لـ«نُزِلْ» الصدأ عن إعلامنا ونحرره من عوائقه

محمد المزيني |

عندما يتهمك أحدهم بالصفاقة والغباء فإنك ستحتاج إلى رد لا يقل عن ثقل هاتين الصفتين، وأي محاولة منك لدفعهما عنك أو إثبات خلافهما فهذا يعني أنك حقا سقطت في «الفخ» الذي تصبه لك ودفعك إليه، هنا ستثبت حقا أنك تستحقهما بامتياز، فما بين لغة الهجوم والدفاع بون شاسع، كالفرق بين القوة والضعف والجبن والإقدام، وأسوأ ما يمكن أن يورطنا بحيله وأحابيله هو الإعلام الذي متى كان متمكّنا من أدواته فسيصبح أيضا متمكّنا من الاستحواذ على الرقعة الأوسع من المستقبلين، هنا ستبدو معادلة الصدق والكذب غير واردة؛ لأن تأثير الرسالة بلغ مداه وباتت العقول مستسلمة طواعية لها، فلا يشبهها سوى المصارعة الحرة التي تبهرنا إلى حد الخديعة، أو اللهاب السحرية، حيث لا يعد الصدق والكذب معيارين للحكم بقدر ما نراه من قوة وإثارة.


الإعلام اليوم هو «الحيلة الكبرى» الساحرة التي لن تسمح بدخول الضعفاء إلى ناديها المبهر، ليس مهما أن تكون صادقا مع عالم هذه صفاته، بل أن تضيف على صدقيتك قوة الاقناع والابهار، والسؤال الوارد هنا: هل إعلامنا قادر اليوم بكفاءة عالية لمواجهة الخصوم الذين يواجهون إعلامنا ويغزون عقول العالم برسائل متقنة الحبكة؟ اليوم نواجَه بأبشع الحروب الإعلامية، ذات الصبغة المسيسة والامكانات الهائلة في كل أركانها الخمس، التي تبدأ من الرسالة وتنتهي بـ «الفيد باك»، أو رجع الصدى، وإزاء ذلك كله فأن تكون صادقا وحاذقا في ممارسة الأكاذيب أبلغ وأنجع من أن تكون كاذبا في ممارسة الصدق، لنقف الآن أمام نظرة تفكيكية واقعية لإعلامنا السعودي الذي نعده صادقا جدا في رسالته، من حيث مادته الطبيعية المضمنة في الرسالة، لكنها مع شديد الأسف لم توضع بقوة دفع تقنية عالية لها دوي يسمع وضوء يبهر، لا من حيث المرسل والوسيلة، لذلك تصل في نهاية العملية «هشة» ضعيفة غير ذات تأثير، لا تستدير لها الرؤوس ولا تلتقطها الأسماع، بهذا لن تكون مؤثرة في قناعات الناس.

السؤال الثاني: أين يقع إعلامنا من اللغة الإعلامية المحتدمة في كل وسائل التقنية الحديثة وبرامجها اليوم؟ هل استطاع في حلبة الصراع أن يصرع خصومه بامتياز؟ هل استطاع أن يقدم بلدنا بنسخته الجديدة وبرنامج التحول الذي يقوده ولي العهد الامير محمد بن سلمان بكفاءة تليق به؟ لن أعطي حكما جزافيا هكذا من دون أن أقدم بعض ما يحدث في فضائنا الإعلامي، ولنبدأ من «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل»، وأسأل: أي قناة أو صحيفة أو موقع استوعب هذه الأزمة والمواجهة التي تخوضها قواتنا بكل احترافية؟ سأستثني إلى حد ما قناتي العربية والحدث اللتين تبذلان جهدا لا بأس به، ونستطيع القول انهما تمكنتا إلى حد ما من مقاومة قنوات العملاء شذاذ الآفاق المستأجرين في الجزيرة وغيرها، الذين لا يتوقف إعلامهم لحظة من أجل النيل من السعودية للتشكيك بأهدافها وتزوير ما يقع من أحداث في اليمن، وقد نلتمس العذر للقناتين لسبب واضح هو أنهما لا تمارسان لعبة التمويه والخداع، ولا تضخان الأكاذيب والتلفيقات ذات الحبال الطويلة، التي لو أرادت ارتكابها لوجدت لها ألف ناعق ومرتزق، يضخ لها ضجيجا وتهويشا كضجيج أبطال المصارعة الحرة قبيل صعودهم الحلبة.

