المساواة الاسترو-تستوستيرونية ونهاية التاريخ

جاسر الحربش |

لدينا حالياً كامتداد لما يجري في الغرب الأميركي والأوروبي نقاش نشط حول ظاهرة تسمى المرحلة النسوية الثالثة، وأقترح تسميتها اجتماعياً مرحلة «المثلية»، وطبياً المرحلة الاسترو-تستوستيرونية. بدأت الظاهرة في الولايات المتحدة ووصلت إلى الغرب الأوروبي، وسنّت القوانين لزواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة وإعطاء الحق للزوجين المثليين لتبني وتربية طفل أو أكثر من دور الرعاية، لأنهما غير قادرين على الإنجاب والأسباب واضحة. العوامل الحقيقية لانتشار هذه الظاهرة انتخابية سياسية ومالية وضغوط لوبيات قوية تتاجر بالمرأة والجسد والجنس بلا حدود عمرية أو بيولوجية، وقد ظهر برلمانيون غربيون مثليون متفاخرين بتقديم رفاق حياتهم الأزواج من النوع نفسه للإعلام، ويطالبون بتضمين المناهج الدراسية للتلاميذ دروساً عن الحقوق الطبيعية للغرائر والميول المثلية. المرحلة الأنثوية الأولى للبشرية التي أشير إليها في السياق لم تكن مثلية وإنما أنثوية فطرية.


للتعريف البيولوجي لمن قد لا يعرف، الاستروجين (Estrogen) هو الهرمون الأنثوي الأهم المحدد بيولوجياً للكائن الأنثوي جسدياً وعاطفياً، والتستوستيرون (Testosterone) هو الهرمون الذكوري المميز لخصوصيات الكائن الذكر الجسدية والعاطفية. يقال في علم الأنثروبولوجي إن الإنسان في البدايات الأولى للتجمعات الحضارية (الحقبة الزراعية) كان يعطي الأفضلية في التقدير والتقديس للأنثى، فجعل منهن الحاكمات في فض النزاعات وتدبير شؤون الأفراد والمجموعات، واتخذهن كرموز عبادات وثنية للحب والمطر والخصوبة. في تلك المرحلة كانت الغلبة لهرمون الاستروجين على التستوستيرون واضحة من دون جدال. لم تستمر تلك الحقبة الذهبية للأنثى طويلاً، بسبب الحروب بين التجمعات البشرية المتجاورة على المراعي التي كان وقودها الرجال، فظهرت صورة البطل الأب القوي الحامي الحاكم، واستبعدت الأنثى نحو الحقول للزراعة وجمع الحطب، وبالطبع لمهمة الحمل والرضاعة ورعاية الأطفال التي هي فقط المؤهلة لها. من هناك بدأ التحكم البيولوجي يميل لصالح الرجل، وكلما كانت قدراته الهرمونية أوضح في فحولة التلقيح والبنية العضلية وخشونة الصوت، كلما كانت مكانته الاجتماعية أكثر تأهيلاً للتقدير والتقديس والطاعة. تحولت العبادات الوثنية في تلك المرحلة إلى التجسيمات الذكورية في المنحوتات والمخيال الشعبي والحكايات الشعبية وتغلب التستوستيرون على الاستروجين.

مع بدايات القرن العشرين الميلادي ظهرت الحركات الاجتماعية الأنثوية (تجاوزاً النسوية) ومرت بمراحل ثلاث، مرحلة المطالبة بالمساواة مع الرجل في فرص التعليم والعمل، ثم المساواة في الأجور وحق التصويت الانتخابي، وقد وصلت الآن كما يبدو إلى مرحلة المطالبة بالمساواة البيولوجية الخارجة على المحددات الهرمونية لما هو ذكر وما هو أنثى وما هو المطلوب فسيولوجياً من كل نوع أن يؤديه لاستمرار الحياة البشرية. وصلت المرحلة التي يتساوى فيها التستوستيرون مع الاستروجين متمردة على التكوين البيولوجي والموروثات الدينية والاجتماعية.

كطبيب درس وظائف الأعضاء وأنواع الخلايا والأنسجة، أعرف أنه يتم إنتاج عشرات الملايين من الحيوانات المنوية الذكرية في المعاشرة الجنسية الواحدة، مقابل بويضة واحدة أنثوية في الشهر، وتتسابق وتتنافس عليها كل تلك الملايين، ثم لا بد من كمون البويضة الملقحة للتخلق كجنين تسعة أشهر في رحم أنثوي فقط لا غير، ثم ينتفخ الثديان الأنثويان لإنتاج الغذاء الأكثر فائدة لنمو الطفل الجسدي والنفسي، إضافة إلى تفاصيل بيولوجية كثيرة أخرى لا مجال لذكرها. هذه المحددات البيولوجية تجعلني لا أفهم ولا أتقبل محاولات القفز على الشرط البيولوجي لاستمرار الحياة البشرية.

الختام: بقدر ما كانت المطالبات بالمساواة في التعليم والعمل والأجور والتصويت وحرية الحركة حقوقية لا جدال فيها وحسمت في كثير من مجتمعات العالم، إلا أنه وبالقدر نفسه ليست المرحلة المثلية (الاسترو-تستوستيرونية) حقوقية ولا أخلاقية، على رغم ذلك نراها تهدد بانتشار العدوى إلى العالم العربي والإسلامي عبر أدغال التواصل الاجتماعي الإلكتروني.