كردستان سورية والوصاية الأوجلانية

شيرزاد اليزيدي |

لطالما كانت صدقية المواقف والرسائل المُسربة من الزعيم الكردي الأسير في جزيرة إيمرالي عبدالله أوجلان وصحتها، موضع شك وريبة، كونها تخرج من تحت عباءة أجهزة المخابرات التركية ورقابتها. ولا يُستبعد تالياً تضمينها إيحاءات ومواقف وتوريات بما يتسق ويخدم سياسات الحكومة التركية وأجنداتها. ولعل رسائل الرجل الأخيرة بعد طول عُزلة، خير مثال على ذلك، فهي في مضمونها العام تميل إلى مُغازلة حكومتي رجب طيب أردوغان وبشار الأسد والتودد المُتمادي للأولى عبر الحديث عن ضرورة احترام ومُراعاة حساسياتها وهواجسها و التفاهم معها. وكأن الجانب الكردي إن في تركيا أو في سورية هو الذي يعتمد سياسات الحرب والإنكار والاحتلال ورفض السلام والحوار، وليس حكومة الحرب التركية. ولنا في كارثة احتلال عفرين التي لم يتطرق إليها أوجلان لا من قريب ولا من بعيد، خير شاهد، توكيد ربما على مُراعاته هواجس تركيا وحساسياتها وفق رسائله الأخيرة .


تلك الرسائل المتضمنة مواقف أشبه ما تكون بتعليمات بطريركية فوقية، تُعنى ويا للمُفارقة، بالحديث والتنظير عن سورية وأكرادها، أكثر من الحديث عن تركيا وأكرادها. فهي تدعو قوات سورية الديموقراطية (قسد) للركون إلى الديموقراطية المحلية المنصوص عليها في الدستور الأساسي. في دعوة صريحة للقبول بقانون الإدارة المحلية (البعثي) من الدستور السوري، وفق ما يُفهم بوضوح من فحوى الرسالة. أضف إلى ذلك اللهجة المُتوددة لأنقرة كما سلفت الإشارة، والدعوة لمُراعاة حساسيتها من قبل تلك القوات، من دون ذكر سياساتها التوسعية ولا نقدها وكذلك احتلالها عفرين، التي خلت الإشارة إليها تماماً في مجمل رسائل أوجلان الأخيرة. وكأنها ليست مُحتلة وبوصفها العلامة الفارقة على عنجهية النزعة التوسعية والاحتلالية لأنقرة وأخطارها.

أما بخصوص موضوع الحساسية التركية التي يُبدي أوجلان اهتماماً مُبالغاً بها، فإن كم الصور والرموز والأنصاب الأوجلانية الهائل الذي تعج به كردستان سورية بشكل خانق، يحاكي تجربة كوريا الشمالية لجهة فظاعة الضخ الآيديولوجي الرث والبائس في شرايين المجتمع ومفاصله. علماً أن التقديس المتهافت إلى حدّ الابتذال للزعيم، أولى بتسليط الضوء عليه ودق ناقوس الخطر حول تبلور معالم نظام أُحادي مؤدلج مُغرق في تعميم طقوس عبادة القائد المُضجرة، وفرضها على الفضاء المجتمعي العام. ذلك أن جُملة هذه المُمارسات تُقدم، وعلى طبق من فضة، الذرائع لتركيا للإيغال في سياساتها العدائية حيال أكراد سورية والتدخل في شؤونهم. فمن باب أولى لو أن السيد عبدالله أوجلان تطرق إلى هذه النُقطة بالذات، فضلاً عن تقرير كل صغيرة وكبيرة في ما يخص إدارة المنطقة الكردية في سورية بسياساتها ومواردها وثرواتها، من قبل قيادة "حزب العُمال الكُردستاني" في جبال قنديل، بصفتها الآمر الناهي (كما لا يخفى على أحد) في كل شاردة وواردة في كردستان سورية.

*كاتب كردي سوري