أما قنواتنا الأخرى فقد تشاغلت عن أحداث هذه المعركة مكتفية بالتقارير التي تأتيها مجانا ومن دون عناء البحث والتقصي، ربما أيضا نلتمس العذر لهيئة الإذاعة والتلفزيون لانشغالها بالتحديث الشامل المنتظر لقنواتها ومحطاتها الإذاعية، كي تخرج لنا بمنافسين أقوياء مستقبلا، أما الصحافة التي تعاني أصلا من كبوتها المادية، فلا تمر على قضيتنا مع اليمن إلا لماما، حتى كاد المواطن ينسى قضيتنا مع «الحوثيين» المدعومين بالكامل من قبل ملالي طهران، الذين لا يتوانون لحظة بإذكاء نيران الفتن والحروب في أجزاء من عالمنا العربي.

أين إعلامنا من قضية جمال خاشقجي التي لا تتوقف القنوات المأجورة من إشعال النار فيها للنيل من قادة بلدنا، ونحن ندرك جيدا مراميها وأهدافها من وراء ذلك، لقد راعهم وأقض مضجعهم أن السعودية الجديدة تأخذ شكلا ومضمونا مختلفا، ولن تعد بحاجة إلى من يمد لها يد العون، بذلك ستتضاءل المنافع التي كانوا يجنونها من دون وجه حق، أما قطر التي احتمت بكل الإخوة الأعداء ودعمت كل الفصائل حماية لنفسها من وهم الخوف المستبد من السعودية العظمى، فقد باتت مسكونة بـ«فوبيا السعودية» حتى جعلت من اليمن وخاشقجي أيقونتها الإعلامية، وعلى رغم ما يكتنف رسائلها من كذب وتلفيق إلا أن استمرار صوتها عاليا بمن يكن ليصنع من فراغ، بل من خلال لغة إعلامية رصينة يقف من ورائها إعلاميون مرتزقة محترفون أكسبها قوة الحضور والتأثير، وهذا ما رميت إليه بقولي «الصدق في حياكة الاكاذيب والتلفيقات»، فهي حيل شيطانية يصعب كشفها إلا للخبراء والمختصين كالشيطان الذي كشفه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: «صدقك وهو كذوب». فعندما تتحدث هذه القنوات عن مأساة اليمنيين فهم صادقون، لكن الرسالة الأخرى تقول إنهم ضحية للحرب التي تقودها السعودية في «عاصفة الحزم»، بينما هم حقيقة ضحية لتنمر الحوثيون عليهم، ولكن أين هو الإعلام الذي يمعن بلا توقف في نقل هذه الصورة على حقيقتها؟ استغربت جدا غياب إعلامنا عن نتيجة تقرير مقررة هيئة الأمم المتحدة المفكك والمجافي للحقيقة فيما يتعلق بقضية خاشقجي! لم أره اشتغل على هذا الملف بما يليق به، بينما القنوات الأخرى اللقيطة وجدتها مادة دسمة تشعل به فضاءها الإعلامي وتحقنه بمواد إعلامية سامة مدفوعة الثمن.

السؤال المكرر: أين إعلامنا؟ ما هذا التخاذل والصمت المريع؟ لماذا نفوت الفرص من دون استثمار جيد لها؟ كم استغربت لما حدث في «قمم رمضان» الثلاث التي عقدت في مكة المكرمة، تلك التي دعي لها ما يقرب من 400 إعلامي من كل دول العالم، ومع ذلك لم تستثمر هذه الوفود الإعلامية بما يليق بهذا الحدث الاستثنائي العالمي الضخم، وقد اكتفى المنظمون باستضافتهم على مائدة إفطار في منزل السقاف التاريخي، مع بعض الرقصات والأهازيج الشعبية، أليس من الأحرى أن تنظم لهم في أوقات فراغهم الطويلة عدد من الندوات والمحاضرات تتناول الخطر الصفوي الذي يتهدد العالم العربي مثلا، وتقديم شهادات إعلامية لمراسلين إعلاميين من اليمن، والبحث في مستقبل المنطقة، وتكوين قاعدة معلوماتية تضم كل المدعوين، تمكن من التواصل معهم ويضخ لهم من خلالها كل المعلومات المهمة والرسائل الإعلامية من قلب الحدث؟ لذلك، ما أحوجنا اليوم إلى عملية إصلاحية شاملة ترمم ما لحق بإعلامنا من عطب وهذا يستوجب:

أولا: دعم المؤسسات الإعلامية ماديا.

ثانيا: تأسيس مراكز معلوماتية تقوم بالبحث والاستقصاء والتحليل تزود بها المؤسسات الإعلامية.

ثالثا: إنشاء مراكز تدريب إعلامي تصنع من داخلها إعلاميين احترافيين بكل التخصصات المهمة وبلغات متعددة.

رابعا: تأسيس قنوات بلغات أجنبية تبث عبر كل الاقمار الاصطناعية.

بهذا نستطيع تحريك المياه الاسنة، ونقدم لأنفسنا بما يليق بنا، عدا ذلك فسنظل في مرمى الإعلام المأجور وقد يتلوث الكثير بسمومه.

Almoz2012@hotmail.com

almoziani@

* كاتب وروائي سعودي.