جلال أمين والعلمانية على الطريقة التقليدية

جلال أمين
محمد شعبان |

فشلًا باءت كل محاولاتي لإصلاح الكاسيت الذى سجلت به الحوار المطول في صيف عام 2011 بمنزله في حي المعادي القاهري .أخبرني فني الصيانة أن سيلان حامض بطاريات الشحن أذاب لوحة الجهاز ولا أمل في استعادة المواد المسجلة.


مصادفة وجدت الأسبوع الماضي- وسط زحام كتبي- مجموعة أوراق "دشت"، التي كنت أسجل عليها بعض فقرات من حواري مع المفكر والاقتصادي المصري الراحل د. جلال أمين، الذي وافته المنية في أيلول (سبتمبر) العام الماضي. طبعًا لم تكن هذه الفقرات نقلاً كاملاً لكل ما قاله في الحوار، بل كانت وفق تقليد أتبعه في المقابلات الصحافية نصوصاً أدونها لحظة سماعها لأهميتها، دون الاعتماد على الكاسيت. ولعل اتباعي لهذا التقليد كان له ميزة في حوار هام كهذا.

ماذا وجدت في "دشت" هذا الحوار؟ أول فقرة مكتوبة كانت إجابة للراحل الكبير حول موقفه من العلمانية، وفيها يقول: "العلمانية أنا معها بتعريف معين ومحدد وهو: لا تسمح للنصوص الدينية أن تفرض عليك آراء لا يوافق عليها العقل المجرد... وهذا موجود، فلدينا أناس ينادون بالالتزام بنصوص دينية والأخذ بالمعنى الظاهر والحرفي، دون أن يتجشموا عناء التفكير فيما إذا كان هذا مقبول عقلاً أم غير مقبول، مفيد للمجتمع أم غير مفيد. والمثال الصارخ لهذا، من يدعون للنقاب فهم يختارون بعض النصوص التي تؤيد هذا الموقف. ولو حاولت انتقاد لبس المرأة للنقاب لأسباب اجتماعية وثقافية وسياسية وحضارية وعقلية تجدهم يشهرون في وجهك النصوص. هذه الرؤية أرفضها لأنها تغلّب النص على العقل. ناقشني الحجة بالحجة.. هذا هو الموقف العلماني الذي أؤيده".. هكذا أجاب الرجل.

العلمانية بهذا التعريف لا يمكن اعتبارها نقيضاً للدين، بل ولا تتعارض مع الأفق الديني لمدرسة أهل السنّة والجماعة- مثلاً- وعلى وجه الخصوص المذهب الأشعري وسنسوق الملاحظات التالية للبرهنة على هذا الزعم:

أولاً: في كتابه "الإسلام والنصرانية في مواجهة العلم والمدنية" ، قال الأستاذ الإمام محمد عبده-رحمه الله-: اتفق أهل الملة الإسلامية- إلا قليلاً ممن لا ينظر إليه- على أنه إذا تعارض العقل والنقل أُخذ بما دلّ عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه. والطريق الثانية: تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل... وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنّة وعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مهدت بين يدي العقل كل سبيل"... وواضح أنه لا فارق بين كلام محمد عبده وجلال أمين.

ثانياً: ما قاله جلال أمين وقبله محمد عبده- المجدد الأشعري- تجده في نصوص كبار أئمة المذهب الأشعري أمثال إمام الحرمين وأبو حامد الغزالي والفخر الرازي وغيرهم. فمثلاً عندما تحدث حجة الإسلام "الغزالي" عن علاقة المنقول بالمعقول قال: "أما ما قضى العقل باستحالته، فيجب تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول"

ثالثاً: تواتر مقالات علماء الأشاعرة على وجوب تقديم العقل على النقل-عند تعارضهما- يجعلنا نتجاسر ونقطع بوجود نزعة علمانية "جنينية" في النهج الأشعري، ولذا فما قاله المفكر المصري الراحل هو "علمانية على طريقة الاشاعرة"!

موقف جلال أمين الرافض لتدريس مادة الأخلاق كبديل عن تدريس الدين يكشف بصورة أعمق عن تصوّره للعلاقة بين "العقل" و"النقل"، ويمكننا اعتباره "معكوس" الحالة السابقة، فإذا كان الرجل يرفض استخدام "النص الديني" استخدامًا يتعارض مع "العقل المجرد" فهو هنا يرفض أن يحل "العقل المجرد" محل "الدين" كلية.

نشرت مجلة الهلال القاهرية عام 2004 مقالاً لـ "أمين" بعنوان: "الاخلاق بين الدين والعلم أو بين الماوردي وستيوارت ميل". في مقدمته يقول الكاتب: عندما بدأت الأخبار تتواتر بأن جهوداً تُبذل من أجل تغيير مناهج الدين في المدارس المصرية على نحو يسمح بإحلال مقرر في "الأخلاق" محل مقرر في "الدين" ويسمح أيضاً بأن يشترك الطلبة المسلمون والأقباط في حضور نفس الدروس وقراءة نفس الكتب وأداء نفس الامتحانات لا أخفي على القارئ أنني توجست شراً". ثم شرع في سرد أسباب توجسه شراً.

في البداية برهن "أمين" على ارتباط الحس الأخلاقي بالشعور بالولاء قائلاً: الذي أقصده بالولاء مزيج من الشعور بالانتماء لمجموعة من البشر، أسرة، أو قبيلة أو طائفة أو حزب أو أمة.. الخ، والشعور بالمسؤولية عن مصير هذه المجموعة من البشر أو رفاهيتها. إذا اجتمع هذان الشعوران: الانتماء والمسؤولية ، جاز القول بوجود شعور بالولاء ومتى وجد هذا الشعور بالولاء لجماعة ما وجد ما يمكن أن نسميه بالحس الأخلاقي الذي يتمثل في الشعور بالالتزام بالقيام بأعمال معينة والامتناع عن أعمال أخرى. لا خوفاً من قانون ولا طمعاً في مكافأة بل كمجرد استجابة لشعور "الواجب". ثم يمضي: بهذا نستطيع أن نفهم فيما أظن لماذا عبّر بعض المفكرين عن شكوك قوية في صدق بعض من يقول إنهم يشعرون بالمسؤولية الأخلاقية ليس نحو أسرتهم الصغيرة ولا نحو أمتهم أو دين بعينه بل نحو الإنسانية بصفة عامة. بل لقد قرأت لبعض المفكرين أن مثل هذا الزعم لا ينم إلا عن نوع من النصب والاحتيال. ويقصدون بهذا أن من النادر جداً أن يشعر شخص ما شعوراً قوياً بالولاء أو الانتساب أو المسؤولية نحو مجموعة غير محددة من الناس".

وفي نهاية المقال وصل للخلاصة التالية: أما الظن بأن "تحرير" الأخلاق من الولاء لدين معين أو ثقافة بعينها ينطوي على خطوة "أرقى" أو أكثر سمواً فأعتقد أنه يتضمن خطأً كبيراً . فإذا صح ما قلته في بداية هذا المقال من ارتباط الأخلاق بالولاء والشعور بالانتساب فإن الأرجح في نظري أن تحرير الأخلاق من الولاء والانتساب لدين بعينه أو ثقافة بعينها أن يضعف الحس الأخلاقي بدلاً من أن يقويه".

ما الذي يمكن أن نستنبطه من هذين الموقفين؟ في واقع الأمر نحن أمام تصوّر للعلمانية يؤاخي بين "العقل" و"النص" فيدع ما للعقل للعقل وما للنص للنص.