الفقهُ المعاصرُ لتهجيرِ مخطوطاتِ التراث

تراث
إبراهيم البيومي غانم |

تعرَّضَتْ مخطوطاتُ التراث الإسلامي- الموقوفةُ وغير الموقوفة- للتهجير من أماكنها إلى أماكن أخرى داخل النطاق الجغرافي لبلدان الحضارة الإسلامية، وخارج هذا النطاق إلى بيئات حضارية أخرى. وتعددت أسبابُ التهجيرِ والترحيل؛ بالمخالفة للأصول المرعية، وبانتهاك شروط الذين وقفوها، وهي شروط تقضي في أغلب الحالات بوجوب استقرار المخطوطات وعدم نقلها من أماكنها، إلا في الأحوال الاستثنائية، ولفترة زمنية محدودة، على أن تعاد إلى أماكنها مرة أخرى بعد زوال أحوال الاستثناء.


وأسوأُ حالات تهجيرِ هذه المخطوطات هي حالةُ "التهجير القَسري"؛ الذي عادةً ما يتمُّ بغرض الاستيلاء عليها ونهبها، أو التصرف فيها بأساليب غير مشروعة. ولكن ثمةَ حالاتِ تهجيرٍ أخرى غير قسرية؛ قد تدعو إليها الحاجةُ بغرض إنقاذ تلك المخطوطات من الهلاك، أو بغرض ترميمها من الأعطاب التي تصيبها بفعل عوادي الزمن، أو بغرض التعريف بها وعرضها في المتاحف أو المعارض الثقافية، على أنْ تُردَّ إلى أماكنها مرة أخرى.

وتسعُ الرؤيةُ الفقهية مختلف حالات التهجير التي تعرضت لها كثرةٌ من مخطوطات التراث الإسلامي ولا تزال تتعرض لذلك؛ سواء كان التهجير محموداً، أم كان مذموماً. وعليه فإن هذه المسألةَ تندرجُ- بحسب حالاتها المختلفة- ضمنَ الأحكام الشرعية الخمسة، وهي: "الوجوب"، و"الندب"، و"الإباحة"، و"الكراهة"، و"التحريم"، وما يترتب على كل حكم منها من "جزاء"، أو "معاقبة"، أو "معاوضة"؛ أي أنَّ "تهجير المخطوطات قسرياً" هو في الرؤية الفقهية حالةٌ من حالات عدة؛ فالمخطوطات، لا تتعرض فحسب للتهجير القسري، وإنما قد تحفُّ بها ظروف يكون تهجيرُها فيها واجباً، أو مندوباً، أو مباحاً، أو مكروهاً. وهذا النظر الفقهي المتسم بالمرونة وتعدد الاحتمالات، ينسجمُ مع واقع الحال، ومع ما تدلُّ عليه الوقائع التاريخية في هذه المسألة. ومن الأسباب التي تجعل هذه الرؤية الفقهية هي الأوسع إذا قارناها بالرؤية "القانونية"؛ انتماؤها إلى نسق فكري تعددي مفتوح؛ بخلاف الرؤية القانونية التي تنتمي إلى نسق فكري ثنائي مغلق على حدَّيْ: موافقة القانون أو مخالفته، أو حدَّيْ: القانوني، وغير القانوني. وتهجير المخطوطات التراثية- بحسب الرؤية الفقهية- إشكالٌ له معنى، وحكم، وتاريخ، وجغرافيا، وهو ممتد في المستقبل أيضاً.

يُبَيِّنُ التحليل اللغوي لفعل "هَجرَ"؛ أنه يعني: تَركَ موطنَه بإرادته وانتقلَ لموطن آخر. وهجر، يهاجر، هجراً، وهجرةً، في معنى: رحلَ، يرحلُ، ارتحالاً، ورحلةً، وهذا المعنى يخص العاقل وغير العاقل، ومثالها الأعلى هو هجرةُ النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. أما المصدرُ "تهجير"، فهو من: تهَجَّرَ، يتهجَّرُ تهجيراً، في معنى: ترحَّلَ، ورُحِّلَ، ترحيلاً، من مكان إلى آخر؛ رغماً عنه، وبفعلِ فاعلِ، وهو معنى يخصُّ العاقل، كما في التهجير القسري لسكان منطقة إلى منطقة أخرى، ويخصُّ الجمادات التي لا إرادة لهاِ، كما في تهجير المنقولات من الآثار، أو التحف، أو المخطوطات، أو الأعمال الفنية.

