أقلام الكُتّاب والمثقفين في مواجهة الخرافة في عصر المماليك

عمرو عبد العزيز منير |

كنت أتصور أن ظهور جماعات المحتالين ارتبط بظروف الحراك الاجتماعي الذي حدث في عصر الجاحظ المُتوفى سنة 255هـ الذي ذكر أن له كتاباً يسمى "حيل المكدين". ولكن إعادة قراءة التراث العربي تؤكد أن الظاهرة ترجع بجذورها إلى أزمان بعيدة، ولكنها نمت وتطورت وتسارعت وتيرتها ومعدلاتها في مصر وبلاد الشام إبان حكم دولة سلاطين المماليك التي كانت قبلة للوافدين أو اللاجئين السياسيين الذين نزحوا عن أوطانهم لأسباب عدة، وقدموا إلى هذه الدولة طلباً للأمان، وكان حصاد هذه الحقبة تصاعد تيارات ثقافية شعبية كان من إحدى نتائجها ازدياد تأثير الدراويش والمجاذيب في الحياة العامة وثقافة المجتمع، فشاعت أخلاقيات الحزن والاستسلام، والاعتقاد في أصحاب المحاكاة والشعبذة والتخيل وتنوع ألاعيبهم وطرق حيلهم أو احتيالهم. وهيمن قطاع عريض من المشعبذين بحيلهم خصوصاً المتعلقة بالكيمياء على العقول في وقت سقطت فيه معايير القيم الموضوعية والأفعال الواعية.


وسرعان ما تصدى الكثير من المثقفين والكُتاب العرب والمسلمين لهذه الظاهرة؛ فأُلفت كُتبٌ وشروحات في هذا المجال. وهذه النوعية من الكتب التراثية لم تلق العناية الكافية، على رغم احتوائها على كثير من المعلومات، التي تعتمد على معرفة أغلب مؤلفيها بقوانين العلوم المختلفة من ميكانيكا وفيزياء وكيمياء، ونبات وحيوان وبالصناعات المختلفة.

يبدو أن هذه الكتب كانت مُحببة إلى نفوس عدد من طبقات المجتمع في عصري الأيوبيين والمماليك، وظلت بضاعة رائجة خصوصاً لدى ذوي السلطة والجاه لحقب طويلة. وهو ما أشار إليه "الزرخوني المصري في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي"، في كتابه "زهر البساتين" بقوله: "رأيتُ كُتباً كثيرةً، في هذه الصنعة الظريفة، لا يصل إِليها كُل أحد، إذ هي محبوبة إلى نفوس الرؤساء، ومشرحة لصدور الجلساء. صَنَّفها الحكماءُ، لنزهة الملوك القدماء، وقد تكلم عليها كل أستاذ بما علمه، وكنت أَتكلم عليها طول الزمان". ووصفها المجريطي في سياق عرضه للمقالة الرابعة من كتابه "غاية الحكيم" والتي خصصها للحديث عن "أنموذجات من أعمال الحيل السحرية "بقوله: "هي أحسن أنواع السحر" في إشارة إلى استحسانه لهذا النوع من الحيل السحرية.

والواضح أن الكثير ممن كتبوا في أسرار هذه الحيل تعاطوها زمناً، ثم هداهم الله سبيل الرشاد؛ فأخذوا يدرسونها كي يحاربوها، وقاموا بتدوين ألاعيب هذه الفئة الضالة (على حد قولهم) والسُبل التي يجذبون بها الناس، فلم يجد الجوبري في كتابه "المختار في كشف الأسرار" وسيلة سوى تأليف كتاب ضخم، يضم كل ما لديه من معلومات، ويبدو أنه عزف عن ذلك فاكتفى بمُختار منها. وفي سبيل ذلك رجع إلى عشرات من الكتب، السابقة عليه والتي لم يبق لنا منها سوى الاسم، ونظرة واحدة إلى الصفحات الأولى من مقدمته كفيلة بتقديرنا للكم الكبير من الكتب الضائعة علينا في هذا العلم، فبعد أن يعدد جانباً من هذه الكتب يَقول: "ولولا خوف الإطالة لكنت ذكرت جميع أسماء الكتب، وذكرت كل كتاب، وكل ما فيه، وما يقتضي وما يختص، ولكن قصدت الاختصار والإيجاز"، وليته فصَّل. ومن خلال فقرات الكتاب نستطيع أن نلمح بوضوح جهد الجوبري لكشف المحتالين ومنع شرهم وتسلطهم على الناس الذين توجه لهم في كتابه ليجنبهم الوقوع في حبائل الغش والشعبذة، فهو على الدوام يجعل عناوين الأبواب في كتاب المختار "كشف أسرارهم" أي المحتالين، ويبدأ الباب دائماً بـ ـ"اعلم" وينهيه بـ "افهم"، ويستمر في تحذير الناس وتنبيههم إلى مكر وخبث المحتالين.

