسافة أمان" دراما نوعية هادئة بهموم الحرب والمرأة

كاريس بشار في لقطة من "مسافة أمان" ("الحياة")
بيروت - أمين حمادة |

كان لا بد من انتظار انتهاء العرض الدرامي المزدحم في شهر رمضان المنصرم، لتناول مسلسل "مسافة أمان" (إيمان سعيد والليث حجّو) الذي يحمل سمة "المشروع الفني" وخصوصية سورية وإنسانية عالية، متخطياً فئة "المسلسل التلفزيوني التجاري"، ما يجعل نقده أيضاً أكثر صرامة طبعاً، فالتعاطي مع المسرح مثلاً لا يجوز أن يشبه التعاطي مع السيرك، وذلك بعيداً من مشاكل الولادة القيصرية للورق، واكتفاءً بالبناء على النتيجة النهائية.


يغوص العمل ببراعة حكائية داخل انعكاسات الأزمة السورية على أهلها، معتمداً في البيئة الدرامية على الظروف العامة التي فرضتها عليهم والتي استغلها بعضهم وسببّها قسم منهم، مثل المعاناة اليومية من غلاء المعيشة وانقطاع الكهرباء وطوابير الإنتظار لشراء المحروقات وجرار الغاز وصولاً إلى القبور، ومثل الهموم الثقافية من الرقابة الخانقة وضيق حال الإبداع الأدبي واختراقه تأليفاً ونشراً واختلال موازينه، ومثل الفساد المستشري في نواح اقتصادية وأمنية وغيرها.

هذا الرصد الدرامي المتقن، يسير في سبيل هدفه الأهم: النفس البشرية وتفاعلها مع المتغيرات المحيطة، بجروح لم تغلق فيها بعد وندوب لـ"تذكرها بالآخ التي صرختها من الألم"، فيشتبك مع مرارة الواقع بعناوين أكثر صدامية مثل تجارة الأعضاء البشرية بما يشكله الجسد للروح. ويدخل بشخصياته إلى عائلات المفقودين والمخطوفين واللاجئين والنازحين، ليخط إلى جانب مأساتهم، مواضيع انسانية بتفاصيل دقيقة في الموقف، وتتنوع في الوطن والحب والخيانة والعلاقات الأسرية والزوجية وتزاحم الأولويات مادياً ومعنوياً، وحتى بعض التابوات الجنسية، ولكن برقي فني.

يبدأ هذا المسار في الحلقات الأولى من ذروات درامية مشوّقة: طبيبة مجبورة على تسميم المستشفى الذي تعمل به مقابل حياة زوجها. مصوّر يتعرض منزله لتفتيش غامض بحثاً عن غرض أكثر غموضاً. عائلة لا تعرف مصير ابنها، وأم أشبه بـ"سوبرمان" أثقلها التعب. ولكن، في نقطة ضعفه الأبرز، سرعان ما تنخفض الذروة، فتتحرك الأحداث دائرياً أكثر من التصاعد، بالتزامن مع اعتماد صيغة الراوي، ما زاد من الركود، إذ على رغم أداء شكران مرتجى العالي صوتاً، فإن جمل الراوي حدّت من فسحة خيال المشاهد في فهم وتفسير ما يراه، وقيّدت تفاعله بالمباشرة، وأحياناً اعتدت على اللحظة الدرامية، مثل مشهد تأثر "مراد" برمي "كنان" على الأرض أو لحظة معرفة "أم مروان" بوفاة ابنها "إياد"، وأحياناً أخرى جاءت مثل "شرح كتالوغ" غير مستساغ في الدراما.

ويزيد من البطء الحدثي حوارات طويلة بكادرات قليلة، لكان تقطيعها بخيارات أوسع منحها إيقاعاً أكثر سرعة. ويزداد الأمر سوءاً بتكرار حوارات حرفية بين شخصيات محددة في مشاهد مختلفة، مثل مشهدي لقاء "صبا بـ"ربيع حمدان" (علاء قاسم) في المرة الأولى والثانية، في معرض إجابته حول اختيارها دوناً عن غيرها. وتترسخ الحركة الدائرية للحدث، أكثر بفضاء درامي يجمع شخصيات منفصلة تتصل في المكان وبعض "المعارف المشتركة"، من دون اتصالها درامياً لاحقاً، ما جعل التشويق في مرور الشخصيات بخطوط متوازية من دون وصل، مجانياً. الأمر عينه ينطبق على نهاية صراع "صبا" مع عمها لبيع جسدها بزواج شرعي من المشتري، سحق كل ما قبله. لولا هذه الثغرات، لكان يمكن تبرير البطء بدعوة المشاهد للتوقف قليلاً، والتفكير ملياً، بخاصة أن الكاميرا تفسح المجال طويلاً لرد فعل الممثل أمامها.

ويحسب للإخراج تفسيره المعنى الحقيقي للحدث بالكاميرا المقلوبة في لحظات درامية مفصلية، فأرض العمل مقلوبة رأساً على عقب نتيجة ما مر به البلد الجريح: "أبو غسّان" رغم نذالته يسمي مكتبه العقاري "الإستقامة"، "جميل" يضغط على ابنة لحمه ودمه لبيع شرفها، أطفال يتحولون إلى أفراد عصابة، معلمة تسرق الأموال، صاحب مكتبة عريقة يبيعها على الرصيف مع الجوارب، مصوّر فوتوغرافي يخاف من كاميرته، طبيبة جرّاحة لا تأخذ الدواء ومصابة بالرعاش، وامرأة أصبحت "رجل البيت"...

