التاريخ قبل السياسية.. الملالي إلى الزوال! (2-2)

عبدالملك المالكي |

خَلُصت في مقالتي في جزئها الأول الأسبوع الماضي، إلى أن «التاريخ» قال بكل تجرد: إن الفرس «المجوس» عبدة النار في إيران، المتلبسين اليوم بالإسلام، هم جار السوء للعرب منذ فجر التاريخ، وإنهم كانوا وراء كل دعوة سوء تصيب دائرة العرب، أو أخرى دعت للانشقاق والتفكك في جسد الأمتين العربية والإسلامية الواحد! وإن غايتهم منذ عهد ما قبل التاريخ إلى صدر الإسلام وصولاً إلى عالمنا المتحضر اليوم، «تفتيت» أي وحدة واتحاد كلمة للعرب والمسلمين، وإن سلاحهم في ذلك كان دوماً وعبر تعاقب الأزمنة والعصور؛ هو تغذية العنصرية القائمة على فرقة العرق وطائفية المذهب.


وكنت قد توقفت في مقالتي الأسبوع الماضي عند الحدث الأبرز حينها، ممثلاً في التعدي الصارخ للآلة العسكرية الإيرانية على الملاحة الدولية، وصواريخ الحوثي على أبها ومطارها تحديداً. «الحوثي» وكيل إيران المعتمد في الجزيرة العربية، وذنبها لتنفيذ الأجندة المجوسية الإيرانية بمساعدة «لم تعد تُخفى» من خونة العرب في الخليج أو في اليمن أو باقي الدول العربية، وكذا مرتزقة الأحزاب الإرهابية التي لم تجد قانوناً دولياً يجرمها بحزم ويردعها ويحكم تصرفاتها حتى اللحظة، وعلى رأسهم «الإخوان» المتأسلمون!

أما ما كان متوقعاً ولم أستغرب حصوله وقد حصل بالفعل قبل كتابة ما تقرؤون من الجزء الثاني لمقالتي، التي تُبين أن «التاريخ والسياسة يُثبتان أن ملالي الحكم في طهران إلى زوال قريب» لا محالة! فهو استمرار «التحرش» الإيراني الذي انتهى بإسقاط طائرة «درونز» أميركية، أو درونز «الشيطان الأكبر» كما تُسميها الجمهورية الإيرانية. الجمهورية الخمينية التي أضحت تلعب على «أوتار» داخلية في أميركا وإسرائيل، ولا أستبعد أبداً تدخل المال القطري كداعم مادي ولوجيستي لها في ذلك، «أوتار» تشكل رأياً عاماً في واشنطن وتل أبيب، لعل وعسى أن تخرج من أزمتها، وهذا ما سأشرح واقع تباينه في هذه المساحة.

اليوم، لن أتوقف مطلقاً عند «عدم الاعتراف الإيراني» حتى اللحظة بمسؤولية دفاعاته في خليج عمان عن إسقاط طائرة «الدرونز» الأميركية، فذاك أمر متوقع، كما قال تاريخهم، وربما أضحى اليوم تصرفاً «مضحكاً مُبكياً»، كون من يلعب بالنار ما يلبث أن تحرق «يداه» أياً كانت مبرراته، فضلاً عمّن ينفي حدوث ما رصدته ووثقته الصور المُلتقطة واللحظات الحية المسجلة عبر الأقمار الاصطناعية، ووثقه البنتاغون واطلعت عليه دول الاتحاد الأوروبي، إلا أن ما أود الإشارة إليه هنا، هو التساؤل عن «الرمزية المقدسة للكرامة الأميركية» في عهد ترامب إلى أين تتجه؟!

لن نُضيف جديداً إذا ما قلنا إن التراجع الذي حصل في قرار ترامب أن «الثواني الأولى قبل ٧٢ ساعة» من لحظة تراجع ترامب عن ضربة تأديبية «مبرحة» كانت ستكون شرارة «الضربة الساحقة» فعلاً، والتي كانت ستمنع تكرار العبث الإيراني في ممر مضيق هرمز، وستزيد حتماً من أوجاع اقتصاده المتهاوي، وتُعيد شيئاً من «الهيبة» الأميركية التي لا شك أن الديموقراطيين اليوم على وجه الخصوص في الولايات المتحدة إن لم يروا أثر ذلك يحدث تغيراً في واقع ما بعد إسقاط الطائرة، فسيجعلون من «الحبة قُبة» في قادم الأيام، وتحديداً مع اقتراب استمالة الناخب الأميركي نحو السماح لاستمرار التجربة «الترامبية» في ولاية تمتد لأربع سنوات أخرى وأخيرة.

