سوابقُ التقنينِ المعاصر للشريعة الإسلامية

(الحياة)
إبراهيم البيومي غانم |

تعددت محاولات التقنين وتجاربه على مدى القرنين الأخيرين؛ الثالث عشر والرابع عشر الهجريين( 19، و20 الميلاديين)، وتباينت تلك المحاولات والتجارب من حيث درجة النضج، واختلفت من حالة لأخرى على امتداد بلدان العالم الإسلامي.


كانت البدايات الأولى للتقنين في مجال المعاملات المدنية؛ إذ كانت هي الأيسر مقارنة بمجال الأحوال الشخصية التي تشتمل على أحكام الأسرة، وهي أحكام عصية على أن تستلبها الأنظمة القانونية التي وفدت في ركاب حركة المد الاستعماري.

لقد بات واضحاً منذ أوائل القرن الثالث عشر الهجري أن العودة لكتب الفقه ومدوناته القديمة لم تعد ميسورة لأغلبية القضاة، وخاصة بعد أن تعقدت المعاملات، وتداخلت أطرافها بين الأهالي والأجانب، وفيما بين الأهالي أنفسهم. وكانت "مجلة الأحكام العدلية" هي أهم خطوة خطتها الدولة العثمانية في طريق التقنين الحديث. وقد استمر تطبيقها حتى أُلغيت سنة 1926م في تركيا ضمن عمليات التغريب الأتاتوركية الشاملة، واستبدل بها القانون السويسري. أما في أغلبية بلدان العالم العربي فقد استمر تطبيق أحكام المجلة إلى عقود متأخرة من القرن الماضي؛ حيث ظلت مطبقة في الأردن مثلاً إلى سنة 1976م، وما زال بعضها مطبقاً في لبنان إلى اليوم.

وقد عُني الفقهاء والباحثون بالمجلة وشرحوها، كما كان الفقهاء القدامى يشرحون المتون الشرعية، متبعين في شروحهم تبويب المسائل كما جاءت المجلة. كما أقامت المجلة صلة وثيقة بين المحاكم الحديثة والفقه الشرعي في المسائل المسكوت عنها في القوانين الحديثة؛ وهي مسائل متنوعة، كما أوجدت المجلة أيضاً فرصة عظيمة لإعادة تدوين مسائل الفقه الإسلامي المتناثرة في مراجع الفقه الحنفي في مرجع واحد سهل المأخذ، ومنظم وفق الهيكل المعتاد في الدراسات القانونية الحديثة؛ مما أقام الصلة بين خبراء القانون وفقهاء الأحناف. وتشهد على ذلك الدراسات القانونية المقارنة على امتداد أكثر من مئة عام.

كانت المجلة وسيلة فعالة لتخليص الفقهاء من الجمود المذهبي؛ الذي كاد أن يؤدي إلى إحلال القوانين الغربية إحلالاً شاملاً محل الفقه الإسلامي وأحكامه، وخاصة مع ضيق الفقه الحنفي في أبواب المعاملات، وفقه الشروط في العقود بوجه خاص.

وعلى رغم أهمية المجلة في تاريخ محاولات التقنين الحديث في العالم الإسلامي، إلا أنها كانت تعاني من عيوبٍ كثيرة تناولها فقهاء القانون وشُرَّاحُه، ومنهم العلامة عبد الرزاق السنهوري. ولكن السنهوري قبل أن ينبه إلى بعض تلك العيوب أقر بأنها عملٌ رائد، وتنم عن جهد تشريعي رصين، وأن لواضعيها علمٌ غزير بالفقه الإسلامي، وقدرة واسعة على الصياغة التشريعية.

