أين سورية؟

محمد بدر الدين زايد |

عندما يقارن المرء حجم الاهتمام الإعلامي والسياسي الحالي في الشأن السوري، مع ما كان يكتب أو حجم التغطية الإعلامية قبل عام مضى ولسنوات عدة سابقة منذ اندلعت الأزمة السورية وحتى هدنة إدلب العام الماضي، سوف يشعر بالدهشة البالغة، على رغم أن الأمر يتشابه كثيراً مع ظاهرة سبق أن أشرت إليها مرات عدة في الأعوام السابقة من أن ضجيج وحدة الأزمة السورية يطغى على الأزمات الأخرى في المنطقة، بما يرهق المراقبين وساسة دولها والعالم على حساب هذه الأزمات. واليوم، على رغم حدوث تطورات لافتة وخطيرة على صعيد الملف السوري، انتقل هذا الملف بشكل أو آخر إلى مكانة ثانوية، خاصة مع تصاعد ضجيج الملف الإيراني في الأسابيع الأخيرة.


هذا الإشكال في ما يتعلق بتراجع الاهتمام النسبي ببؤر التوتر الإقليمية كلها، ليس أمراً بلا عواقب سلبية، فكل هذه الملفات بسبب تعددها وكثرة لاعبيها، أصابت العالم ودول المنطقة بالإرهاق وضعف التركيز، الذي يعتبر دوماً أخطر أبعاد إدارة الأزمة، فما بالنا بتعدد هذه الأزمات وتشعبها؟

ربما من المفيد أن نشير أيضاً إلى أن الضجيج حول إيران، يأتي في ظل ملفات مفتوحة راهنة بعضها تأجج فيها الصراع كما في ليبيا واليمن، حيث لا تبدو شواهد الحسم العسكري قريبة، مع الأخذ في الاعتبار أن الحال في ليبيا يظل مختلفاً عما هو عليه في اليمن، فضلاً عن ضجيج غامض حول التحرك الأميركي تجاه القضية الفلسطينية، وتطورات داخلية لافتة في تركيا، وربما أدى كل هذا إلى عدم لفت الأنظار بالشكل الكافي إلى التطورات الخطيرة في الشأن السوري.

بدأت هذه التطورات مع بدء التحرك السوري - الروسي للتعامل مع جيب إدلب، إذ إن تركيا، وبدعم ومباركة أميركية – غربية، ادعت الحرص على أرواح المدنيين في إدلب، بينما الحقيقة أن هذه الأطراف ترى أن التسوية غير جاهزة بعد، أو أنه لم تتم مراعاة مصالحها بشكل كافٍ في المساومات الجارية. كما أن هناك اهتماماً إضافياً لتركيا، له طبيعة استراتيجية بإيجاد حلول وتوظيف للعناصر المتشددة الإرهابية التي لعبت دوراً رئيساً في تدريبها وتسليحها، وتريد مواصلة تخزينها إلى حين الحاجة إليها، وهو ما حدث بالفعل في الملف الليبي، إذ قامت تركيا بنقل بعض هذه العناصر إلى الجبهة الليبية، التي تعد الأخيرة في محاولات إنقاذ مشروع الإسلام السني، الذي تعتبر أنقرة الراعي الرئيس له حالياً في المنطقة والعالم. وبناء على ذلك تم عقد اتفاق في شأن إدلب، كان يفترض بمقتضاه أن تعمل تركيا على تسليم الأسلحة الثقيلة لدى هذه الميليشيات، وكذلك فرز المعارضة المسلحة المعتدلة عن تلك المتشددة. وقطعاً لم تفعل تركيا أكثر من إعادة نشر هذه الفصائل، ونقل بعض العناصر كما سبق، ولا يُستبعد نقل بعضها الآخر الخاضع لها تماماً إلى الداخل التركي أو إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها شمال شرقي سورية. وفي النهاية، بعد أن عبّرت روسيا مراراً عن استيائها من المماطلة التركية، بدأت والجيش السوري أكبر المعارك المتبقية حول إدلب والمناطق المحيطة بها.

