أسرة لين بول في القاهرة العثمانية

(الحياة)
سماح السلاوي |

منذ القرن السابع عشر الميلادي وفي إطار المشاريع الأوروبية الاستعمارية عُني الأوروبيون بزيارة الشرق بعامة ومصر بخاصة واكتشافها ودراسة تاريخها وأحوالها وشعبها. وبدأ اهتمام أوروبا بفهم أعمق لتاريخ مصر بعد حملة نابليون، وصدور كتاب "وصف مصر"، حيث تلا ذلك اهتمام الإنكليز بمَيْدان الاستشراق نتيجةَ طابعِ المنافسة التي اتسم بها العصر بين إنكلترا وفرنسا آنذاك. وتناول الاستشراق البريطاني سائرَ مناحي المعرفة الشرقية؛ من لغات، وآداب، وعلوم، وفنون، وتاريخ، وآثار، وكان على رأس المهتمِّين بالدراسات العربية سيمون أوكلي الذي تولَّى مهمَّة تدريس اللغة العربية في جامعة كمبريدج 1711، وألَّف كتابه الشهير "تاريخ المسلمين"، الذي تناول فيه التاريخ الثقافي والسياسي للإسلام. يأتي من بعده جورج سال 1697 -1736م، الذي تَرجَم القرآن الكريم، وأصبحت ترجمتُه المرجعَ الأساسيَّ للترجَمات الواردة بعدها لسنين عدة، كما خلَّفت هذه الترجمة حركة واسعة للتعرُّف على الثقافة الإسلامية، وبيان خصائصها الإيجابية، والتعرف بصورة موضوعية على نبي الإسلام. والجدير بالذكر أن هذه الدراسات كانت مَشُوبة بالخيال والأسطورة حول شخصية الرسول (صلى الله عليه وسلم) وما ساعد على نموِّ وازدهار الدراسات الاستشراقية في بريطانيا: تكوينُ الجمعيات والمجلات المتخصصة، وظهورُ عددٍ من المتخصصين في الدراسات الاستشراقية؛ مثل إدوارد وليم لين وهو من أهم مستشرقي إنكلترا وأوروبا في القرن التاسع عشر. ثم وضع المستشرقون كتابين مرجعيين مهمين لتاريخ مصر في تلك المرحلة من العصور الوسطى؛ أحدهما بالفرنسية لكراستون فييت، والآخر بالإنكليزية "تاريخ مصر في العصور الوسطى" لستانلي لين بول أحد أفراد الأسرة التي نرغب في الحديث عنها. تعتبر أسرة لين بول من الأسر الفريدة والمميزة التي زارت مصر وتناولتها في مؤلفات عدة، فالسيدة صوفيا لين بول مؤلفة كتاب "حريم محمد علي باشا" ولدت عام 1804م في إنكلترا ثم قررت عام 1841م السفر إلى مصر ومعها ولداها وأخوها المستشرق إدوارد وليم لين وزوجته، وعاشت في القاهرة سبع سنوات وأسفرت تجربتها عن مجموعة من الرسائل أفاضت فيها في وصف الطبيعة المصرية ومناظر النيل خلال رحلتها من الإسكندرية إلى القاهرة، وأثناء وجودها في القاهرة وقيامها بجولات في شوارعها ممتطية حماراً ومرتدية ملابس شرقية بحيث لم يظهر منها سوى عينيها. فكانت تلاحظ وتسجل ما تحتويه الشوارع من عناصر بشرية وغير بشرية والأسواق والمساجد والمارستان والقلعة والمواكب الخاصة والعامة وتعمَّقت داخل الحرملك النسائي واختلطت بحريم محمد علي باشا اللاتي تعاملن معها بكل لُطف واحترام وإكرام. فجاء كتابها عن حريم محمد علي يقدم لنا صورة صادقة للمجتمع القاهري آنذاك وبالذات الجانب النسائي منه من دون تكلف أو رياء وقدمت للقارئ معلومات عن الجانب الغامض للحريم الشرقي الذي كان يُعرف بالحريم العالي وتعيش فيه النساء المصونات وكان من المستحيل على أي أجنبي أن تطأ قدمه تلك الأماكن المحرمة. فإذا كان إدوارد وليم لين خصَّص فصلاً في كتابه عن الحياة المنزلية إلا أنه لم يكن دقيقاً في معلوماته لأنه استقاها من الرجال وليس عن مشاهداته الشخصية، كما عرضت آراءها بلغة توحي بالصدق وهي تصف القاهرة في الأربعينات من القرن التاسع عشر من وجهة نظر امرأة غربية. كانت حريصة عند وصفها لأفراد أسرة محمد علي على مراعاة أصول اللياقة والأدب لتجنب المشاكل لها ولأخيها مع السلطات الحاكمة وهي هنا تعلَّمت من أخيها إدوارد دقة الملاحظة وحسن التعبير كما اقتبست من مذكراته بعض المعلومات، وقد نُشر الكتاب في لندن 1884م بعنوان "امرأة إنكليزية في مصر... رسائل من القاهرة". حاز الكتاب استحسان القارئ الإنكليزي وفي العام التالي ظهر له طبعة أميركية، ثم صدر له ترجمته عزة كرارة ونشرته مكتبة الإسكندرية 1999م، أما الجزء الثاني للكتاب فضمَّ وصفاً للاحتفالات بزفاف زينب هانم ابنة محمد علي باشا. إدوارد وليم لين:- هو أخو صوفيا وقد ولد 17 أيلول (سبتمبر) عام 1801 في مدينة هرفورد على غرب لندن، ودرس اللغة العربية قبل العام 1822، واتخذ قراره بالرحيل إلى الشرق ومصر بعد انتهائه من قراءة قصص "ألف ليلة وليلة" التي كانت ذات تأثير كبير فيه، وكان قدومه للشرق ذا تأثير كبير في مصر أيضاً. وبعد ثلاث رحلات إلى مصر مسح فيها وليم لين البلاد مسحاً كاملاً، والاتصال بما استطاع من العلماء، ونسخ ما يستطيع الوصول إليه من المعلومات في آلاف الصفحات، وبذل قصاري الجهد للوصول إلى المخطوطات الأصلية الملحقة بمكتبات المساجد وغيرها، استطاع أن يقدم مجموعة متميزة من الكتب منها "المصريون المحدثون"، و"القاهرة منتصف القرن التاسع عشر"، وهو الأول بعد كتاب الحملة الفرنسية يتحدث عن مدينة القاهرة منذ نشأتها وحتى عصر المؤلف.