الهجرةُ مفهوم إيجابي، وكذلك المهاجرة لأنه بإرادة حرة. أما "التَّهجير" فقد يكون إيجابياً إن كان لضرورة كالمشار إليها وهي الحماية من مثل سيل أو حرب أو حريق، وقد يكون سلبياً إن كان لغير ذلك، من مثل: نهبٍ، أو احتيالٍ، أو استيلاءٍ، أو غصبٍ.

وتأسيساً على ذلك أقولُ: إن التهجيرَ فعلٌ إكراهي للعاقل، وغير إرادي لغير العاقل، ما لم تقتضيه في الحالين ظروفٌ خاصة للمُهجَّر؛ بغرض حمايته. وعليه فإن التَّهجير القسري للعاقل جريمة، وإن كان جماعياً يصبح جريمة ضد الإنسانية طبقاً للقانون الإنساني المعاصر.

أما إن كان فعلُ التهجير لغير العاقلِ، من مثل المخطوطات؛ فالنظرُ الفقهي يفرقُ فيه بين حالات الضرورة الملجِأة، وبين حالات الغصب والنهب والاحتيال. أما حالات الضرورة، وقد ضربنا لها الأمثال، فحكمها يتراوح بين: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة. وأما حالات الغصب والنهب، فحكمها هو التحريم قولاً واحداً. وهذا القول له حيثياتٌ تفصِّلُ مجمَلَهُ، وسيأتي ذكرها في سياق ما سيرد من بيان حكم تهجير المخطوطات، وهو كأي حكمٍ فقهي لا يتنزَّلُ إلا بعد "تكييف" واقعةِ التهجير ذاتها. وفي حالة تهجير المخطوطات، يقتضي الأمر تكييف "المخطوطات" أولاً من حيث هي؛ قبل أن تكون موضوعاً للتهجير.

لقد اعتنى الفقهاء قديماً وحديثاً بما أطلقوا عليه "تحرير محل النزاع" لأغراض كثيرة منها: تضييقُ أسبابِ الخلاف، وتهيئةُ محل الواقعة أو المُشْكل لتنزيل الحكم الشرعي المناسب عليه. وهذه العملية يسميها المناطقة "التصور"؛ باعتبار أن الحكمَ على الشيءِ فرعٌ عن تصوره. ويسميها القانونيون المعاصرون "التكييف"؛ وهو بمعنى القيد والوصف الذي ينبنيِ عليه من الأحكام القضائية ما لا ينبني على خلافه. وقد استعار الفقهاءُ المحدثون مفهوم "التكييف" للأغراض الفقهية القديمة، وللأغراض القانونية الحديثة؛ وكلها تستهدفُ تحديد ماهية التصرف أو المسألة المعروضة للحكم، وتصنيفها مبدئياً ضمن صنف تنتمي إليه طبقاً للمرجعية المعرفية الفقهية (أو القانونية)؛ كي يأتي الحكم عليهاً مناسباً لعلَّتِه، وعلتُه بلغة الأصوليين هي: "الوصف الظاهر المنضبط الذي يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليه". [كتاب "بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب" لشمس الدين الأصفهاني، تحقيق محمد مظهربغا -السعودية: دار المدني، 1406هـ/1986م ـ ج3/118.].

