التمييز ضد الـ "فلاشا" وحدود الديموقراطية في إسرائيل

نجاح عبدالله سليمان * |

طفت قضية التمييز العنصري التي يعانيها اليهود الإثيوبيون في إسرائيل على السطح مجدداً، إثر احتجاجات غاضبة على سوء معاملتهم وعنف الشرطة ضدهم. البداية جاءت مع احتجاجات واسعة منذ بداية الشهر الجاري، بعد أن قتل شرطي شاباً إسرائيلياً من أصل إثيوبي. حينها، أعدت التقارير عن اليهود من أصل إثيوبي (الـ "فلاشا")، وطريقة تعامل إسرائيل معهم منذ إعلان قيام دولة الاحتلال في عام 1948.


والـ"فلاشا" مهاجرون من إثيوبيا إلى إسرائيل، ويطلق عليهم اسم "بيتا إسرائيل" وتعني "جماعة إسرائيل"، وباختصار هم يهود الحبشة، أو "اليهود الفلاشا" الذين تم نقلهم سراً في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، ويقدر عددهم بنحو 130 ألفاً. ويعاني الـ "فلاشا" هضم حقوقهم في التعليم والوظائف، في ظل انقسام عرقي وديني. ولطالما رفعوا أصواتهم ومعهم اليهود الشرقيون عموماً ضد التمييز العنصري الذي يتعرضون له، وكان من أبرز الحوادث العنصرية التي تعرضوا لها أخيراً، إلقاء أحد المراكز الطبية بدمٍ تبرَّعت به نائب في الكنيست من أصل إثيوبي في القمامة. ووفقاً للمسؤول في "الوكالة اليهودية" يعقوب وينشتاين، الذي زار إثيوبيا في عام 1949، وطالب بالاستعجال بهجرة يهودها إلى إسرائيل، فإن الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت عارضت هذا المطلب، بزعم أن اليهود المهاجرين يحملون أمراضاً وراثية معدية، لكن الحكومة نفت ذلك لاحقاً بعد تعرضها لانتقادات شديدة اللهجة.

رفض معظم رؤساء وزراء إسرائيل، وعلى رأسهم بن غوريون وموشيه شاريت وليفي إشكول وغولدا مائير، هجرة اليهود الإثيوبيين، ووصل الأمر، في بعض الأحيان، إلى إبعاد مَن وصلوا إلى إسرائيل خلال تلك الأعوام بحجة أنه لا ينطبق عليهم "قانون العودة" وأنهم "نصارى". ونبعت معارضة المسؤولين الإسرائيليين لهجرة اليهود الـ "فلاشا" إلى إسرائيل من موقفهم الديني. لكن في عام 1975، قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين بتطبيق "قانون العودة" عليهم، وبدأت الهجرة الجماعية في بين الأعوام 1979 و1990، إذ وصل 16 ألف يهودي إثيوبي إلى إسرائيل، في أكثر من عملية سرية عرفت واحدة منها باسم "عملية موسى"، وتلتها "عملية سليمان".

غالبية هؤلاء كانت تفتقد المهارات الأساسية في الأعمال والمهن، وبلغت نسب البطالة بينهم في وقت من الأوقات نحو 80 في المئة. ووصلت في العام 2005 إلى نحو 65 في المئة، فيما ظلت نسبة كبيرة منهم تعيش في مناطق معزولة عن باقي اليهود الأشكيناز والسفارديم. وأظهرت دراسة أجريت في عام 2012 أن معدل دخل اليهودي من أصل إثيوبي أقل بنسبة 30 إلى 40 في المئئة من دخل فلسطينيي الـ 1948، الذين يشتكون بدورهم من العنصرية والتمييز. وفي عام 2012 عيَّنت إسرائيل للمرة الأولى في تاريخها سفيرة لها من أصول إثيوبية لتكون موفدتها الديبلوماسية إلى إثيوبيا. ونظراً للتمييز العنصري ضدهم، فإن اليهود من أصل إثيوبي ينتشرون في مناطق محددة داخل إسرائيل، كما ينتشرون في بعض المناطق والمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

ويتسم معظم هذه التجمعات ببيئتها الفقيرة، وارتفاع معدلات البطالة، وفقدان جزء كبير من الخدمات التي تتمتع بها المدن الإسرائيلية التي يقطنها "اليهود البيض"، وفقاً للوصف الذي أطلقه عليهم اليهودي من أصل عراقي شلومو معوز، الذي طُرد من عمله في شركة استثمارات العام 2012، لأنه هاجم التمييز العنصري الذي تعرض له. وقال معوز في ذلك الوقت: "إن التمييز ضد اليهود الشرقيين ما زال قائماً والنخبة الأشكنازية ما زالت مسيطرة على المجتمع الإسرائيلي ومفاتيحه القيادية".

في العاشر من كانون الثاني (يناير) 2012، اقتحم نحو ثلاثة آلاف إسرائيلي من أصل إثيوبي مقر الكنيست، احتجاجاً على العنصرية ضدهم، بعد الكشف عن رفض تجمعات لليهود البيض في جنوب إسرائيل بيع أو تأجير بيوت لليهود الإثيوبيين. ورفع المتظاهرون شعارات منها: "دمنا الأحمر يصلح فقط للحروب"، و"وجوهنا سود ولكن قلوبنا بيضاء، وأنتم وجوهكم بيض ولكن قلوبكم سوداء"، و"نتانياهو... متى ستستنكر العنصرية؟". وقال أحد المتظاهرين في ذلك الوقت: "أن تكون إثيوبياً في إسرائيل يعني أن تكون منبوذاً، ومستضعفاً، وموضع شك". وعندما اقتحم المتظاهرون مبنى الكنيست، صرخت وزيرة الاستيعاب في ذلك الحين، صوفا لاندفار، الروسية الأصل، قائلة: "يجب على الإثيوبيين أن يشكروا دولة إسرائيل لأنها جلبتهم إلى هنا"، الأمر الذي أثار موجة احتجاج أكبر.

يبقى في النهاية أنهم مواطنون من "الدرجة الثانية"، فالإسرائيليون لا يزالون ينظرون إلى المهاجرين الإثيوبيين نظرة فوقية لدواع شتى، منها لون البشرة. ويتهم الإثيوبيون الإسرائيليين "البيض" بممارسة "التمييز العنصري النظامي الممنهج" في حقهم وحرمانهم من حقوقهم الشرعية، على رغم أن إسرائيل تقدم نفسها على أنها تسترشد بقيم الديموقراطية والتعددية والمساواة. ويرى الإثيوبيون أن الشرطة تتعامل معهم بعنف تعسفي وتستخدم القوة المفرطة ضدهم. إضافة إلى ذلك، يؤكدون أنهم يعانون التفرقة العنصرية في التعاملات اليومية، مشيرين إلى أن العنصرية والتمييز يعيقان تطور مجتمعهم ككل، ويبقيانهم عند مستوى اجتماعي اقتصادي منخفض. يبقى أن الـ "فلاشا" قد يصبحون القشة التي قد تقصم ظهر الاحتلال.

* كاتبة مصرية


الأكثر قراءة في الرأي