عمار باطويل: شخصيتي الروائية تستمد مكوناتها من حضرموت وحياة إنسانها

عمار باطويل.
جدة - صادق الشعلان |

يحاول الروائي اليمني عمار باطويل الاقتراب أكثر فأكثر من ذاكرة حضرموت وواقعها، باذلاً جهداً ملحوظاً في أن يكون ذا شخصية روائية تستمد مقوماتها من هضاب وأودية ذلك الشق الجنوبي الآسر، والذي قال عنه: «من يعرف حضرموت حق معرفة من ساحل، ووادٍ، سوف يدرك أننا أمام مكان غني بالحكايات والأسرار التي لن يصل لها إلا من هو مخلص لمشروعه الروائي». فكانت تجربته منذ «سالمين» مروراً بـ«عقرون 94» وصولاً إلى «طريق مولى مطر» في نضوج تصاعدي، وهي تنهل من تلك الجغرافية وذلك التاريخ.


«الحياة» حاورته حول إصداره الجديد «طريق مولى مطر». إلى نص الحوار:

* ربما تكون «طريق مولى مطر» أنضج رواياتك، ففيها تتضح معالم خطابك الروائي، ومن ناحية الشكل والمواضيع التي تشغلك، ولئن كان الموضوع الذي خاضت فيها روايتك الجديدة غير بعيد عن بقية المواضيع التي قاربتها في رواياتك الأخرى، فإنه هنا يكتسب عمقاً وتعقيداً ملحوظاً... حدثنا عن هذه التجربة.

- رواية «طريق مولى مطر» الرواية الثالثة بعد روايتي «سالمين» و«عقرون94»، وهي تجربة جديدة، وشعرت بها عندما استحضرت أزمنة وأمكنة لم تظهر في أعمالي الأدبية السابقة، وأيضاً استحضار الوجود البريطاني وضرب بدو حضرموت في بداية ستينات القرن العشرين. حقيقة واجهت صعوبة في هذه الرواية، وشعرت بالتحدي في هذا العمل من نواحٍ عدة، وبخاصة عندما جعلت معظم شخصيات الرواية نساء وهي تجربة أول مرة أخوضها، فكان العنصر النسائي في أعمالي السابقة حضورها الهامشي. أما مكان هذه الرواية هي هضبة حضرموت، وقبل أن أخوض في كتابة هذه الرواية عدت إلى قراءة تضاريس هضبة حضرموت أو كما يطلق عليها (الجول)، وهذا المكان أول مرة أخوض فيه بشكل أوضح وأكبر من الأعمال السابقة، ويتشكل المكان في الهضبة بأسماء تلك الأمكنة، ومنها (طريق مولى مطر) في الطريق القبيلة وغيرها من الأمكنة. فمعرفة تضاريس (الجول) والتعرف على الطرق التي تؤدي إلى أودية وإلى حياة تلك البيئة القاسية لم تكن بتلك السهولة، فقد قرأت الكثير عنها وقابلت بعض من عاشوا تلك الفترة.

* تحضر المرأة بشكل ساطع، المرأة القوية الباحثة عن الخلاص بطريقتها، بحيث تدير السرد وتسهم في تقدم الأحداث، وهنا نسأل عن تقنية السرد التي اخترتها، إذ تتناوب النساء على سرد الرواية، كل من وجهة نظرها، كيف حدث أن اخترت هذه التقنية، وإلى أي حد خدمت الرواية، من ناحية الشكل؟

