موسكو طمأنت طهران ودمشق إلى "حفظ مصالحهما" قبل الاجتماع الثلاثي

عون يستبعد اشتراك "حزب الله" بأي مواجهة عسكرية مفترضة والرسائل الغربية دعت الجيش إلى تجنب الانخراط فيها

(الوكالة الوطنية)
بيروت - وليد شقير |

يترقب الوسط السياسي والرسمي اللبناني الأخبار والتقارير الديبلوماسية في شأن المواجهة الملتهبة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، نظرا إلى تأثره بها من زاوية رصد إمكان تحولها إلى صدام عسكري بين الدولتين، لا سيما إذا انخرط "حزب الله" فيها كفرضية مطروحة بحكم الولاء المطلق للحزب لولي الفقيه في طهران.


ويمكن القول إن معظم هذا الوسط تنفس الصعداء بعدما قرر الرئيس الأميركي التراجع عن توجيه ضربة عسكرية ضد رادارات وقواعد صواريخ إيرانية يوم الجمعة الماضي، كان وافق عليها، ردا على إسقاط طائرة الاستطلاع في خليج عمان.

إلا أن خفض مستوى التصعيد العسكري هذا لا يمنع العديد من القادة اللبنانيين من المتابعة الحثيثة لمجريات الصراع الأميركي الإيراني وانعكاساته المحتملة، حتى لو لم يصل إلى مستوى المواجهة العسكرية.

وتقول مصادر سياسية واسعة الاطلاع ل"الحياة" إن الرسائل التي كان لبنان تلقاها من غير دولة غربية بوجوب العمل على ضبط "حزب الله" قبل وبعد إسقاط الطائرة الأميركية والتي تلقاها أكثر من مرجع لبناني، كانت مدار نقاش بين حاملي هذه الرسائل وبين المراجع المعنية، بينها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي تلقى نصيحة بأن يطلب من "حزب الله" البقاء خارج دائرة أي مواجهة عسكرية محتملة إذا حصلت، وألا يدخل في صراع عسكري مع إسرائيل على الجبهة الجنوبية، في إطار تهديد إيران بإشعال المنطقة وفي جبهات عدة، كان تحدث عنها الأمين العام للحزب حسن نصر الله نفسه في خطابين سابقين له. وأوضحت المصادر ل"الحياة" أن الرئيس اللبناني رجح في تعاطيه مع النصائح الغربية ألا يكون الحزب طرفا في المواجهة وأن يمتنع عن الانخراط فيها.

وكان قادة لبنانيون آخرون سمعوا من ديبلوماسيين غربيين النصيحة وسط المخاوف من تدهور الأوضاع الإقليمية ولا سيما بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، منهم رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، حيث أكد قياديون في "القوات" منهم وزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان في تصريحات له أن المخاوف من انجرار لبنان إلى أي مواجهة عسكريا، كانت سببا رئيسا لإيفاد جعجع وزير الإعلام السابق ملحم رياشي إلى الرئيس عون لينقلها إليه، وللطلب إليه بذل جهوده لدى الحزب كي يمتنع عن توريط لبنان في أي عمل عسكري في إطار المواجهة المحتملة الأميركية الإسرائيلية.

وتشير المصادر المطلعة نفسها ل"الحياة" إلى أن الرئيس عون أجاب من راجعه سواء من الديبلوماسيين الغربيين أو غيرهم في هذا الشأن بأنه تحدث إلى قيادة "حزب الله" حول المخاوف المطروحة من اشتراكه في أي حرب قد تنشب بين إيران وأميركا، وأنه تلقى تطمينا بأن الحزب لن يورط لبنان فيها، في وقت رأت مصادر أخرى أن اطمئنان عون يعود إلى تقدير من قبله نتيجة قراءته للأحداث.

