هذه أميركا.. أم كوستاريكا؟

خالد دراج |

من المؤكد تماماً أن أي كائن حي على وجه الأرض - بما في ذلك الإيرانيون أنفسهم - يدرك تمام الإدراك أن عدم الرد الأميركي على إسقاط إيران للطائرة الأميركية المسيّرة لا يعكس خوفاً أو جبناً أو حتى جاهزية عسكرية على الإطلاق، فما لدى الأميركان من قوة على البر والبحر الخليجي كافية لتدمير إيران في زمن قياسي.


إذاً، فالاختلاف لم يكن أبداً في هذا الجانب بقدر ما كان في مبررات عدم الرد على الصفعة الإيرانية التي وجهت للعلم الأميركي المطبوع على الطائرة المسيّرة، والتي لم يحسم للآن موقع إسقاطها.

الاختلاف أيضاً في الكثير من دول العالم، بما فيها أروقة ودهاليز الإعلام والسياسة الأميركية، في تحليل الهدف الرئيس من تراجع واشنطن عن الرد في اللحظات الأخيرة، وحول ما إذا كان ترامب جاداً في مبرراته التي ساقها لعدم الرد في اللحظات الأخيرة.

ولعل السؤال الأشمل والأهم والذي بات يسيطر على حديث وتعليقات الناس فيما لو تفهّمنا بأي حال من الأحوال مبررات عدم الرد الأميركي على الصاروخ الإيراني، هو: هل يعقل كل تلك التناقضات والتذبذبات في التعاطي الأميركي مع الحالة الإيرانية، بداية بترامب نفسه الذي أصبحنا نراه صقراً في الصباح وحملاً في المساء ودجاجة في الليل؟!

وحتى في الدائرة الأميركية الأوسع لصناعة القرار، نتابع تبايناً عجيباً غريباً وغير مألوف أو مسبوق حدوثه من قبل وفي أزمات أشد وأكبر مما يحدث اليوم، فنجد أن بولتون يتحدث أحياناً في اتجاه معاكس تماماً لما يقوله ترامب أو حتى بومبيو، كذلك المؤسسات الرسمية الكبرى كالبنتاغون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض لا تحمل توجهاً واحداً أو رؤية مشتركة، فتارة تشعر أنك ستصحو اليوم التالي على سحب البارود ومشهد المقاتلات وهي تقلع من على أسطح حاملة الطائرات، وتارة تجد نفسك أمام دراما تصالحية عجيبة وأطروحات أميركية خانعة تزيد من بريق النظام الإيراني وقدرته على التعايش والتصالح.

صحيح أن مثل هذه التداخلات والتناقضات مثلت ملمحاً أميركياً جديداً منذ دخول ترامب للبيت الأبيض، عاكسة شخصيته المتذبذبة ورؤيته الضبابية، ولكن في المقابل يطرأ السؤال المنطقي: هل تحتاج أميركا في الأصل لكل هذا «اللف» و«الدوران» وتوزيع الأدوار ولكل ذلك الكم من التناقض والاتجاه خطوة للأمام وعشر للخلف وصولاً للجوء إلى وساطة عمان وتحميلها الرسائل لحكام طهران لتشعر في نهاية الأمر وكأنك أمام كوستاريكا وليس أميركا؟!

* باحث إعلامي وكاتب صحافي.

@khaliddarraj