كانت الحيل في تلك الفترة تعد علماً بكل ما في الكلمة من معنى، وهذا ما أكده الجوبري حيث وضع فصلاً سمّاه "علم الحيل الساسانية" وعالج الكثير من الكُتّاب موضوع الاحتيال ووسائله، منهم بالمقامات ومنهم بالشعر، ومنهم بالنثر، ووصل إلينا بعض هذه الكتابات، وفُقِد بعضها الآخر وصلت إلينا إشارات عنها في بعض المصادر التي تناولت شعبذة الألعاب السحرية، أو ألعاب الخِفة، ومنها الكتب التي أشار إليها ابن النديم في كتابه "الفهرست"، والتي لم يصل بعضها إلينا. أما الكتب التي وصلت إِلينا فمِنها: "النارنجيات"، أو "الباهر في عجائب الحيل" لأبي عامر أحمد بن عبد الملك الأندلسي المعروف بابن شُهيد (ت 426هــ)، وهو الشاعر والأديب المشهور، صاحب رسالة "الزوابع والتوابع". ورسالة النارنجيات هذه جزء من كتابه "كشف الدَك وإيضاح الشك" وذكره "الجوبري" مِن ضمن الكتب التي رجع إليها.

ونجد كتاب "عيون الحقائق وإيضاح الطرائق" لأبي القاسم محمد بن أحمد السيماوي العراقي (عاش حتى نهاية القرن السابع الهجري) وكتاب "إرخاء الستور والكلل، في كشف المدكات والحيل" لمحمد بن محمد أبي حلة الرهاروزي أو ابن الدهان، ولم يصلنا شيء عن حياة المؤلف إلا أن المخطوطة المعروفة له مؤرَّخة سنة 591هــ/ 1195م، وتَتضمن مادة عن الألعاب السحرية وخفة اليد، واعتمد عليه الجوبري في وضع كتاب "المختار في كشف الأسرار". والجوبري كان حياً سنة 613هـ / 1216م، ويستفاد مِن مُقدمة مؤلفه أسماء كتب اعتمد عليها، ولم يصل إلينا الكثير منها، ما عدا كتاب "إرخاء الستور" وكتاب ابن شُهيد السابق ذكرهما.

أضف إلى هذا التراث كتاب "الحيل البابلية للخزانة الكاملية" للحسن بن محمد الإسكندراني القُرشي العدوي المتوفى في حدود سنة 640هــ، وصَنَّف هذا الكتاب للملك الكامل الأيوبي، وأَلَّف كتاب "موضع أستار الكلل، وفاضح أسرار الحيل" للخليفة الناصر لدين الله أحمد العباسي حين قدومه إلى بغداد. واحتوى على أبواب عدة، منها: الباب الأول في أصول هذا العلم ومعرفته وما يستحب من لطفه وخفته. الباب الثاني في الحيل الهوائية، والدخن السماوية. الباب الثالث في السرج والقناديل ووضعها في المحافل. الباب الرابع في اللعب بالنار وما يوهم به الحضار. الباب الخامس في وضع الطلاسم بالعزائم. الباب السادس في القناني وما فيها من الملح والمعاني. الباب السابع في الكاسات، والأقداح وما فيها من الأفراح. الباب الثامن في البيض وحيله وترتيبه وعمله.

وهناك أيضاً كتاب "عيون الحقائق والغرائب فِي اللعوب والكيمياء"، لمجهول، وكتاب "في الدك والنيرنجيات والملاعيب والسيمياء، والبخورات" لمجهولٍ أيضاً. إضافة إلى كتاب "زهر البساتين في علم المشاتين" ذَكره حاجي خليفة بقوله: "مُختصر في الشعبذة لمحمد بن أبي بكر. وتلك الكتابات تؤكد أن هذه الحيل لم تمر على الوعي من دون استجابة يقظة وانتباه واعٍ بدور هذه الطائفة في التأثير على المجتمع. وهذه الكتابات هي كذلك بمنزلة شاهد على ذهنية المجتمع العربي، بخاصة في فترات التأزم الحضاري، ومن ثم فإنها تعد مجالاً مهماً لدراسة هذه الذهنية التي تتطلب سلاحاً نقدياً ثاقباً.