الجيش

وأشارت المصادر السياسية الواسعة الاطلاع ل"الحياة" إلى أن عددا من المسؤولين كانوا تلقوا الرسائل من ديبلوماسيين غربيين، بينهم رئيس الحكومة سعد الحريري. كما أن قائد الجيش العماد جوزيف عون كان استمع من مسؤولين أميركيين خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الشهر الماضي، حيث أجرى محادثات حول تسليح الجيش وبرنامج المساعدات الأميركية له، (إضافة إلى رسائل ديبلوماسية في بيروت) إلى دعوة من أجل العمل على لجم أي اندفاعة من "حزب الله" للمشاركة في أي أعمال عسكرية دعما لإيران. وحين سئلت المصادر السياسية عما كان تقييم قيادة الجيش تعليقا على ذلك كشفت أن الرسائل التي تلقاها لبنان شملت بألا يدخل الجيش طرفا في أي صراع عسكري إذا وقعت فرضية انغماس "حزب الله" في أي حرب محتملة، وأن يبقى بعيدا منها إلا إذا تم استهداف مواقعه. وأوضحت أن الجانب اللبناني اعتبر أنه لن يبادر إلى أي عمل عسكري بالطبع، لكن إذا حصلت فرضية أي مواجهة بين "حزب الله" وبين إسرائيل، في إطار تطور المواجهة الأميركية الإيرانية، فإن تعرض إسرائيل لمرافق لبنانية رسمية تابعة للدولة اللبنانية فإن الجيش لا يمكنه الوقوف على الحياد في هذه الحال.

وكان مبرر هذه النصيحة حول الجيش ضرورة أن يتجنب تعرضه لرد قاس من قبل الجيش الإسرائيلي في هذه الحال، كما حصل خلال حرب عام 2006 حين قصفت القوات الإسرائيلية مواقعه في الجنوب وفي العمق اللبناني ما سبب له خسائر غير قليلة بالأرواح والعتاد.

إلا أن مرجعا لبنانيا على صلة بالتطورات الخارجية يقول ل"الحياة" إن التزام "حزب الله" الهدوء على الجبهة الجنوبية مع إسرائيل هو موقف قائم منذ سنوات ولن يتغير في المرحلة المقبلة بدليل بقاء الحزب على التزامه عدم الانجرار إلى أي حادث أمني على الحدود على رغم ما يعتبره استفزازات إسرائيلية وخروقات بين الحين والآخر، وتركه معالجة الأمور للجيش اللبناني. ويتصرف المرجع على أن استبعاد الحرب من هذه الزاوية أمر محسوم، لكنه يرى أنه إذا اندلعت مواجهة عسكرية شاملة أميركية إيرانية، فإن مشاركة "حزب الله" فيها مؤكدة حسب قوله، وستمتد من اليمن إلى غزة مرورا بلبنان لأنها ستكون مسألة وجودية بالنسبة إلى المحور الذي تقوده إيران، وفق ما سبق للأمين العام ل"حزب الله" أن أعلنه، وطهران لن تعفي حلفاءها من الاشتراك فيها دفاعا عن هذا المحور.

إلا أن المرجع نفسه يسارع إلى القول ل"الحياة" إنه لا يرى حربا بين الولايات المتحدة وبين إيران في المدى المنظور. وإذا حصلت ضربات محدودة في الزمان والمكان فيعني هذا أن لا قرار بالحرب ويمكن استيعاب نتائجها وحصرها ومنع امتدادها.

ويضيف المرجع أن السبب وراء الارتياح الإيراني في ما حصل قبل وبعد إسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية فوق خليج عمان الخميس الماضي أن طهران تدرك أنها "تحارب جهة لا تريد الحرب، وبالتالي هي مطمئنة حتى الآن بأن حساباتها بالبقاء تحت هذا السقف حيال حوادث محدودة مطابقة للواقع. وثبت ذلك بعودة الرئيس ترامب عن قرار الرد العسكري على إسقاط طائرة الاستطلاع. ويرى المرجع أن القيادة الإيرانية مثلها مثل الدول المعنية المتابعة للموقف الأميركي، تعتبر أن ترامب يركز وفق تصريحاته والمواقف المعلنة لرجال إدارته، على حملها على التفاوض تحت ضغط الحرب الاقتصادية التي يشنها عليها، بدلا من تحمل كلفة الحرب التي لا يريدها من الأساس.