- لقد كان للمرأة الدور المهم في الرواية، فهي المقاتلة والمربية وأيضاً الزوجة الصابرة والمطيعة. فالمرأة في واقع الأمر لا تقل أهمية من الرجل، وبرغم هجرة الزوج والرجال، فهي تبقى في الأرض وتحافظ عليها وتقوم برعاية الأموال من أحواض النخيل وغيرها. فالنساء بشكل عام يحفظن سير الأجداد، ويلقنَّ أطفالهن تاريخ أجدادهم البطولي عبر العصور، لكي يتصدوا لكل من يطمع في أرضهم كما فعلن في الرواية في مراقبة خطوات جنود السلطان المدعوم من بريطانيا، وكان بعضهن ضحية طيران الجو البريطاني. أما تقنية السرد فتأتي في استحضار الماضي والحاضر معاً عن طريق الراوي «بركة»، وهي التي تتصدر الأحداث، ويأتي حضور الجدة سلومة في آخر النص أو وسطه، ويكون موقفها من الزمان والمكان والشخوص حكماً تتفوه بها، وأيضاً تعزز من مواقف النساء وتذكرهن بالماضي، وتعزز صمودهن في وجه من يريد النيل منهن. أما صوت النجدي فكاد أن يختفي في الرواية، بل نجد الشخصيات هي التي تستحضره، فنجد صوته على لسان فرج، وبركة، وأيضاً على لسان الولي. أما أفعاله فيقوم بها غيره مثل شخصية سالم. وبرغم مقتل الولي فمازال يستحضر من خلال الحلم، فهو قد مات على أرض الواقع ولكن لم يغادر المخيلة فهو حضور متعدد أيضاً. فقد استخدمت تقنية تعدد الأصوات وأيضاً تداخل الأزمنة والأمكنة والأحداث معاً لاستحضار الماضي ومعالجة الحاضر به.

تايخ يحضر في لحظة مفارقة

* أشجار اللبان تحضر في الرواية، هل يا ترى تعيد التذكير بقوافل البخور واللبان التي كانت تنطلق من هذا الجزء من العالم؟

- أشجار اللبان ترمز إلى تاريخ الأرض وحضارتها وارتباطها بالخارج وعلاقة الشعوب الأخرى بأرض اللبان، وبرغم هذا التاريخ الحافل بتاريخ شجرة اللبان، إلا أن هذا التاريخ يحضر في لحظة مفارقة في حياة فرج زوج بركة، الذي كان أمله أن يبيع بخور الشجرة للبدويات، فتلاشى أمله بمقتله. فبمقتل فرج بالقرب من شجرة اللبان يستحضر الظلم الذي حلّ بإنسان تلك الأرض، وهو تحول زمني من انشغال الإنسان بتجارة البخور عبر التاريخ إلى انشغاله بالصراع الداخلي. وشجرة اللبان شاهدة على هذا التحول، وهي شخصية تقوم بدور جمالي في النص عندما تبخر النساء أجسادهن وحياتهن، وأيضاً يقمن بطقوس أخرى لطرد الجن ببخور اللبان كما يعتقدن.

* تكشف الرواية عن صراع مراكز النفوذ: النجدي، الولي، السلطان والإنكليزي، كل ذلك في مقابل إنسان أعزل، إلا من أحلامه من عيش كريم، ما يجعلنا أمام رواية تضطلع بمهمة على قدر كبير من المسؤولية تجاه التعبير عن واقع متشابك، وما يدفع إلى التساؤل عن أهمية الصراع، أن يعطي العمل حيوية؟

- كل ما جلبه الاستعمار البريطاني للمنطقة هو النفوذ لأصحاب الأموال الآتية من خارج الوطن. وهناك بعض الشخصيات الحضرمية في التاريخ جمعت المال في الخارج، ولكن تحول هذا المال إلى إذكاء الصراع القبلي، إذ يقوم كل شخص بدعم قبيلته على حساب استقرار ورخاء الوطن، وقد أشارت إلى هذا الدور السلبي لهذه الشخصيات دورين إنجرامز في كتابها «أيامي في الجزيرة العربية، حضرموت وجنوب الجزيرة العربية 1934-1944م». فهذه الأموال الآتية من خارج الوطن، كما تبدو في الرواية لا تقوم بزراعة الأرض أو ببناء السدود ولا الحفاظ على كرامة الإنسان، بل يقوم أصحابها بدور الطمع لبناء مجد شخصي على حساب نضال أهل الأرض كما يظهر في «طريق مولى مطر». وتدعم هذا النفوذ الخارجي أيادٍ داخلية، مثل شخصية سالم الشخصية البدوية الذي وقف مع الغريب ضد بنت عمه بركة، أو مثل الولي الذي مال كيانه الصوفي إلى الحياة المادية، وهنا يتشكّل تحول من الزهد في الحياة إلى المادة وهو تحول زمني في تاريخ حضرموت الصوفي. وتخلى الولي عن مناصرة بركة أو السلطان الذي سمح للبريطاني أن يطير من خور مكسر من عدن إلى هضبة حضرموت وضرب البدو، وهذه الأعمال تستحضر الماضي لتعالج بها الحاضر الأكثر تعقيداً.

