رحل في باريس منهياً غربة 40 عاماً

جورج رجي... الشاعر والصحافي في الزمن اللبناني الجميل

جورج رجي في استوديو إذاعة مونتي كارلو في باريس العام 2017 (موقع مونتي كارلو الدولية)
دبي - مروان حمام |

فقد لبنان قبل أيام، الشاعر والأديب والصحافي المخضرم جورج رجي (87 عاماً - مواليد كفرشيما 1932) الذي غيبه الموت في العاصمة الفرنسية باريس التي أمضى فيها قرابة 40 عاماً، لم يغادر لبنان وجدانه خلالها لحظة واحدة، إذ بقي طيلة حياته مسكوناً بهمومه التي اختلطت بأحلامه الإنسانية وأفكاره العابرة للطوائف والمذاهب والحدود.


كان الراحل وقوراً، رصيناً، مقلاً في كلامه، مؤمناً بالإنسان، عمل في بداياته في جريدة «الجريدة» التي كان رشدي المعلوف مديرها المسؤول، وفي «وكالة الصحافة الفرنسية» التي زادته خبرة مهنية. ثم أسس جريدة «الراصد» في عام 1958 وأصدرها بالعربية والفرنسية والانكليزية، وشغل منصب رئيس تحريرها لسنوات، قبل أن تساهم الحرب الأهلية اللبنانية في احتجابها، ليهاجر بعدها ويتخذ من باريس مقراً لإقامته. وعند إصداره «الراصد»، كتبَ عَنْه مشجعاً الأديب الراحل مارون عبود، كما كان الشاعر الراحل سعيد عقل شريكاً له فيها.

نشر رجي أولى قصائده الغزلية في مجلة «الحكمة»، وكان أول مقالاته النقدية عن الشاعر يوسف غصوب، نشره في جريدة «التلغراف» اللبنانية عام 1950. وأصدر ديوانه الأول «غيوب» عام 1957، فيما كان كتابه السياسي الأول بعنوان: «أهداف وعبر». وللراحل دواوين عدة منها: «مشتاق»، «مبهمات»، «حالم»، «كلّهن»، «وعود»، «ثائر»، «الهلال»، «غيوب»، «أنت أنا»، «مقدّسات». وفي النثر: «قضايا الصحافة»، «مركز الحضارة»، «الشعر والصحافة». ورحل وفي جعبته أكثر من خمسة آلاف مقال سياسي. علماً أنه نشر مقالات سياسية وأدبية في جريدة «الحياة» أرسلها من باريس، حاملة اهتماماته وانحيازه إلى الإنسان العربي.

إضافة إلى ما تقدم، لحّن وديع الصافي وغنى قصائد عدة للراحل منها: «أمّنا يا مريم»، «مجّد الرحمن»، «رمضان»، «قرطاج»، «الله قادر»، «البصرة» وغيرها.

النظرة إلى الذات والآخر

في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1998، كتب رجي مقالاً في جريدة «الحياة» أشبه بوداع مبكر، بعنوان: «فتى في الثامنة عشرة اسمه جورج رجي: لا أنا ... بل هو كان أنا»، تحدث فيه للمرة الأولى عن ذاته وبداياته ودراسته ونظرته إلى الحياة والعالم والقضايا الوطنية والقومية والدولية وعلاقته بالآداب والفنون، واستعرض مفاهيمه ونزعاته وأحاسيسه، واصفاً نفسه بـ«الحييّ العنيد، الطموح، الذي استطاع بتصميمه القوي ان يجسّد صيغة لشاب عربي من لبنان ينطلق بحرية ايجابية خلاقة حول الابداع، متعالياً فوق الرواسب الطائفية والمذهبية التي زعزعته بين الأعوام 1957 و1958، ثم ضربته بزلزالها في عام 1975».

وزاد: «لقد وعى منذ تربيته الاولى في بيت والديه، واسرته وبلدته، ان لبنان فكرة عريقة، وتراث مستقبلي غني بتاريخه وعروبته وإنسانيته، على الرغم من انه كان يشعر على الدوام بأنه - في منظور الدولة القائمة والمجتمع الخاضع لها - غريب عما في وطنه، وان الوطن الذي يحمله في وجدانه وضميره ليس هو الذي يتصرف السياسيون المشبوهون بأقداره»... كما تحدث عن الصحافة التي اختارها مهنة وخصص لها ما ينبغي من وقته واهتمامه، وعن قناعته بأنه سينجح فيها . كما عرض لتجربته في «الراصد» التي أصدرها لمدة 16 عاماً، ضمن الامكانات التي كانت محرّمة عليه «بسبب الخط الوطني والعربي الذي لم يحد عنه» كما يقول، لافتاً إلى أنه «لم يتزلّم فيه لشخص او حزب او طائفة، وهذا نادر في لبنان».

ويكشف الراحل في المقال أنه حظي رجي بمحبة الرئيس الإصلاحي اللبناني الراحل اللواء فؤاد شهاب وثقته، منذ طلبه الوزير الراحل شارل حلو، في ذكرى استقلال لبنان العام 1958، لمرافقته من اجل مقابلة الرئيس الجديد والاشراف على تسجيل خطابه للإذاعة اللبنانية، أصبح على صلة بالرئيس وصار يطلب المواعيد، الواحد تلو الآخر، لمقابلته في القصر الجمهوري للحديث عن شؤون البلاد المختلفة، مما جعل فؤاد شهاب يقول له ذات مرة، في عام 1960: «يا ابني... انت آدمي مثلي... وليس لك لقمة في هذا البلد». وأشار إلى أنه كان يعمل باستمرار على التوفيق بين افكاره وأعماله والخوف من احتمال عدم الانسجام في ما يغنّيه بشعره ويتحدث عنه في نثره.