ومن الانتقادات التي وجهها للمجلة أنها كانت أقرب إلى أن تكون قانوناً للعقودِ المدنية، لا العقود والالتزامات؛ فإنها لم تتضمن نظرية عامة للالتزامات إذا استثنينا بعض النصوص الخاصة بالمسؤولية التقصيرية. هذا إلى جانب أنها اقتصرت بحسب معظم الأقوال على المذهب الحنفي، دون الالتفات إلى أقوال وآراء المذاهب الأخرى؛ الأمر الذي جعلها أقل مرونة في مواجهة الوقائع والمستجدات المختلفة على امتداد رقعة واسعة من الولايات العثمانية التي شملتها أحكامها لعقود طويلة من الزمن. وانتقد السنهوري الصياغة التشريعية للمجلة أيضاً - على رغم إقراره بأنها جاءت متقدمة بالنسبة لزمنها - ومن ذلك أن أسلوبها في بعض النصوص لا يتفق مع الأسلوب التشريعي الرصين الذي يقتصر على الأمر والنهي في صيغة أحكام مقررة؛ فنجد فيها أسلوباً تعليمياً فقهياً أولى منه بلغة التشريع.

وإذا كانت "المجلة" عملاً رسمياً، تبنّته الدولة العثمانية وفرضته على أغلبية ولاياتها، فإن محاولة محمد قدري باشا كانت جهداً فردياً، وعملاً عبقرياً في أن واحد. وقد جاءت محاولته في سياق عدم رغبة الخديوي إسماعيل في أن يعمل بما جاء بمجلة الأحكام العدلية؛ حتى يعزز استقلاله عن دولة الخلافة العثمانية، وفي الوقت نفسه كانت الحاجة قد باتت ملحة إلى وضع قوانين جديدة وفق الصياغات العصرية؛ فاتجه القائمون على البلاد إلى القانون الفرنسي ينقلون عنه ويستلهمون منه مواده القانونية، وكان ذلك أول خطوة للخروج على الفقه الإسلامي. وتعلل القوم بأن الكتب الفقهية ليست مؤلفة على نظام الكتب القانونية الحديثة ذات المواد المرتبة والمرقمة، وأنه يصعب على القضاة الرجوع إليها.

يؤكد السنهوري باشا أن الامتيازات الأجنبية كانت وراءَ توجه مصر لوضع تقنين مدني، وأن نوبار باشا رئيس الوزراء في عهد إسماعيل أراد أن يخفف من وطأة تلك الامتيازات، فأنشأ المحاكم المختلطة، ومن ثم وُضعت التقنينات المختلطة: المدني، والمرافعات، والتجاري، والبحري، والجنائي، وتحقيق الجنايات في سنة 1875م لتطبقها تلك المحاكم. وقد وضعها محام اسمه مانوري (Manoury) وكان مقيماً في الإسكندرية في ذلك العهد، واتخذ نوبار سكرتيراً له، ثم عينه بعد ذلك سكرتيراً للجنة الدولية التي كانت تدرس مشروع إنشاء المحاكم المختلطة بمصر. ونقل واضع التقنينات المختلطة نصوصَه من التقنينات الفرنسية؛ لأنها كانت أكثر شيوعاً في ذلك العهد.

ومن المفيد أن نستطرد هنا في بيان وجهة نظر السنهوري باشا بشأن الملابسات التي أحاطت بوضع التقنين المدني المصري القديم، والعلل الكامنة خلف وضع ذلك التقنين، وكيف كان رد الفعل تجاهها. يقول السنهوري إنه: لما استقر الأمر بالمحاكم المختلطة وبقوانينها، تطلعت الحكومة المصرية في ذلك العهد إلى إنقاذ البلاد من الفوضى التي كانت سائدة في القضاء المصري، وكان يلي أمره مجالسٌ غير منظمة إلى جانب المحاكم الشرعية.

وكانت القوانين التي تطبق في تلك المجالس هي القوانين المعمول بها في الدولة العثمانية، مع اعتبار العادات المحلية في البلاد، كما كان يطبق فيها القانون التجاري العثماني المأخوذ من القانون الفرنسي؛ فتألفت في أواخر سنة 1880م لجنة لوضع تقنينات لمحاكم نظامية تقوم بالقضاء بين المصريين، كما (كانت) تقوم المحاكم المختلطة بالقضاء بين المصريين والأجانب، ومن بين أعضائها محام إيطالي اسمه موريوندو (Moriondo)، هو الذي وضع التقنين المدني للمحاكم المصرية الجديدة، وكان قدري باشا ناظراً للحقانية (العدلية) في ذلك العهد، وقد اشترك مع اللجنة في عملها، وتقيدت اللجنة بتقنينات المحاكم المختلطة إلى حد أنها كادت تنقلها بحروفها...، وصدرت التقنينات الأهلية في 28 حزيران (يونيو) 1883م (12 شعبان 1300 هـ). وقد انتقد السنهوري باشا التقنين المدني القديم، ووصفه بأنه "معيب من حيث الموضوع، ومن حيث الشكل... يقلد القانون الفرنسي تقليداً أعمى؛ فينقل كثيراً من عيوبه...".

