خيارات تركيا المستحيلة

محمد بدر الدين زايد |

ربما لا يوجد نظير في السنوات الأخيرة لنموذج يكشف تحولات الاستراتيجية والمصالح للدول بقدر ما نراه حالياً في تواصل الخلاف والتوتر الأميركي – التركي على خلفية ملفات عدة، ويبرز على السطح منها الآن مسألة شراء تركيا للصواريخ الروسية "إس 400"، وفي الواقع أن هذه المسألة ممتدة منذ أكثر من عام، كما أنه ليس ملف الخلاف الوحيد بين الجانبين، بل برز إلى السطح الآن بعد التهديد الأميركي بأن واشنطن ستعطي مهلة لأنقرة حتى نهاية تموز (يوليو) المقبل للتراجع عن هذه الصفقة وإلا ستطرد الطيارين الأتراك الذين يتدربون على طائرات "إف 35"، وقد أوقفت بالفعل تدريب هؤلاء الطيارين حتى تستجيب تركيا لطلبها، وهو ما أثار ردود فعل تركية غاضبة ومنفعلة متمشية مع النهج التركي بهذا الصدد، وإشكال ملف الصواريخ الروسية هذا، أنه وضع الجانبين الأميركي والتركي في مفترق طريق صعب، فتركيا سددت للجانب الروسي 2.5 بليون دولار أميركي من ثمن هذه الصفقة وبدأت تدريب عسكريين أتراك بالفعل في الأراضي الروسية على هذه المنظومة، فضلاً عن تشابك علاقاتها مع روسيا على نحو سنعرض له لاحقاً، كما أنه على صعيد التسليح وحده، من الصعب على أنقرة تجاهل رفض واشنطن منذ فترة تزويدها بصواريخ الباتريوت، معنى هذا أنه إذا كان لواشنطن حيثيات حقيقية في التخوف على منظومة طائراتها من نظام الدفاع الصاروخي الروسي فإنها هي من بدأ في تعقيد علاقات التحالف مع تركيا، الأمر الذي ترك آثاره في دفعها نحو التعاقد مع موسكو بهذا الصدد.


وكما سبق، هذا الملف يأتي ليضيف لملف التباعد بين البلدين، ويعقد أكثر من فرص العودة للعلاقات الاستراتيجية التي كانت تجمع بينهما، فهناك قبل ذلك خلاف طويل حول الملف الكردي، وعلاقات واشنطن المستمرة مع الأكراد والتي اكتسبت زخماً جديداً بعد غزو العراق، ثم مع تعقيدات الملف السوري، واستثمار واشنطن لهذه الورقة الكردية للاستمرار كلاعب في الساحة السورية، ولو حتى من الدرجة الثانية مع وجود ثلاث لاعبين رئيسيين وهم روسيا وتركيا وإيران، كما شهدت العلاقات توترات حول تلاعب تركيا بالحظر الأميركي والغربي في السابق لملف العقوبات ضد إيران، وهي مسألة ما زالت متوقعة بعد التصعيد الأميركي الجديد ضد إيران، والذي تحفظت عليه تركيا منذ البداية، ما يرشح هذا الملف للتصعيد لكونه لن يتم في شكل تلاعب هذه المرة، بل سيبدو موضع خلاف علني واضح. كما أن ذكرى المواجهة والعقوبات الأميركية الحادة على خلفية القس الأميركي الذي كان محتجزاً، وأجبرت واشنطن حليفتها السابقة على التراجع ما زالت حاضرة للأذهان، فقسوة العقوبات والإذلال الأميركي، واضطرار أنقرة إلى التراجع، مع إخراج صفقة لحفظ ماء الوجه، والاستفادة من بدايات أزمة إدلب لتوظيف هذا البعد لترضية واشنطن والغرب واستغلال تطابق مصالحها، أي تركيا، مع هذه الأطراف لتأجيل إعلان روسيا وحلفائها للنصر في سورية، ما يقدم ترضية لواشنطن كان الحل لأزمتها الصعبة مع الولايات المتحدة، وهو ما عرضناه آنذاك كمخرج من هذه الأزمة، وهو ما بدأ الآن في الاهتزاز، كونه حلاً موقتاً لا يمكن استمراره زمنياً لفترة طويلة، ويضاف إلى كل ذلك الغضب التركي من عدم تسليم واشنطن للمعارض فتح الله جولن الذي تتهمه أنقرة بالوقوف خلف محاولة الانقلاب الفاشلة منذ أعوام عدة.

هذه الأزمة التركية - الأميركية متعددة الأبعاد والتي تشمل إجراءات اقتصادية متبادلة، تثير ملاحظات عدة بشأن تركيا وكذا بالنسبة لطبيعة الأوضاع الدولية الراهنة وما ستكون عليه الأمور في المستقبل.