وفي نور ما سبق، يكون التكييفُ الفقهي للمخطوطات هو أنها: أملاكٌ لها حقوق، تترتب عليها آثار، وترتبط بها مصالح. والأملاك جمع مِلْك. والفقهاء يعرفون الملكَ تعريفات متعددة في مبانيها، متحدة أو متقاربة في معانيها، ومن ذلك أن الملك: "حكمٌ شرعي مقدرٌ في العين، أو المنفعة، يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك، والعوض عنه من حيث هو كذلك" كما ذهب القرافي.[ كتاب الفروق.، ج3/1009ـ 1014]. أو هو كما قال الكمال بن الهمام الحنفي: "قدرة يثبتها الشارع ابتداءً على التصرف". [ كمال الدين ابن الهمام الحنفي (ت 861هـ)، فتح القدير للعاجز الفقير، وهو شرح على كتاب " الهداية في شرح البداية " للمرغيناني الحنفي (ت 593هـ) ـ بيروت: دار الفكر، ب. ت ، ج6/248]. أو كما قال ابن عرفة المالكي هو: "استحقاق التصرف في الشيء بكل أمر جائز فعلاً، أو حكماً، أو بنيابة".[ أبو عبد الله الرصَّاع التونسي، شرح حدود ابن عرفة المالكي (ت803)، تحقيق محمود أبو الأجفان، والطاهر المعموري ـ بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993م، ج2/605]. وتنقسم الحقوق الواردة على المخطوطات باعتبارها أملاكاً إلى:

أ- حقوق خاصة، بعضها أدبي، وبعضها مالي. وهي بنوعيها تتعلق بشكل مباشر بالمؤلف، وبشكل غير مباشر بالورثة، والناسخ، أو الناشر إن وجدـ وأغلب المخطوطات وإن انتهت فيها الحقوق المالية للمؤلف والورثة بطول المدة، إلا أن أغلب الحقوق الأدبية وبخاصة حقِّ النسبة للمؤلف، وحقوق الاستعمال والاستغلال إن كانت موقوفة؛ لا تزال قائمة، وتظل باقية، ولا تسقط بطول المدة.

ب- حقوق عامة تنشأُ بحكم انتماء المؤلف لمجتمع أو أمة ما، يكون لها الأسبقية في الإفادة من مؤلفاته والفخر بها؛ لأن الأفكارَ وثمرات الجهد الذهني تأتي نتيجة حصيلة ما تملكه الأمة من جهود واجتهادات، تمثل في مجملها ملكية جماعية لها، وتتوارثها جيلاً بعد جيل على سبيل الإرث الحضاري. ويندرج هذا النوع من الملكية العامة، عند قدماء العلماء ضمن ما سموه "حقوق الله" وهي جماعية وعامة، في مقابل "حقوق العباد" وهي فردية وخاصة.

والحقُّ في المخطوطة هو: عبارة عما يثبت للمالك من ميزات، ومكنات؛ سواء كان الثابت مالياً أم أدبياً. أو هو: المصالح المعتبرة شرعاً كحق الاستغلال، وحق التصرف، وحق الاستعمال. أي إن الحق في هذه المسألة هو:" اختصاص المالك بمحل الحق"، وهو هنا "المخطوطات". وجملة هذه الحقوق (خاصة وعامة) مصونة شرعاً لأصحابها، ويحرم انتهاكها، وإذا حصل شيءٌ من ذلك فهو تعدٍ، وأكل لأموال الناس بالباطل، وعليه فإن حمايتها واجبٌ شرعي، وأمانة أخلاقية، والتقصير فيها يستوجب المحاسبة والعقاب؛ كما يحاسب اللص، أو المتسبب في ضياع المال العام.

حان الآن وقت التكييف الفقهي لواقعة " تهجير مخطوطات". ويقتضي هذا التكييف الإجابةَ على سؤال أو أكثر- بحسب كل واقعة- ومن ذلك: تحت أيِّ حكم من الأحكام الشرعية الخمسة (الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحرم) تندرج واقعة تهجير مخطوط كذا، أو مخطوطات كيت وكيت؛ التي حدثتْ في الزمن كذا، من بلد كذا، إلى بلد كذا؟. هل تهجيرُ هذا المخطوط، أو تلك المخطوطات، في الظروف التي أحاطت بعملية التهجير من مكانها المعلوم، إلى مكان آخر غيره يعتبرُ: سرقةً، أم غصباً، أم خيانة للأمانة، أم أداءً لأمانةٍ؟. هل هو عمل مشروع له مقاصد مشروعة تستهدفُ حمايةَ هذا المخطوط أو تلك المخطوطات؟ أم هو جريمة يعاقب عليها الشرع والقانون، ولا تقرها الأخلاق الحسنة؟