كان مشروع النظام القضائي للمحاكم الأهلية قد تم إنجازه، بموجب قرار من مجلس النظار (الوزراء) صدر في 21 كانون الأول (ديسمبر) 1882م (12 شعبان 1300 هـ). وصارت هي المحاكم العامة في مصر، وحُددت اختصاصات المحاكم الشرعية التي تقلص نفوذها، واختصت المحاكم الجديدة بالنظر في دعاوى الحقوق المدنية والتجارية بين الأهالي وبين الحكومة.

ويبدو أن ذلك التوجه التغريبي - في القانون والقضاء - كان من أهم الأسباب التي استثارت همة محمد قدري باشا آنذاك. وكان قد شارك في اللجنة التي أعدت تقنين المحاكم الوطنية سنة 1881 مع موريوندو الذي عمد إلى نقل ذلك التقنين من التقنين المدني للمحاكم المختلطة الذي كان قد صدر قبل ذلك في مصر سنة1872م. وإلى جانب تلك الاستثارة، لا بد أن هناك عوامل أخرى ذاتية دفعت قدري باشا إلى بذل محاولته الرائدة في تقنين أحكام الشريعة، والنهوض إلى وضع كتبه الثلاثة التي تدحض المزاعم القائلة بأن الفقه الإسلامي يعاني من قصور لا يمكن استدراكه، ومن ثم لا يمكن تلبية الحاجة إلى صياغات عصرية للقوانين التي يطبقها القضاة في المحاكم المختلفة. وفي رأي السنهوري باشا أن قدري باشا هو "زعيم مدرسة التقنين ورائدها الأول" في مصر. وقد استند قدري باشا إلى المذهب الحنفي، واسترشد فيها بمجلة الأحكام العدلية، ووضع الكتب الآتية:

1ـ مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان: ويحتوي على 941 مادة، وهو خاص بالمعاملات المالية. وقد طبع الكتاب سنة (1307 هـ/ 1890م).

2- قانون العدل والإنصاف في القضاء على مشكلات الأوقاف: ويحتوي على 646 مادة، وهو خاص بالوقف. وقد طبع سنة (1311 هـ/ 1893م).

3ـ الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية: ويحتوي على 647 مادة. وتعد هذه المحاولة الرائدة مرجعاً لرجال القضاء والقانون في المحاكم، وعمدة لكل مشتغل بالعلوم الفقهية والقانونية، ودليلاً لكل محاولات التقنين التي جاءت بعده في العالم الإسلامي.

ورغم أن تلك الكتب الثلاثة لقدري باشا لم تحظ بالتصديق الرسمي إلا أنها غدت مرجعاً واسع التأثير في الدراسات الفقهية والقانونية التي جاءت بعدها؛ كما استمدت منها بعض التشريعات العربية المعاصرة، وأصبحت وثيقة تاريخية، ودليلاً على غنى الفقه الإسلامي وثرائه، وقابليته للتفاعل مع تحديات العصر، وقابليته للتجديد. وقد سهَّل قدري باشا بكتابه مرشد الحيران المقارنة بين القسم المدني من الشريعة على مذهب أبي حنيفة، وبين القوانين الوضعية؛ حيث نظم أحكام المذهب الحنفي في المسائل المدنية في مواد وأبواب متتالية على غرار مواد وأبواب القانون المدني المصري، فمكن رحمه الله بعمله هذا لكل من يطّلع على كتابه أن يقارن بسهولة بين أحكام الشريعة وأحكام القانون.