ليلةٌ نجلاء

رائد العسكر * |

يقول الشاعر:

أتت نجلاء تغازل الشمس بضياء طرفها * تداعب النسيم بخصلات تزيدها دلال

سمراء فاتنة يرتعد البحر من قربها * بضيائها أضحى القمر بدرا في اكتمال

لعل قارئ عنوان المقالة يخطئ الظن ويصيب ويبعد كثيرا في الفكر والتفكير، فـ «نجلاء» الاسم العربي الجميل والذي يحوي كثيرا من معاني العذوبة والترف لا ينطبق وصفها الجميل على ما ذهبت به من بحث وتمحيص في «ليلة نجلاء» (طويلة) كنت أتوق شوقا لنتائجها.


في يوم الخميس الموافق 20-6-2018 أسقطت إيران طائرة من دون طيار أميركية في مياه الخليج العربي، وتعددت الروايات وانقسمت بين مطالب بالرد ومن هو مطالب بالتروي أكثر حتى ظهور نتائج التحقيق، إذ ذكرت بعض التحقيقات أن الطائرة كانت تحلّق فوق المياه الدولية وليست كما يدّعي الجانب الإيراني من أنها حلّقت فوق المياه الإقليمية لإيران، ومع ذلك كله ولو اختلفت نتائج التحقيقات فالنتيجة واحدة والطائرة أسقطها الحرس الثوري واستطاع أن يحقق نصرا معنويا على الأقل أكثر من ما هو نصر عسكر أو عملياتي.

وبالحديث عن الصراع الإيراني - الغربي لا بد لنا من النظر بصورة أشمل وأكبر مما هي عليه الحال، فالعلاقات الأميركية - الإيرانية منذ قيام ثورة الخميني مرّت بالكثير من المنعطفات والتوترات في المنطقة، أدت إلى تشتت واختلاف كثير من المحللين في العالم أو المنطقة، فهناك من يراهن على أن إيران والغرب وأميركا تحديدا على أعلى درجة من التنسيق وترتيب الأولويات ومحاولة استنزاف مقدرات وخيرات المنطقة عبر إحداث سيناريوات تكون أهم نتائجها قيام حرب على مستوى إقليمي، وهناك من ينكر لغة «المؤامرة» تلك ولا يعير لها بال، ويجزم أن إيران هي عدو للغرب وللمنطقة وأن مشروعها التوسعي وطموحها النووي هو الذي أدى إلى تلك المشاكل التي وقعت فيها.

وبالنظر إلى الفلسفة الأميركية في التعاطي مع أزمات المنطقة نستنتج أحد أهم عواملها، وهي المصالح الأميركية في المنطقة والتنافس العالمي على قدرات المنطقة الاقتصادية، فالولايات المتحدة قد لا تكون متحمسة للذهاب بعيدا في حرب مع إيران بقدر ما هي تعمل على حماية مصالحها الاقتصادية وتحقيق بعض سياساتها الاستراتيجية في فرض السلام بالقوة، فلا استدامة للاقتصاد من دون سلام، كذلك ومن أهم ما تذهب إليه أميركا في المنطقة هو تأمين دولة إسرائيل من أن تكون تحت الخطر الإيراني أو الخطر العربي، ولكن هل فعلا إسرائيل في خطر من إيران أو من العرب؟ هناك من العرب من يدّعي أن سبب الازمة الإيرانية هو تشتيت العرب عن قضيتهم المركزية وهي قضية فلسطين، وأن تدويل القضية بهذا الشكل يجعل العرب وإسرائيل في مكان واحد لمواجهة الخطر الإيراني إن صح التعبير، ويحمّلون دول الخليج وكالعادة السعودية بكل مشاكل المنطقة، إذا لم تكن هي أيضا سبب مشاكل العالم بحسب ادّعائهم وحسدهم.

دعونا نسترجع التاريخ قليلا، وتحديدا عقد الثمانينات من القرن العشرين «الحرب العراقية – الإيرانية»، إذ نالت هذه الحرب من مكانة القضية الفلسطينية كقضية مركزية وانتهت أوضاع القضية الفلسطينية أشد سوءا من قبل، واتضح المجهود العسكري العربي الضائع في دعم العراق آنذاك والذي كان المفترض أن يتوجه إلى إسرائيل، بل أصبح واضحا انشغال الجامعة العربية في تلك الحقبة بالأزمة الإيرانية - العراقية من خلال القمة العربية في عمّان عام 1987، وأعطت أولوية واضحة للصراع الإيراني - العراقي على حساب الصراع العربي - الإسرائيلي، لقد استغلت إسرائيل الاختلاف في موازيين القوى العسكرية وشنّت أكثر اعتداءاتها العسكرية على الدول العربية وطالت كل من العراق وضرب مفاعل أوزيراك عام 1981، ولبنان عام 1982، وتونس 1985، وأحدثت شرخا كبيرا بين بعث العراق وبعث سورية على إثر وقوف الأخيرة مع النظام الإيراني. لعل المتمعن في تلك الأحداث وما أنتجته الآن يستنتج أن الأدوات قد تكون واحده ولكن طريقة التنفيذ تتغير، فالمستفيد إلى الآن من كل ما يحدث هي دولة إسرائيل، والأداة في كل ما حدث هم العرب، والند في كل مرة هي إيران، والمشرف العام والتنفيذي أحيانا هي أميركا، والخاسر بين تلك المجموعات هي الدول العربية بقصد أو من دون قصد، ودول الخليج والسعودية تحديدا هي من تقف صادقة من دون أجندة سياسية أو مذهبية مع العرب والمسلمين، وهي التي يوجّه حساد العرب عليها التهم وكأنها المسؤولة عن سياساتهم الحمقاء، ومنذ ذاك اللحين ومرورا بغزو الكويت وسقوط صدام وتفتت الدول العربية واحدة تلو الأخرى نجد أن إيران وإسرائيل ما زالتا إلى حد بعيد بعيدتان عن خطر الزوال والسقوط كدول وليس كأنظمة.

وبعد تلك الليلة «النجلاء» والتي كنت أطرب فيها شوقا وأهيم لها ضحكا وأنا انتظر لحظة رد الولايات المتحدة على إسقاط إيران الطائرة من دون طيار خاب أملي وتوقعي إلى الآن، ولربما يتغير ذلك الحال إلى غير حال، وأصبحت أستحضر الكثير من المبررات والتبريرات وأربط أن الولايات المتحدة قد تكون مشغولة بالانتخابات وبتقاطع المصالح والاقتصادات وتأثير ذلك على العالم في عرض المحيطات، وقد يضع أميركا التي أعرف أنها بلد مؤسسات تعمل لتحقيق استراتيجيتها المعلنة والتي وضعت إيران ضمن الدول الراعية للإرهاب في موضع الدفاع خلاف ما تبنته في صون السلام بالقوة، ويترسخ لدي أكثر أن المعطيات الاستراتيجية دائما يلفها الكثير من الغموض والشك وعدم اليقين، ولكن كل ما استحضرت الماضي ورأيت الواقع أترقب المستقبل بـ «أمل حذر» فأنا أعلم مثل غيري دهاء السياسية السعودية وتحركاتها النشطة، وتعلّمت من أزمات المنطقة أن كل من يكيل لهذا البلد وهذه القيادة العداء سيقع في شر أعماله، فلنا مواعيد كثيرة مع التطور والسمو على الصعيد السياسي والاقتصادي.

يقول ابن أبي عيينة:

فانظر وفكِّر فيما تمرُّ به * إن الأريب المفكر الفَطِن

* مختص بالدراسات الاستراتيجية.

الأكثر قراءة في الرأي