ماذا جنينا منهم سوى «الشتيمة»؟!

محمد المزيني |

منذ أن تأسست المملكة العربية السعودية واتحدت أجزاؤها تحت «لواء التوحيد» بقيادة المغفور له الملك عبدالعزيز، وهي لا تدخر جهدا في دعم القضايا والعربية الإسلامية وحتى العالمية العادلة، على رغم كل ما كانت تفتقر إليه من معونة الآخرين مع بداية التأسيس وقبيل اكتشاف النفط، وما كانت تعانيه من شح الموارد الاقتصادية والقدرات البشرية، ومع ذلك «عفّت» عن استجداء الآخرين وطلب مد يد العون، مستعينة على قضاء حوائجها ومتطلباتها الضخمة بما يتوافر لديها من إمكانات وهي بهذه المساحة الجغرافية الشاسعة والظروف القاسية، إما بقروض خارجية أو قروض داخلية من بعض المقتدرين، حتى فتح الله عليها خزائن الأرض وأصبحت في غنى عن الآخرين ولله الحمد، فلم تأخذها الأنانية، كما لم تنس واجبها الديني والإنساني لكل من عصفت بهم الظروف الصعبة الذين كانوا ولا يزالون يعانون من محن الاقتصاد والسياسة، لتقف وقفتها الثابتة مع معاناتهم وقضاياهم، لتضخ الأموال إلى صناديقهم الخاوية، هذا ليس كلاما ارتجاليا لا يستند إلى شواهد واثباتات، فهناك قوائم إحصاء لا يعتريها الشك، كما لم يعد هذا بخاف إلا على من أعماهم الجحود واستبدت بهم الكراهية من الذين لم تسلم السعودية من سهامهم، فتنكروا لجهودها في مساعي إصلاح ذات البين وترميم الفجوات بين فصائلهم المتناحرة، مع التزامها التام بكل المتطلبات المادية التي تقدم عادة مع كل محاولة إصلاح، تلك التي عادة ما تنتهي بـ «احتراب» على المكاسب المادية إذ لم يعد للقضية أدنى أهمية.


لقد تأكد للجميع أن أوطانهم ليست في كفة الميزان الراجحة، إنما هي «مانشيت» عريض مستهلك يراهن عليه فوق طاولات المفاوضات من أجل المكاسب الخاصة، لقد كشفت لنا ثورات «الخريف العربي» هذا جليا، فكلما سقط رئيس دولة، تفتح خزائن الأموال الممتلئة بأوراق البنكنوت من كل أنواع العملات وأطواد سبائك الذهب، لتبدو قضية الفساد أبعد من معناها الحقيقي، فالمتقلبون على هذه الأنظمة يرددون مطالبين بـ «فلوسهم» لأنهم يعلمون سلفا بـ «مغارة علي بابا السحرية»، لذلك نراهم حالما يسقط الرئيس يهرولون إلى أقبيته المغلقة كي يكشفوا للعالم المستور، ثم لا تلبث هذه الأموال أن تختفي، لا أحد يعلم أين تذهب، فتعود حليمة إلى عادتها القديمة؛ سياسة تقشفية صارمة وتسول مكشوف لضخ أموال أخرى لخزينة الدولة، فتنقلب الحال إلى أسوأ مما كانت عليه، بعدما تكاثرت أيادي الطامعين بمقدرات البلد المنكوب بثورة مختطفة.

السؤال: من كان يا ترى يدعم اقتصاد هذه الدول المنكوبة، ويضخ الأموال إلى حساباتها لنكتشف لاحقا أنها تذهب إلى مخابئ سرية؟ حتما لن يكون البنك الدولي، فمن أين لعلي عبدالله صالح وبشير السودان وسهى عرفات وآخرين لا نعلمهم كل هذه الثروات؟ ماذا لو استثمرت هذه الدول المانحة والمتبرعة وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية هذه الأموال في مشروعات حقيقية لأوطانهم ومواطنيهم؛ مشاريع استثمارية تعليمية وصناعية وصحية وزراعية واجتماعية؟ حتما ستغيّر معادلة الواقع وترفع عن كاهلها الأزمات الاقتصادية التي كانت تمر بها بين الفينة والأخرى، فهل سمعنا يوما ما عن تبرعات ماليزية أو سنغافورية، وهي دول إسلامية، للقضية الفلسطينية بمثل ما كانت السعودية تجزل العطاء لها حتى انتهى بنا المطاف إلى الشتيمة، ودعس العلم السعودي الذي يحمل الشهادتين تحت الأقدام؟ ولنسأل عن أحوال مصر وباكستان وبعض الدول العربية التي كان لها من الحب نصيب، هل تبدلت أحوالها مع كل ما كان يضخ لخزينتهم من إعانات وتبرعات؟ لقد قوبلت «الطيبة» السعودية بإساءات بشعة والصقت بها التهم، حتى من أولئك الأشخاص الذين لم يكونوا شيئا مذكورا لولا أن وضعهم الله قريبا من الكرم السعودي، فأصابوا شيئا من كرمها وجودها الذي قلب حياتهم من فقر مدقع إلى غنى لم يحمدوا الله عليه، فقابلوا الإحسان بالإساءة لينهالوا عليها بقبيح الكلام بعدما تورمت صوابرهم من خير السعودية.

