بين نسبية المنطق وكثافة المُطلق

رهام مدخلي |

تربكني لحظة الوعي عندما تأتي حاسمة تزحزح ما قبل وما بعد تمنطق الآن تستخلص منه تساؤلاتها المطلقة؛ تثقلني تجلياتها ما لم أتشارك معها نسبية الأجوبة لتعود إلى الآن حيث ولادتها وأعود للحظة حيث سكوني.


بين حالة السكون والسريان الطبيعي للوجود تنبثق الأسئلة، تلك التي تقدح شرارتها خارج حدود الزمان والمكان، بينما نحن نمثل انغماسنا في إطار اللحظة بالمعايير النسبية تفرض سيطرتها علينا بتساؤلاتها المطلقة يتجلى السؤال تلو الآخر.

هل نحن في حالة من الإدراك اللحظي قبلها؟!

هل نسبية الأجوبة تعيد فلسفتها إلى الوجود حيث بدأت؟!

وهل الأسئلة في الأصل ليست إلا تعبيرا عن رغبة الإنسان في الخلود على رغم حقيقة الفناء؟!

إن لحظة الوعي بمثل هذه التداعيات تأتي حاسمة، ولكنها تنحاز للمنطق ما لم تتسع، ربما قد تحتاج إلى إعادة هيكلة للأسئلة حتى تستحضر مستوى عميق من الانتباه يتعدى حدود الآن ويكسر قوالب التنميط والتسطيح التي تطفو على الفكر كنتيجة لمدخلات معينة، حيث اللحظة والآن «بُعدين» مهمين من أبعاد الوعي بالوجود الإنساني والتفاعل معه.

وعلى رغم أن الوعي مفردة واسعة جدا ولا نهائية من الاحتمالات المختلفة

كذلك تكون كثافة الوجود؛ ما بين أن أتواجد في خلد اللحظة أو تتواجد اللحظة في خلدي، هنالك فوارق ينظر إليها كل فرد بتصوراته الفردية بحسب هويته الذاتية أو المجتمعية إن كان ينتمي للعقل الجمعي.

إلا أن الوعي يستمد نموه التراكمي ويتشكل من تدفق هذه التصورات، وهذا ما يؤدي إلى قراءة الأنساق والتيارات والأنماط الفكرية قبل الولوج إليها أو الانعتاق منها عبر ديناميكية التفكير ما بين الاستقبال والإرسال.

إحدى جماليات الوعي الذاتي عندما ينبثق في اللحظات غير الطبيعية هي إمكان الاتصال بالعقل «اللاواعي» ومنها إلى حيثيات الصمت التأملي، وكأننا نشكل لوحة ذهنية وشعورية نحن من نحدد عناصرها حيث (الإيمان، الفكرة، الشعور) لتنسجم مع مسار الآن مسافرة عبر الزمن؛ إن ارتدت إلينا انعكاساتها فهي حقيقة، وإن لم تعد فهي دون ذلك.

في مراحل متقدمة من الوعي تنبجس فكرة اللاوعي كوسيلة معرفية لسبر أغوار المعنى بعد تأملات عدة، منها إنقاذ الذات من الإسهاب في المنطق؛ المنطق كمأزق بكل تعقيداته ونظرياته ورموزه أحياناً لا تتسع له مفردة الواقع بحد ذاتها، إذ إن الواقع ليس إلا جزءا من حقيقة كُبرى تسمى «الكون»، ومهما بلغ العقل البشري من قدرات وإمكانات لن يكون قادرا على الإلمام بما فيه من معاني وتجليات.

الأكثر قراءة في الرأي