مصائر المشروع الوطني الفلسطيني

نبيل السهلي |

يمر الشعب الفلسطيني وقواه السياسية داخل فلسطين وخارجها بمرحله تحرر وطني منذ نكبة العام 1948. لهذا، يرتكز المشروع الوطني الفلسطيني على موشور قوامه وحدة الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية والشتات، فضلاً عن الانتماء إلى فلسطين، والتمسك بالهوية الوطنية الفلسطينية في مواجهة المشروع الصهيوني الذي توج بإنشاء إسرائيل عام 1948 على القسم الأكبر من مساحة فلسطين التاريخية.


يلحظ المتابع لتطورات القضية الفلسطينية أن المشروع الوطني الفلسطيني سيواجه أخطاراً حقيقية بعد طرح صفقة ترامب (الرئيس دونالد)، التي سيعلن عنها بعد الانتخابات الإسرائيلية المزمعة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، إذ سيواجه الفلسطينيون تحدياً جوهرياً يطال القضايا المحورية، نظراً لكون "الصفقة" تتضمن تصورات تتساوق مع الرؤى الإسرائيلية للانقضاض على المشروع الوطني الفلسطيني وتغييبه. لهذا، ثمة ضرورة ملحة لوضع أسس جدية لإنهاء حال الانقسام الفلسطيني المديدة، ووضع أسس لترسيخ الوحدة الوطنية، والاتفاق على توجهات كفاحية مشتركة، خصوصاً وأن الرهان على استمرار المفاوضات تلاشى. فبعد مضي 26 عاماً على اتفاقات أوسلو، تشير الحقائق إلى تضاعف النشاط الاستيطاني بشكل ملحوظ، سواء في مقياس مصادرة الأراضي أم بناء المستوطنات في الضفة الغربية، ومن بينها مدينة القدس التي تتعرّض لأكبر هجمة استيطانية منذ العام 1967، علماً أن وتيرة النشاط الاستيطاني الإسرائيلي ارتفعت بعد قرار ترامب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس العام الماضي.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن وحدة الصف الفلسطيني ستكون مقدمة أساسية لتجميع القدرات الكامنة لدى الشعب الفلسطيني، لمواجهة التحديات التي تعصف بالمشروع الوطني، وفي مقدمها "صفقة القرن"، ناهيك عن السياسات الإسرائيلية الرامية إلى إخراج فكرة يهودية الدولة إلى حيز الوجود. ومن التحديات الأخرى التي يواجهها الفلسطينيون، ضرورة العمل على فك الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، وإيجاد سبل للانطلاق بتنمية مستقلة تدفع في اتجاه الحد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية، مثل البطالة التي وصلت معدلاتها إلى 45 في المئة في قطاع غزة، ونحو 20 في المئة في الضفة الغربية. وقد يكون من باب أولى العمل على فتح أسواق عربية، من شأنها الحد من الهيمنة الإسرائيلية على التجارة الخارجية للضفة والقطاع، إذ تسيطر إسرائيل على 90 في المئة من إجمالي التجارة الخارجية، بشقيها (الصادرات والواردات). ومن شأن المساعدات العربية (كبديل للمساعدات الغربية المشروطة) أن تعزّز خطوات حصول تنمية فلسطينية مستقلة عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي أوقعت الاقتصاد الفلسطيني في شرك المساعدات الأميركية والأوروبية، المرهونة أساساً بتوجهات المتبرعين. وقد تّمكن المساعدات العربية الاقتصاد الفلسطيني من تحسين أدائه عبر فتح قنوات تشغيل وإيجاد استثمارات جديدة، ومن شأن ذلك فتح فرص عمل لآلاف القوى العاملة الفلسطينية المعروضة في السوق الفلسطيني. كما يمكن تعزيز الاعتراف بدولة فلسطين في المؤسسات الدولية، إذا استطاع الفلسطينيون ترسيخ المصالحة بالأفعال، وليس بالأقوال، ومن ثم التوجه بخطاب سياسي ديبلوماسي ممنهج ومدروس، بعد وضع برنامج واستراتيجيا مشتركة. ولا يمكن أن تكتمل دائرة المصالحة الحقيقية من دون تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وسيكون ترسيخ المصالحة الحقيقية بمثابة طوق نجاة للحد من الضغوط الإسرائيلية وما تتضمنه صفقة ترامب من بنود لشطب الحقوق الفلسطينية، ويرفع في الوقت ذاته من سقف الخطاب السياسي الفلسطيني، بعد مفاوضات عبثية امتدت لأكثر من عقدين من الزمن، بحيث يكون من السهولة بمكان المطالبة بتفكيك معالم الاحتلال، ومنها المستوطنات والجدار العازل، عوضاً عن تجميد النشاط الاستيطاني. كذلك يمكن المطالبة بتطبيق قرارات دولية صادرة ذات صلة بحقوق الفلسطينيين، ومنها القرارات المتعلقة باللاجئين والقدس والأسرى والسيادة على المياه الفلسطينية التي تسيطر عليها إسرائيل، واعتبار المستوطنات غير شرعية، خصوصاً أن هناك قبولاً بعضوية فلسطين في منظمات عدة تابعة للأمم المتحدة. وقد يكون الأجدى للفلسطينيين، في المدى المنظور، المطالبة بتدويل ملفات عدة، وخصوصا قضية المستوطنات.

ويبقى الأهم ضرورة إنهاء الانقسام الفلسطيني، والاتفاق على سبل كفاحية محددة لمواجهة التحديات والأخطار التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني مع تسارع الخطوات لإعلان صفقة ترامب.

* كاتب فلسطيني

الأكثر قراءة في الرأي