"مهرجان كارلوفي فاري الـ54": جوليان مور نجمة الافتتاح... والعرب في الصفوف الأمامية

كارلوفي فاري (تشيخيا) – فـيكي حبيب |

تستقطب مدينة كارلوفي فاري التشيخية سنوياً في مثل هذه الأيام، آلاف الزوار الذين يتوافدون إليها للمشاركة في الحدث السينمائي الأبرز في أوروبا الشرقية والوسطى: "مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي"، الذي افتتح دورته الـ54 ليلة أمس بزخم واندفاع وحماسة، تشي بكثير مما سينتظر الجمهور خلال عشرة أيام سيقضونها في حب السينما... ولكن أيضاً في حب الاستكشاف والانفتاح على العالم.


نجمة حفلة الافتتاح، الممثلة الأميركية جوليان مور، تمايلت على السجادة الحمراء ووزعت ابتساماتها في أرجاء المكان قبل أن تتسلم جائرة "كريستال غلوب" لـ"مساهماتها المميزة في السينما العالمية"، فنالت تصفيقاً حاراً من الجمهور الذي اكتظت به الصالة الرئيسة في فندق "تيرمال".

ولا يحتاج متابع المهرجان كثيراً حتى يلفت نظره جمهور كارلوفي فاري، الشاب غالباً، والذي له الفضل الأكبر في تحويل المهرجان من مجرد منصة لعرض الأفلام، الى طقس سنوي لا يشبه سواه في هذه المدينة الشهيرة بمنتجعاتها الصحية وينابيعها الدافئة ومناظرها الطبيعية الساحرة وبيوتها المتراصة والمتناسقة في هندستها وألوانها...

كل شيء هنا يدعو للاسترخاء والاستجمام والابتعاد من زحمة المدن الكبيرة... لكنّ هذا كله يتبّدل بسرعة قياسية ما إن يفتتح مهرجان كارلوفي فاري عروضه وحتى يسدل ستارته الأخيرة... فلا يعود هناك مكان للاسترخاء، بل يبدأ اللهاث وراء الأفلام، وتتشكل الطوابير الطويلة أمام الصالات السينمائية... ولا غرابة أن تتعثر بشبان يفترشون الطرقات أمام مراكز بيع التذاكر في ساعات الصباح الأولى ليضمنوا ألا يفوتهم شيئاً من البرنامج الذي أعدّه كل واحد منهم، وفق اهتماماته وأولوياته... فبين حب السينما وحب الاستكشاف، يبدو لمراقب جمهور كارلوفي فاري أن القاسم المشترك بين الجميع هو توق للدخول في صلب العالم الحرّ، وكأن في الأمر ردّة فعل، وإن مبطنة، تجاه سنوات ظلامية، أيام الحقبة الستالينية، بما حملته من تراجع وتدهور وآلام لم يسلم منها شيئاً في دولة يتباهى أفرادها بأنها دولة صناعية قبل أن تعيش جمود الحقبة السوفياتية، إن لم نقل موتها...

وتساعدهم في هذا برمجة فنية مدروسة، تلامس الـمئتي فيلم، سنوياً، موزعة على أقسام عدة، تأخذ بعين الاعتبار التنوّع الجغرافي والبعد الفكري والسينما الجميلة... مع إفراد مساحة مهمة للسينما المحلية وأفلام أوروبا الشرقية التي لا يصل الى بلادنا منها شيئاً تقريباً. ومع هذا فإن بلادنا موجودة هنا... بل بات يمكن القول إن "السينما العربية وجدت أخيراً بيتًا لها في مهرجان كارلوفي فاري"، وفق المدير الفني للمهرجان كارل أوش، الذي عبّر عن فرحته بتكريم السينمائي المصري يوسف شاهين خلال هذه الدورة من خلال عرض 11 فيلماً من أفلام "هذا الفنان الاستثنائي والإنساني صاحب الرؤية السياسية الفذة"، كما يضيف أوش.