اللغة توضح شخصيات الرواية

* لغة الرواية كانت ذات مستويات منها، لم تخلُ من مسحة صوفية أو تأملية. في كل رواية لك تتقدم خطوة باتجاه الإمساك بلغتك الروائية، بعد هذه التجربة هل مازال في نفسك شيء من هذه اللغة؟

- كان لا بد أن تكون مسحة صوفية على هذا العمل، وبخاصة عندما استحضرت الولي القابع في المغارة بالقرب من قبة جده الصوفي الأكبر الذي يلهم الولي نفسه، وأيضاً عندما استحضرت «مولى مطر» الولي الآخر، الذي تحكى عنه الأساطير وتنحر له الإبل وتذبح الأغنام ليجود على الناس بالمطر. فلكل عمل لغته الخاصة تحاكي الزمان والمكان وأيضاً من خلال اللغة توضح شخصيات الرواية، فقد استخدمت في بعض النصوص لهجة محلية لخدمة النص. وأيضاً استخدمت لغة الأجنبي الغازي عندما استخدم الضابط الإنكليزي كلمات نابية، وهي لغة المستعمر المتعالي على أهل الأرض والذي ينظر إليهم باستحقار دوماً. فمثلاً لغة الجدة سلومة تعزز من مكانة التاريخ والأمثال الشعبية في تقزيم الآخر. كما نجد لغة النجدي لغة القوة ولغة المال، أما بركة فالتمست لغة التصوف منذ أن تعرفت واقتربت من الولي وعلاقتها به، وأيضاً قسوة الحياة من مقتل ابنها عبدالله وهجرة زوجها السابق سعد جعلتها أكثر اقتراباً من ألمها الذي قادها إلى ولي الله المتصوف وإلى لغتها الخاصة.

* أنت مخلص لمنطقتك أو لفضائك الروائي، هل لا تزال هذه المنطقة تعدك بمواضيع وحكايات وأسرار جديدة؟

- أحاول أن أبني شخصيتي الروائية التي لا تبتعد عن أودية وهضاب حضرموت وعن حياة الإنسان في تلك البقعة الجغرافية، فهي غنية بالأحداث الداخلية والتي تربطها بالخارج. فمن يعرف حضرموت حق معرفة من ساحل، ووادٍ، وصحراء سوف يدرك أننا أمام مكان غني بالحكايات والأسرار التي لن يصل لها إلا من هو مخلص لمشروعه الروائي.

* إلى أي مدى يراعي الكاتب العادات والتقاليد فيما يخص إدراج المرأة وإعطاءها مساحة واسعة في عمله الأدبي؟

- لا توجد عادات وتقاليد في العمل الأدبي، ولا ينبغي للكاتب أن يلتفت لها، بل هناك جوانب فنية يعمل عليها الكاتب كي يخدم عمله الأدبي. فتوظيف المرأة في الرواية يجب أن يكون صادقاً بعيداً عن عين الرقيب، فمثلاً عندما ظهرت شخصية (مريومة) في رواية «عقرون94» كان ظهورها صادقاً، فهي تنتمي إلى طبقة مسحوقة، فكانت تغوي الشاب إلى عشتها بمقابل حزمة قات، ولم أراعِ العادات والتقاليد. فمريومة كانت الشخصية التي تعاطفت معها أكثر، فكانت تعيش واقعاً مريراً، ولكونها أنثى ومن المهمشين لم يرحمها أحد. أما شخصية بركة أو سعيدة في رواية «طريق مولى مطر» فكان وجودهما في النص قريباً من الواقع، ويحكي عن بيئتهما البدوية وعن تلك الفترة في ستينات القرن العشرين.