يتوقف حلُّ الإشكالِ على جواب مثل تلك الأسئلة. والأجوبة عليها تختلف باختلاف حالات تهجير المخطوطات من حالةٍ لأخرى. فما يكون تهجيراً داخل البيئة الجغرافي للكيان الحضاري الواحد أو خارجها؛ من أجل الاستيلاء والسطو، يكون حكمه التحريم، ويعتبر جريمةً تستوجب العقوبة بحكم قضائي، والإدانة بمعايير الأخلاق وحسن السمعة. وما يكون تهجيراً داخل الكيان الحضاري أو خارجه من أجل الحماية من خطر داهم، أو من أجل الصيانة والترميم، أو من أجل التعريف والعرض، لمدة مؤقتة ثم يرد إلى موضعه، يكون حكمُه بين الوجوب، والندب، والإباحة، وقد يصل إلى الكراهة على أسوأ تقدير. وقد تترتب مسؤولية تقصيرية على القائمين بشؤون هذه المخطوطات إن هم تقاعسوا عن استنقاذها من الخطر، أو ترميمها من العطب، أو حبسها عن العرض والإشهار.

ويستند الحكم الفقهي في مثل الحالات المشار إليها إلى أن كل حالةٍ منها لا تخلو من أحد الحقوق الثلاثة: حق الله، وحق العبد، والحق المشترك بين الله والعبد؛ الذي يأخذ حكم ما يغلب عليه، وفي حالة الاستواء يرجَّحُ أحد الحقين بموجب قرائن مختلفة. وكل هذه الحقوق مصانة شرعاً، وقد سبق التعبير عنها بمصطلحي: الحقوق العامة، والحقوق الخاصة. وقد نسب الفقهاء كلَّ ما هو منفعة عامة إلى الله؛ لأهميته، وعظيم فائدته وعمومها. والمعادل المعاصر لحقوق الله في القانون هو: "المال العام" وما يرتبط به من منافع عمومية.

ويتطلب تنزيلُ الحكم الفقهي في كل حالة من مثل الحالات المذكورة: التفرقةَ بين ما هو من حقوق الله (الحقوق العامة)، وما هو من حقوق الفرد (الحقوق الخاصة). وإذا كانت حقوق الفرد الخاصة تورث، وتسقط بالإسقاط؛ بالصلح، وبأخذ العوض عنها؛ فإن حقوق الله لا تورث توريثاً فردياً؛ إنما تورث توريثاً جماعياً، وكذلك المسؤولية عنها تُورث جماعياً، كما أن هذه الحقوق لا تسقط بالإسقاط؛ لا بصلح ولا بغيره، كالحدود والزكوات وسائر الفرائض.

وعلى ما تقدم؛ لا يجوز لكائن من كانَ أن يُسقط حقوق الأمة في مخطوطة أو أكثر من تراثها الموروث بإهدائها أو بالتنازل عنها أو ببيعها لجهة أجنبية؛ لأنَّه لا يملك هذا التصرف حتى بحكم ولايته العامة. وهذا الذي ذهبتُ إليه هو مقتضى مفهوم ما ذهبَ إليه بعض قدماء العلماء، ومنهم الإمام القرافي الذي قرر في الفرق السابع والتسعين بعد المائة أن مما لا يملك ولا يورث: الآراء والاجتهادات والأفكار، وعلل ذلك بأن الوارث لا يرث أصل أو مستند الآراء أو الأفكار أو الاجتهادات؛ ومقتضى المفهوم من ذلك هو: أن الاجتهادات (وأوعيتها المخطوطات في حالتنا) ليست حقاً خالصاً للعبد، وإنما يغلب عليها حق الله (الحق العام) وبخاصة بعد مرور أزمنة طويلة على وفاة مؤلفيها، ولهذا السبب فهي لا تُملَّك بمعنى؛ أنها لا ينشأُ عليها لوارثه أو لورثته كأفراد، اختصاصٌ حاجز لغيره أو لغيرهم، وإنما تورث توريثاً عاماً لأنها داخلة في حقوق الله، وحقوق الله كما مر بنا لا تورث للأفراد وإنما للأمة في مجموعها. والأصل أن الورثة من أسرة المورث إنما يرثون المال، وما يتعلق به تبعاً له، ولا يرثون عقلَ مورثِهم ولا شهواتِه ولا نفسَه؛ وعليه فإنهم لا يرثون ما يتعلق بذلك. والله أعلم.