أما الأمر الجلل، الذي مرّ ما يشبه مرور الكرام وسط هذا الضجيج المتنوع، فهو استضافة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو اجتماعاً (برئاسته) مع مستشار الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف ونظيره الأميركي جون بولتون لمناقشة التسوية السورية، وبشكل خاص مسألة الوجود الإيراني. وحرص نتانياهو على إبراز حقيقة أن الاجتماع المذكور «تاريخي هدفه منع وجود القوات الإيرانية على حدود الدولة العبرية». وهو بالفعل اجتماع تاريخي غير مسبوق، وليس له نظير في الاجتماعات الأميركية – الروسية المشابهة، بمعنى أن يعقد بمشاركة دولة ثالثة ورعايتها، علماً أنه كان يجب أن يكون محور كل الاهتمام العربي والدولي، ذلك أن مصير سورية العربية التي كان يؤلمنا أنه يناقش في محفل روسي – تركي - إيراني، يخرج فيما يبدو من هذا المحفل، إلى أفق ومسار آخر، لتتعمق الآلام العربية، فيما تقفز إسرائيل لتخطف نصراً استراتيجياً لا يُقدر بثمن، ولتؤكد أن لا بد لها أن توافق على أي تسويات نهائية لهذه الأزمة، وهو ما تؤكده واشنطن أيضاً، والتي أدركت أن عليها تضييق سقف طلباتها في سورية لصالح مطالب إسرائيل، وأن البعد الإيراني في هذه الأزمة ربما يكون أحد أبعاد تسويات الملف الإيراني ذاته، أياً كانت التنازلات المطلوبة، ولتؤكد روسيا أنها اللاعب الأساسي في المباراة السورية.

المؤتمر الصحافي الذي أعقب الاجتماع المذكور كان لافتاً، إذ تركز، كما كان متوقعاً في الأساس حول إيران، أما الشأن السوري فيه، فكان نتاج التفاهمات التي لم تتم أو بالأدق لم تنضج بعد. ذلك أن باتروشيف، وعلى رغم تأكيده اهتمام بلاده بأمن إسرائيل، حرص على نفي وجهة النظر القائلة بأن إيران تشكّل التهديد الرئيس في المنطقة، كما أكد أن طهران تبقى شريكاً وحليفاً لبلاده. ومن ناحية أخرى أشار بولتون إلى أن بلاده لا تريد تغيير النظام في إيران، وأن هذه كانت وجهة نظره قبل أن يتولى مسؤوليات في بلاده، فيما ركزت التقديرات الإعلامية الإسرائيلية أو على الأقل بعضها على استمرار الخلاف بين الأطراف في شأن إيران، وحرصت على تسجيل ما ذكره بولتون لما يراه تراجعاً روسياً عن إخراجها من سورية.

في هذا المشهد المثير للتساؤل، تكون المسألة السورية تبلورت أكثر في اتجاه أن تكون إحدى مكونات إدارة الأزمة مع إيران وتسوياتها. علماً أن الجانبين الروسي والسوري يدركان أكثر أن تسوية ملف إدلب لن تكون آخر المطاف في هذا الصدد، بصرف النظر عن تكاليفه المادية والزمنية، وأن فصلاً لا يقل خطورة سيبدأ بعد ذلك، هو ذلك المتعلق بالمناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري وحلفائه في شمال شرقي سورية، حيث الخريطة المعقدة في ظل الوجود العسكري التركي والأميركي والغربي الرمزي، فضلاً عن قوات معارضة، أهمها فصائل كردية. هنا، سيكون على موسكو إيجاد حلول مركبة ومبتكرة لمعالجة ترتيبات إنهاء هذا الملف، أو استمراره لبعض الوقت حتى يكتمل استنزاف كل الأطراف. ويدرك اللاعب الروسي بوضوح أن عناصر تسوية ترضي جميع الأطراف أمر بالغ الصعوبة، وأنه يحتاج إلى إيران في مواجهة تركيا، وإلى إسرائيل في مواجهة إيران، وهو لا يريد خسارة إيران ولكنه بالقطع سيسعد بخروجها من سورية لإرضاء غالبية العالم العربي وكذلك الغرب. في حقل الألغام هذا، يطل السؤال مرة أخرى: أين سورية وأي تسوية يمكن إنتاجها ولو على مراحل زمنية متعددة؟

* كاتب وديبلوماسي مصري سابق