في الأداء، يقدم العمل بطولة جماعية تفسح المجال للبطولة في كل شخصية. تبلغ كاريس بشّار الذروة في مشهد صفع "سراب" ابنتها "روان"، فكانت اليد التي امتدت والخد الذي ضُرب في آن واحد، بحركة وردة فعل بالغتي الصعوبة، وتقدمان نموذجاً عن كامل عملها الذي انفرد بالتلوّن وفق اللحظة الدرامية وسير الشخصية، تستطيع أن تبكي وتضحك في عين المشهد. وفي المدرسة عينها، تتحرك سلافة معمار بشخصية "سلام" المفجوعة والخائفة، ولكن بإرادة حديدية. في أحد مشاهدها الرئيسة، ترسم الصدمة وجرح انوثتها وأمومتها معاً في وجهها، وتواجه خادعها من دون أن يتقطب جبينها. وتتفوق نادين تحسين بك التي جسّدت شخصية في لعب "نهاد"، على عبد المنعم عمايري الذي قدم دوراً في أداء "حسام". ويتحرك قيس الشيخ نجيب (يوسف) بكاريزما الحضور في مشاهده. في الاداء خطأ، إذ لا يبرز القلق ازاء الخطر والتهديد الذي يلاحقه، خارج المشاهد الخاصة بهما. وأما جرجس جبارة يقدم أداءً دافئاً وحنوناً، من دون أن يصل الى تمثيل الرمز الذي تحمله شخصيته في البيت الدمشقي الأصيل الذي ما زال مستعداً لتشريع أبوابه لأبناء بلده، ولا يجد بديلاً عنه كمسقط رأس، بينما يتميز حسين عبّاس في تجسيد "جميل"، بداية من الشكل المنفر، وصولاً إلى وقاحة النبرة والنظرات وفق ما تتطلبه الشخصية. في الجانب الشبابي، تلمع هيا مرعشلي في كل مشاهد "صبا"، وتثبت لين غرة (روان) مع أنس طيارة (مجد) نفسيهما لأدوار بارزة مستقبلاً، في حين يبالغ إيهاب شعبان (مروان) في كثير من مشاهده بالصراخ، من دون نكران أدائه الجميل والثابت. لا بد هنا من الإشارة الى ضرورة خروج حلا رجب (نور) من ثوب الأدوار المكسورة الخاطر، أو ابتكارها أدوات جديدة لنفسها في هذا النوع من الشخصيات. ويظل وائل زيدان (سعيد) صاحب الحضور خفيف الظل واللطيف، مع أداء متماسك في الكوميديا والتراجيديا لسوسن أبو عفّار "أم نهاد"، رغم مطب عدم منطقية وعيها الكامل عند كشف خيانة زوج ابنتها.

ويختص النص بشجاعة واقعية في شقي السياسة والإجتماع. في الجانب الأول يبرز وجهات نظر طرفي الموالاة والمعارضة والشعب، لكل خطاياه في النتيجة. انتحار "مروان" وشراء "سلام" الدحل من ابنها بالدولار، يفيدان بانتهاء المعارضة وبيع ما تبقى منها نفسها. والقبض على المسؤول الكبير بتبليغ من "ربيع حمدان" الفاسد أيضاً، مقولة تخبر ببقاء الفساد داخل السلطة. وفي الجانب الثاني، لا يخجل من التعبير عن آفات سببتها الظروف في الديموغرافيا مثلاً، فيشير الى ازدحام دمشق وتعامل البعض بفجاجة مع القادمين والنازحين بألفاظ مثل "لمم" أو جمل مثل "المستأجرين أكثر من الملّاك"، كما يبحث في اختلاف مفاهيم القيم وتعريفها مثل الـ"ذكاء الإجتماعي" مقابل "الوصولية". وخارج السياسة المحلية، إشارة ذكية إلى عدم اهتمام أي شخص بالقضية الفلسطينية، إلّا المصاب بالألزهايمر.

يعبّر العمل بشفافية وصدق عن أزمات المرأة من زاويتها، على الأرجح بسبب القلم النسائي، عبر تصوير بشكل لا نمطي معضلة فقدان العذرية، والذهاب الى علاقة الأم بابنتها الشابة، وولدها الصغير، وابنها المفقود، ووالدتها أو والدها المريض، وزوجها، وحبيبها، وعشيقها. ويظهر مفهومها وسلوكها في التعامل مع أحداث هذه الأوضاع في الحب والخيانة مثلاً، مقابل الرجل في نموذجين متقابلين، في خيانة "سراب" لـ"جلال" و"حسام" لـ"نهاد"، وفق معادلة وسؤال حاسمين يطرحان الكثير من الإجابة "ماذا لو تبادلنا الأدوار والأماكن".

في النتيجة "مسافة أمان" عمل نوعي يغرد وحيداً خارج تيمة العرض السائد والخانق في شهر رمضان، مرآة سورية درامية.