وتابع مخاطباً ذاته بسيل من التمنيات: «ما اتمناه له هو ان يبقى على سلامة اهدافه المرسومة في الثامنة عشرة، وان يظل مستنداً الى المقومات التي تبتكر الشعر الاجمل والاحدث وألا يضيع بين مقالات النقاد الذين يتحدثون عن الشعر، وهم ناسون، في أغلبيتهم، ماهيّة الشعر... اتمنى له ان يدرك بقناعة وصلابة ان الشعر هو الاساس... هو الينبوع الابداعي الاول... هو الذي يقدر على ولادة الفلسفة، وعلى بلورة نظرياتها... وان الفلسفة لا تلد شعراً مهما تحايلت على فهمه وتحديده... واتمنى له، اخيراً لا آخراً، ان يظل أنا... وأن يكون لي... حتى ولو لم اكن أنا هو إياه... في ما لم يحققه بعد». وأضاف: «قول له هذا وأذكّره بالآفاق العربية والانسانية التي وعاها والتزمها وعاشها بين أصدقاء وزملاء... غلب الود على ما بينه وبينهم باستمرار أياً تكن خلافات الرأي». وختم رجي مقاله الذي كان أشبه باستعادة لمحطات حياته ووقفة للحكم على ماضيه ومستقبله: «تلك الثامنة عشرة من عمره، تكررت مع كل سنة جديدة، فكان الزمن نفسه طويلاً بمقدار ما بقي قصيراً... يريد منه اختصار العمر بأجمل المثاليات القابلة للتحقيق وان عزّ بها ذلك... فمال فؤاده وقلبه الى المزيد... ولا يزالان...».

آفاق الغربة والحنين والوعي

وفي لقاء مع الإعلامية اللبنانية غابي لطيف عبر إذاعة «مونتي كارلو الدولية» قبل سنتين، تحدث رجي عن إقامته في فرنسا، قائلا: «هذه السنوات عشتها كما لو كانت أربعين يوما، فأنا على اتصال يومي بلبنان، لم أطلب الجنسية لأني كنت أعتقد أنني سأعود سريعا الى لبنان، الغربة شيء مربك لكنه أمر واقع». وعبّر عن حنينه الدائم إلى بلدته كفرشيما، لافتاً إلى أنها «كانت دائماً حاضرة بكاملها معي، وهي التي أنجبت عباقرة النهضة العربية بعد 450 سنة من الاحتلال العثماني والتدهور الفكري والأدبي العربي». كما تحدث عن الشعر والصحافة في حياته: «شعرت أني شاعر عندما كنت على مقاعد الدراسة ووجدت الصحافة منبراً حراً واسعا فاخترتها مهنتي.» اعتبر رجّي أن للشعر آفاقاً تختلف عن الصحافة التي لها أبوابها ومجالاتها، ورأى أن «هناك شعراء مارسوا الصحافة وفقدوا الشعر أو تخلوا عنه. وقليلون هم الشعراء الذي مارسوا الصحافة وبقي الشعر ظاهرا قويا لديهم مثل الأخطل الصغير». وتحدث عن كتابه «أهداف وعبر» (1958)، الذي وصفه بأنه «مجموعة آراء سياسية عندما أقرأها اليوم أجد أن أفكاري لا زالت متطابقة لما كتبته في ذلك الوقت، إذ كتبت عن الوحدة الوطنية والانفتاح العربي السليم وعن العلاقات الدولية والإنسانية والثقافة». وعن نظرته إلى العالم ولبنان قال: «يمكن القول إن لبنان يبحث عن نفسه كما يمكن القول إن لبنان تأخر عن نفسه. لبنان في عهد الاستقلال كان أفضل بكثير من العهود التي جاءت بعده. كانت الوحدة الوطنية شيئاً حقيقياً بحيث لم يكن يشعر المواطن أنه على خلاف مع مواطن آخر بسبب طائفته أو مذهبه أو دينه».

كفرشيما: بلدة المبدعين

ارتبط اسم بلدة كفرشيما (مسقط رأس جورج رجي) بأسماء نخبة من أبنائها الذين أثرَوا الحركة الأدبية والصحافية والفنية في لبنان والعالم العربي منهم: الملحن فيلمون وهبه، الملحن حليم الرومي، المغني عصام رجّي، الملحن والمغني ملحم بركات. كما عرفت بأسماء أعلام في الحركة الأدبية والصحافية منهم: الشاعر واللغوي ناصيف اليازجي (1800- 1871) وابنه ابراهيم اليازجي الذي عاش فترة في مصر، الشقيقان سليم وبشاره تقلا (أسّسا في عام 1875 جريدة «الأهرام» في مصر). ومن عائلاتها الشهيرة عائلة الشميل التي لمع من أبنائها ستة أبناء، وفي طليعتهم الدكتور شبلي الشميل (1850- 1917)، وهو طبيب ومفكّر جدلي وخطيب وشاعر، من آثاره: «فلسفة النشوء والارتقاء»، «مباحث علمية واجتماعية»، «حوادث وخواطر»، و«كتابات سياسية وإصلاحية».