ولا يكتفي المهرجان التشيخي بهذا التكريم لسينما شاهين، بل يلتقط التطورات الإيجابية في المشهد السينمائي العربي مع دخول المملكة العربية السعودية بقوة الى هذا الميدان، فنجد في واحدة من مسابقاته الرئيسة، والتي تتوجه عادة الأنظار إليها (مسابقة "شرق الغرب")، فيلماً سعودياً للمخرج عبدالمحسن الضبعان في عرضه العالمي الأول بعنوان: "آخر زيارة". ويتنافس على جائزة المهرجان جنباً الى جنب مع 11 فيلماً ضمن هذه الفئة آتية من روسيا واليونان وتركيا ورومانيا وسلوفاكيا وصربيا وأوكرانيا وليتوانيا وكوسوفو وإستونيا وتشيخيا.

وإذا كان الفيلم السعودي الممثل الوحيد للعرب في مسابقات المهرجان، فإن السينما العربية حاضرة في أقسام أخرى لا مسابقات فيها. ففي فئة "آفاق" يطل الفيلم المغربي "آدم" للمخرجة ميريم توزاني والفيلم الجزائري "بابيتشا" للمخرجة مونيا ميدور ("نظرة ما" في كان) الى جانب أفلام أجنبية سبقها صيتها إلى أرض بوهيميا بعدما شهدت عرضها العالمي الأول في مهرجانات كبيرة مثل كان أو برلين، ومنها مثلاً فيلم جيم جارموش "الموتى لا يموتون" الذي افتتح الدورة الماضية من "مهرجان كان" أو فيلم المخرج الكوري الجنوبي بونغ جون هو "طفيلي" (parasite) الذي خطف "السعفة الذهبية" في الدورة الأخيرة للمهرجان الفرنسي العريق أو فيلم البرازيلي كريم أينوز "الحياة الخفية لأوريديش غوسماو"(the invisible life of euridice gusmao) الفائز في المهرجان الفرنسي أيضاً بالجائزة الكبرى عن فئة "نظرة ما". ومن "مهرجان برلين"، اختار المهرجان التشيخي عدداً من الأفلام ليعرضها على جمهوره مثل فيلم المخرج الكندي دنيس كوتيه "مختارات مدينة الأشباح" (ghost town anthology) الذي عرض في المسابقة وفيلم "المحطم" (system crasher) للألمانية نورا فينغشيدت التي نالت عنه "جائزة ألفرد باور" في البرلينايه هذا العام... من دون أن ننسى أفلام لسينمائيين مثل كايسي أفليك وداني بويل وأنييس فاردا وسواهم.

ولا تخلو فئة "نظرة أخرى" من السينما العربية، أيضاً، إذ يعرض فيها فيلمان من المغرب العربي. الأول بعنوان: "طلامس" للمخرج التونسي علاء الدين سليم والثاني "معجزة القديس المجهول" للمخرج المغربي علاء الدين الجم.

ولا ينحصر الحضور العربي عند هذا الحد فحسب، بل يمتد الى لجنة التحكيم، إذ تشارك السينمائية الفلسطينية آن ماري جاسر في اللجنة الدولية الى جانب الكاتب والمبرمج الفرنسي تشارلز تيسون وكاتب السيناريو التشيخي ستيفان هوليك والمخرج والمنتج الأوكراني سيرغي لوزنيتسا والممثلة اليونانية أنجيليكا بابوليا.

وإذ يبدو الحضور العربي لافتاً في تنوّعه في هذه الدورة بين تكريم وعروض أفلام ومشاركة في التحكيم، فإن في ذلك انعكاساً للحركة السينمائية العربية الجادة التي باتت تعرف كيف تشقّ طريقها بسهولة الى المهرجانات الدولية وإن ظلت أبواب الصالات العربية عصية عليها.