السؤال: لماذا تُشتم السعودية اليوم وتهاجم بشراسة؟ الجواب الذي لا يحتمل تكهنات كثيرة أن السعودية في نهجها الجديد لم تعد تقدم المال من دون مقابل، وقد أغلقت صنابير المكرمات المجانية، وهذا إجراء منطقي وطبيعي مع أنه جاء متأخرا قليلاً. ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي وضع على الطاولة مشروعه التاريخي (برنامج التحول 2030) الذي رسم من خلاله خريطة المستقبل لهذا الوطن، والحلم الذي يراوده في أن تكون السعودية إحدى الدول العظمى المتنافسة على قوة الوجود العالمي، لذلك لم يجد الخاسرون داخل المعادلة الجديدة التي تعني (هات وخذ) سوى محاولات التشوية ومعها الشتائم التي لا تصف إلا سوء تربية وضحالة تعليم، فلم تكن قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي إلا «حصان طروادة» للانتقام من ولي العهد الذي غلّب مصالح وطنه على مصالح الآخرين، ليضعها في إطارها الصحيح، فلا أموال تبذل مجانا إلا يدا بيد (عندك مشروع ناجع ومثمر أهلا وسهلا وإلا فلا). ألم تروا كيف كان استقبال رؤساء العالم لولي العهد؟ لماذا يا ترى؟ الجواب ببساطة لأن قادة العالم اليوم ينظرون إلى القوة والثبات كمعيارين أساسيين للتعامل مع الدول، وولي العهد يتأبط برنامجا مشمولا بمشاريع عالمية ضخمة، ستعود على بلادنا بمنافع تؤسس لمستقبل واعد بخير ولنهضة مختلفة، وكل هؤلاء الرؤساء جاؤوا بصدور رحبة وأيادي مفتوحة وعقول متفتحة، يبتغون اقتصاص حصتهم واقتناص فرصهم من هذه المشاريع التي ستعزز من اقتصادهم ومعه الاقتصاد السعودي، هذا ليس كلام خطب إنما حقائق محسوبة بالأرقام ومرهونة بالإنجاز، هذه لغة العصر اليوم، أي من الدول العربية اليوم ومعها بعض الدول المحيطة مجاراة للسعودية اليوم؟ السعودية التي لم ترهن يوما نفسها لأحد، ولا فضل لأحد عليها كي يملي عليها ما يحق لها أن تعمل أو لا تعمل، لأنها بنت نفسها بنفسها، بدأت من الصفر أيام كانت الشعوب تعيش حياة رغيدة والناس هنا يأكلون الجيف، لم ينظر إليهم أحد بنظرة العطف وهم يعبرون صحاريها حجاجا إلى مكة وتلتقط أعينهم مشاهد حية لبؤس الناس الذين طواهم الجوع، ليس لهم الحق اليوم في أدنى مساومة أو تطلب، حتى القضية الفلسطينية تحتاج إلى أن يكون لها نظرة موضوعية، فهي ليست قضيتنا وحدنا؛ فلم نتحمل الجزء الأكبر من أعباء شعبها وقياداتها المتصارعة؟ فمن الأولى والأجدر أن يكون هناك رؤية مختلفة لدعم الشعب الفلسطيني، كأن يتم تشغيل الاموال التي تذهب إليها في مشروعات اقتصادية توفر للفلسطينيين المتبطلين الوظائف التي يحتاجونها، لتصبح مصدرا ثابتا، وتتوسع من خلالها، فلو استثمرت الأراضي الفلسطينية بمشاريع زراعية لأغنوا واستغنوا، المهم ألا تسلم الأموال لإدارات محلية فاسدة، بل دولية، أو أن يخول المتبرعون لإدارتها بأنفسهم، ولكي لا يشتط الفهم بعيدا فأنا هنا لا أعني «صفقة القرن» التي لم تطبخ جيدا ولم يشارك الفلسطينيون أنفسهم في طحنها أو خبزها، فالجانب السياسي من القضية الفلسطينية حق لهم وحدهم، فلن يحل إلا بأيديهم أنفسهم.. هنا نكون مع كل دول العالم بالحياد.

Almoz2012@hotmail.com

almoziani@

* كاتب وروائي سعودي.