أيضاً الكاريزما التي رسمها ترامب لخريطة طريق مستقبل الولايات المتحدة الأميركية بكل ما فيها من تناقضات تفرض تغيير الحدة في «النقد» و«الوعد» و«التنفيذ» لكل خُطبة بات يُلقيها من على منصة «الرئاسة الأميركية»، المنصة التي لا يعلوها أبداً كما يقول التاريخ الرئاسي الأميركي من يقبل إهانة «العلم الأميركي» أو التعدي على ممتلكاته ومصالحه حول العالم، حتى وإن دغدغ مشاعرهم بجلب الأموال من أوروبا والخليج والصين والكوريتين بدواعي حفظ المصالح ورعايتها.

شخصياً قد أعذر ترامب، ليس لأن «نتن ياهو» كما نقلت وكالات أنباء عالمية منها RT الروسية، قد منع «الضربة الساحقة» مُقترحاً على ترامب التريث للوقت المناسب، وأياً كانت هذه الرواية صحيحة من عدمها، إلا أنني أعذر ترامب كون ظروف كلا الطرفين الحليفين (أميركا وإسرائيل) تتشابه في سياق سباق الانتخابات، وكذا حساسية الشارعين من الحروب وآثارها العكسية، ولأن الناخب لسباق البيت الأبيض قد يُقصي قبله ناخب رئاسة الوزراء الإسرائيلية، والعكس صحيح، إلا أن ما يصنع التباين حول تأييد من عدم تأييد الرد العسكري الأميركي الرادع لإيران يتبع في 2019 اختلاف ثقافات وأولويات ما يهم الداخل الأميركي عنها من ثقافات واهتمامات وربما أولويات الداخل الإسرائيلي!

وهذا رهان الإيرانيين في الوقت الراهن، إذ يراهن الإيراني (المتحرش) على ذلك التباين ليخرج بأقل الخسائر من أزماته المتلاحقة، فهو يرى أن الداخل الأميركي اليوم تشكله أكثرية «قليلاً» ما تهتم «لعالم ما وراء البحار»، و«كثيراً» ما ترى في زيادة رفاهية المواطن الأميركي وزيادة الوظائف وانحسار البطالة، متناسياً ذات المتحرش الإيراني أن ذات الأميركي لا يقبل المساس بمكانة بلاده، كالإهانة التي لحقت ببلاده أخيراً عبر إسقاط طائرة الدرونز، بل إن كرامة بلاده من أولويات الأميركي اليوم التي لا يحيد عنها!

فيما يرى «المتحرش» الإيراني، أن الداخل الإسرائيلي الذي تفرض عليه دول الجوار و«حزب الله» وموقعه الجغرافي بشكل عام ومعتقده الديني بشكل خاص، أموراً تجعل من صوته يذهب لليسار في أي لحظة يرى فيها أن اليمين قد زاد من مخاوفه لجره للحروب.. والعكس صحيح، وبذلك يسقط صاحب «الضربة الساحقة «قبل أن يرتد إليه طرفه، وهذا كما أشرت رهان إيران في معتركها الاقتصادي قبل السياسي والعسكري اليوم.

لن تنجو طهران من «ضربة عسكرية موجعة» بحسب تقديري، ضربة تزيد من تسارع فقدان السيطرة والهروب للأمام باتجاه الهاوية، طهران الملالي التي ترى في استمرار العقوبات الخانقة استمراراً لحقيقة «الموت البطيء» التي يواجهها النظام البغيض في طهران لحظياً، فلا بد له من مناورات وتحرشات، وإن على استحياء، تتنفس معها الصعداء فيما تواجه من ضغوطات يتبعها انفجار سكاني رهيب بكل ثانية، وغضب يزداد معه الفقر وتردي الأحوال الاجتماعية تبعاً للحال الاقتصادي لبلد «غني» بالثروات، «فقير» بالقدرات على تجاوز الأزمات! الأزمات بالطبع التي يصنعها، بل ويصدرها للعالم، كما يصنع ويغذي ويصدر «ثورته» الآيديولوجية العنصرية الحزبية الطائفية المقيتة، والتي جعلت منه نظاماً منبوذاً في المنطقة والعالم بأسره.

اليوم، تواجه حكومة طهران من دون رحمة حقيقة اقتصاد متسارع في السقوط الحُر، ومراهقة سياسية مترهلة تراهن على مصالح آنية وحقيقة أشد وضوحاً يقرأها الأعمى.. حقيقة أن نظام «الملالي» بات أقرب إلى الزوال بمعنى الكلمة وبكل هذه المعطيات التي لا تغيب عن ذوي الألباب!

* دكتور تأهيل كاتب وناقد.