وكان ستانلي لين بول، آخر فرد من الأسرة تربى ونما في أسرة مهتمة للغاية بالشرق، وأكمل مسيرة أسرة عُنيت بالاستشراق، فجدته لأبيه صوفيا لين بول، وأخو جدته إدوارد وليم لين، وعمه ريغنالد ستيورات بول، أثَّروا في شخصيته وأهدافه ليصبح في ما بعد أهم مستشرق إنكليزي كتب عن مصر وبلاد الشرق. ففي بداية الأمر استكمل المعجم العربي الإنكليزي "مد القاموس" الذي بدأ فيه خال والده إدوارد وليم لين عام 1876م والذي تأثر به كثيراً واتبع نهجه في كتبه. وبدأ ستانلي حياته العلمية كمؤرخ وباحث في الآثار العربية والإسلامية ومتخصص في التاريخ الإسلامي، إذ عمل لفترة أمين القسم الشرقي للنقود الأثرية والمسكوكات في المتحف البريطاني.

وضع دليلاً للنقود الشرقية والهندية في أربعة عشر مجلداً ثم عُين عضو مجلس في متحف الفن الإسلامي، ومكلفاً من الكتبخانة الخديوية في القاهرة بوضع فهرس لمقتنياتها من المسكوكات، وقام برحلة إلى مصر عام 1883م كتب فيها كتابه "الحياة الاجتماعية في مصر"، إضافة إلى مؤلفات أخرى عن الهند والعرب والإسلام. وفي عام 1882م أصدرت لجنة بريطانية سميت "لجنة استكشاف فلسطين" أربعين مجلداً بعنوان "الوصف المصور لفلسطين ومصر"، ثم ملحقاً مستقلاً يختص بوصف الحياة الاجتماعية لمصر. وتولى ستانلي لين بول إعداد هذا الملحق بموافقة اللجنة العلمية نظراً لقرابته من إدوارد وليم لين ومعرفته باللغة العربية، وقسَّمه إلى أربعة فصول عن عادات وتقاليد أهل المدن وحياتهم اليومية وأعمالهم وطرق التسلية وعن الحريم والاحتفالات الخاصة والدينية وما يقوم به الدراويش، وكذلك عن حياة الفلاحين وما وقع عليهم من ظلم وسخرة ثم تطرق إلى حياة البدو، كما وصف طرق التعليم ووجد أنهم يتعلمون شعائرهم الدينية فقط ويتجنبون العلوم الدنيوية. كما وصف المساجد الشهيرة في القاهرة بأسلوب أكثر جمالاً مما ذكره إدوارد ما يدل على أنه اقتبس فقرات منه. وفي الختام انتقد المصريين في بعض أمور حياتهم ونظرتهم للمرأة وجمود عقلهم.

وإذا كان لهؤلاء المستشرقين فضل لا ينسى على الإنسانية، لأن كتبهم كانت في معظمها ذات مستوى رصين، استهدفت تحقيق فهم علمي للمنطقة، وأنقذت كمية هائلة من المخطوطات والآثار والمسكوكات التي ضاعت، أو كادت، في نهاية الحقبة العثمانية، إلا أنهم كانوا على نحو مباشر أو ضمني جزءاً من المنظومة الإمبريالية الغربية في القرن التاسع عشر. هذه المنظومة التي كانت تعتمد إلى جانب الجيوش العسكرية على كتائب المستشرقين كسلاح لفهم الشرق، بهدف بسط النفوذ عليه، وظاهرة الاستعمار التي انتشرت على نطاق واسع في الفكر الأوروبي وأصبحت الدول الكبرى مهووسة بذلك، وبالتالي صعد نجم الغرب عالياً في حين كان جمود الدولة العثمانية قد بلغ مداه. ولذلك ينبغي للقارئ أن يمضي حذراً في قبول المادة العلمية التي يقدمها المستشرقون.