الاجتماع الثلاثي وتصعيد الضغط

وإذ تتعدد القراءات اللبنانية المتعلقة بخيار الحرب بين واشنطن وطهران، وسط اعتقاد بعضها أن احتمالها يبقى قائمة نتيجة الخطأ ما في الحسابات الإيرانية، تزيد أوساط زارت طهران في الآونة الأخيرة على القراءة التي تستبعد الحرب قولها إن القيادة الإيرانية تتصرف بحنكة لاعتقادها أن خوض ترامب الحرب سيؤدي إلى سقوطه في الانتخابات الرئاسية بعد نيف وسنة، وهذا سبب جوهري كي لا يلجأ إلى هذا الخيار.

هل تسعى واشنطن للإفادة من الامتناع الإيراني عن الاستجابة للحوار ومن تصاعد الخلافات الإيرانية الروسية في شأن الوضع في سورية خصوصا، من أجل تصعيد الضغط الدولي على طهران، بديلا لخيار الرد العسكري على إسقاط الطائرة؟

فبعض الأوساط اللبنانية سجل في الآونة الأخيرة تصاعدا في الخلافات الروسية الإيرانية إضافة إلى تصاعد في لهجة الانتقادات من قبل موسكو حيال سلوك الرئيس السوري بشار الأسد. وذكرت هذه الأوساط ل"الحياة" أن المسؤولين الروس يعبرون بوضوح عن تبرمهم وانزعاجهم من السياسة الإيرانية في سورية وعرقلة طهران محاولاتهم إحداث تقدم في الحل السياسي فيها، وصولا إلى انتقادات شديدة حتى لسياستها في منطقة الخليج وحرب اليمن. ولاحظ هؤلاء أن موسكو باتت تتحدث عن الخلافات مع طهران بوضوح وانزعاج كبيرين.

وتقول مصادر سياسية لبنانية ل"الحياة" إن إحدى القراءات لمسار الصراع الأميركي الإيراني تعتبر أن ترامب يسعى إلى توظيف سياسي لامتناعه عن الرد العسكري على إسقاط "الحرس الثوري" طائرة الاستطلاع الأميركية على رغم أن طهران بدت رابحة من قراره، لتحقيق أهداف تكتيكية منها ترقب الموقف الروسي، قبل أيام قليلة من الاجتماع الثلاثي الأميركي - الروسي - الإسرائيلي على مستوى مستشاري الأمن في هذه البلدان، والذي انعقد في القدس الغربية أول من أمس وأمس، من أجل البحث في أوضاع سورية والوجود الإيراني على أراضيها.

إلا أن المرجع اللبناني المتصل بتطورات الموقف الخارجي قل ل"الحياة" إنه على صحة تزايد الخلاف الروسي - الإيراني في الميدان السوري، ووضوحه، فإن هذا يبقى تحت سقف تحالف استراتيجي بين الجانبين، اللذين يحتجان لبعضهما في سورية،موسكو لوجود الميليشيات الإرانية على الأرض، وطهران للغطاء الجوي الروسي في المعارك التي لم تنتهِ وسط الأزمة المفتوحة فيها. ويرى المرجع أن الكرملين لم يقرر التخلي عن علاقته مع طهران، خصوصا أن لا مقابل لذلك في علاقته مع الولايات المتحدة.

ويختم المرجع بالقول إن الدليل هو أن موسكو ما زالت تعتبر العقوبات الأميركية على إيران غير قانونية (أول من أمس)، فضلا عن أن المعلومات التي سبقت اللقاء الثلاثي في إسرائيل أفادت بأن موسكو طمأنت كلا من دمشق وطهران بأن "مصالحهما الأمنية محفوظة ولن تمس".