بالنسبة لتركيا يتأكد بشكل متواصل أن التباعد بينها وواشنطن مرشح للمزيد من الترسخ والتزايد، وأن الخلاف حول هذه الملفات وغيرها سيقود بالتأكيد إلى مزيد من موضوعات الخلاف التي كان الطرفان يحرصان على إخفائها واحتوائها في عصر الحرب الباردة والدور الاستراتيجي المحوري لتركيا في مواجهة الكتلة الشرقية السوفياتية دور أصبح من الممكن الاستغناء عنه بعد تحول بؤرة الاهتمام الأميركي إلى الصين كالعدو الأكثر خطورة والذي يجب التركيز عليه، فضلاً عن أن تشجيع ورعاية النموذج السياسي الذي يقدمه النظام السياسي التركي قد أصبح ملتبساً، سواء في مرحلة التغريب الأتاتوركي وفقدان الهوية الوطنية التركية، أم في المرحلة الراهنة للنموذج السياسي الإسلامي الذي يندفع في ممارساته التي تثير الجدل والخلاف إقليمياً ودولياً، ولم يعد يتمتع بجاذبيته السابقة، فضلاً عن حدة ردود أفعاله التي تثير الكثير من عدم الارتياح.

ومع تأكد حالة التأزم في العلاقات التركية - الأميركية وإلى حد ما الغربية، تتعمق أزمة الهوية التركية التي سبق لنا تناولها منذ أكثر من عام، ومزيد من التحول إلى قوة آسيوية بعد أن سبق ذلك رفض أوروبي لها واضح ومهين بعد سنوات طويلة من الجهود التركية، على أن هذا التباعد الغربي الذي واكبه مزيد من ترسيخ هويتها الإسلامية والشرق أوسطية هو في ذاته إشكالية، ففي وقت يزداد تأثيرها الإقليمي السلبي، تتراجع علاقاتها مع غالبية الأطراف الإقليمية ما عدا قطر، فضلاً عن علاقة معقدة مع إيران يصعب وصفها بالمتينة، بقدر ما توجد مصالح مشتركة عديدة يمكن التنسيق فيها، ومساحة تنافس يمكن التعايش معها في الأجل القصير، ولعل أهم ما يجمعها مع إيران وإسرائيل من علاقات وتنسيق وخلافات هو المصالح المشتركة في إكمال تدمير النظام الإقليمي العربي وتحويله إلى ساحة تنافس وتقاسم نفوذ.

ومن ناحية أخرى، فإن عقدة العلاقات مع روسيا، أنه على رغم المصالح المشتركة الاقتصادية وعلى رأسها الغاز الروسي، والتفاهمات الموقتة في الشأن السوري، فإن لروسيا موقفاً استراتيجياً واضحاً وغير قابل للمساومات فيما يتعلق بالمشروع السياسي التركي في المنطقة، واستناده إلى الإسلام السياسي، ما يجعل إفشال هذا المشروع من جانب روسيا هدفاً استراتيجياً غير قابل للمهادنات إلا تكتيكياً من أجل بعض التفاهمات في سورية وربما لمواءمات مرحلية بالنسبة للمشروع الإيراني، ما يجعل في النهاية أي مراهنات تركيا على روسيا هشة بدرجة كبيرة.

وأخيراً، فإنه من الإنصاف تذكر أن أردوغان يتصرف دوماً بانتهازية وبراغماتية من طراز خاص، لاستثمار حالة السيولة الدولية ومرونة التحالفات وعدم التأكد التي هي سمة الأوضاع الدولية الراهنة، للخروج من ورطات سياسة بلاده الخارجية شديدة التعقد والصعوبة، وهي الصعوبة التي أضاف إليها أردوغان وآيديولوجيته السياسية، وطموحاته الوهمية لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية التي هي أحد أسوأ الإمبراطوريات عبر التاريخ، ولكن الخيارات تضيق مع الوقت، وينفد صبر الأطراف الإقليمية والدولية على تحمل حماقات وصلف هذه السياسة، وبالقدر الذي تقترب فيه معركة إدلب من الحسم، و ما هو متوقع من حدوث مزيد من التباعد مع واشنطن سيترسخ إفلاس سياساتها، وصعوبة استنادها إلى تحالفات وصداقات خارجية مستقرة.

وربما ما يستحق وقفة تالية هو دلالة ذلك على الأوضاع الدولية ومدى هشاشة التحالفات والعلاقات، وتآكل الثوابت في هذه الأوضاع الدولية، ولهذا حديث آخر.