رحلة "الأمميين العرب" من اليسار إلى اليمين

وليد محمود عبد الناصر |

صدر أخيراً عن "مركز دراسات الوحدة العربية" في العاصمة اللبنانية بيروت، وهو واحد من أقدم وأهم مؤسسات الفكر ومراكز البحوث والدراسات في الوطن العربي، وفيه مذكرات الراحل الدكتور جورج حبش، مؤسس "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" وزعيمها وقائد مسيرتها لسنوات طويلة. وبالطبع، للكتاب أهميته لموضوعه في حد ذاته ولما يرويه على لسان صاحب المذكرات من أسرار ومواقف وحكايات لها دلالتها في العمل على استكمال الكثير من الصور واللوحات الناقصة المعالم حتى الآن، سواء في شأن التطور التاريخي لإحداثيات القضية الفلسطينية وفعالياتها، وهي قضية العرب الأولى والمركزية منذ عقود طالت، أو حتى في شأن الأحوال والآمال والتطلعات والهموم والهزائم والانتصارات العربية في سياقها التاريخي الأكبر، أو ما يتعلق بموضوعات وقضايا فكرية وعملية دولية ذات صلة بصفة عامة.


إلا أن الأهمية التي لا تقل دلالة من وجهة نظري المتواضعة لتلك المذكرات، تكمن في حقيقة أنها أعادت إلى الواجهة، وكذلك إلى الذاكرة أيضاً، ذكريات ربما غاب بعضها عنا في خضم تلاحق الأحداث المتتالية التي جرت على الساحة العربية على مدار العقود المنصرمة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 وحتى هذه اللحظة. ومن هذه الذكريات حقيقة تاريخية مفادها أن مسيرة العمل العسكري أو شبه العسكري للكثيرين من أصحاب الانتماءات الأممية من العرب، خصوصاً الشباب منهم، كل في زمانه، بدأت في واقع الأمر في النصف الثاني من الأربعينات وفي بدايات خمسينات القرن العشرين على خلفية وأرضية منطلقات عقائدية وفكرية كانت معظمها بالتأكيد تقع في مربع اليسار، وبصورة غالبة في صفوف اليسار الماركسي.

ويبدو ذلك الأمر المشار إليه في الفقرة السابقة في حال مفارقة كاملة مع الوضعية التي تلت ذلك، وتحديداً تلك التي نشأت وتطورت تدريجياً، ولكن باستمرار وتصاعد واطراد، في مرحلة ما بعد الدخول العسكري السوفياتي إلى أفغانستان في نهايات العام 1978 ومطلع العام 1979، وظهور ما أطلق عليه ظاهرة "المجاهدين العرب"، ولاحقاً صارت التسمية التي تطلق عليهم "الأفغان العرب"، وهم عرب أمميون أيضاً، ولكن هذه المرة من ذوي انتماءات عقائدية وفكرية تنتمي لصنوف متعددة وألوان متنوعة من التوجهات اليمينية الهوى ذات المرجعيات الدينية، الإسلامية في هذه الحالة، سواء ما أطلق عليه "الجهادية" أو "الأصولية" أو "السلفية" أو "السلفية الجهادية" أو غير ذلك من مسميات. مع العلم بأن هذه المسميات وغيرها ليست بالضرورة مصدرها جميعاً أو حتى أغلبها من جانب تلك الجماعات أو التنظيمات ذاتها، ولكن منها ما أطلقه خصوم تلك الجماعات والتنظيمات، بما فيها حكومات بعض البلدان العربية، عليها، كما أن منها مسميات عمدت بعض وسائل الصحافة والإعلام أو مراكز الأبحاث والدراسات إلى إطلاقها أيضاً على تلك الجماعات والتنظيمات وعلى أعضائها وأتباعها ومريديها وأنصارها، وذلك على مدار العقود الأربعة الماضية على وجه الخصوص.

لا نعني هنا القول بأي حال من الأحوال بتطابق أو تماثل أو حتى تشابه الدوافع أو الخلفيات أو البواعث أو المبررات أو الأهداف لدى كل من "الأمميين" من أصحاب التوجهات اليسارية ما بين انتهاء الحرب العالمية الثانية ومطلع ثمانينات القرن المنصرم من جهة، و"الأمميين" من أصحاب التوجهات المحسوبة على العديد من تفسيرات الفكر الإسلامي ما بين نهاية سبعينات القرن الماضي وحتى اللحظة الراهنة من جهة أخرى.

وإذا عدنا إلى محاولة رؤية الأمور من منظور تاريخي وعبر زاوية التسلسل الزمني للأحداث المتعاقبة، نجد أن العديد من اليساريين العرب، من جنسيات مختلفة، سعوا إلى التطوع والذهاب إلى مصر للحرب مع شعبها ضد العدوان الثلاثي البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي، الذي جرى في نهايات شهر أكتوبر (تشرين الأول) وبدايات شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1956، والذي جاء بدوره آنذاك رداً على تأميم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر لشركة قناة السويس في 26 يوليو (تموز) من العام ذاته، في ثاني مسعى على مستوى بلدان العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، لإثبات حق الشعوب في ممارسة السيادة على مواردها الطبيعية وعلى ما في أراضيها من طرق ملاحة وخطوط مرور بحرية، وذلك بعد محاولة الدكتور محمد مصدق رئيس وزراء إيران في مطلع الخمسينات تأميم قطاع النفط في بلاده وعدم تمكنه من إتمام ذلك بسبب تعرضه لانقلاب عسكري دبرته المخابرات المركزية الأميركية ضده بالتنسيق الكامل مع الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي آنذاك ومع قيادات الجيش الإيراني.

وكان التطوع لمواجهة العدوان الثلاثي على مصر، مجرد مثال ضمن أمثلة كثيرة على الحركة العابرة للحدود للأمميين من ذوي الاتجاهات اليسارية ضمن صفوف الشباب العربي خلال المرحلة المشار إليها هنا، ولكن كان هناك أمثلة أخرى كثيرة، ربما من أبرزها بالتأكيد الحالات والأمثلة الخاصة بدعم فصائل المقاومة الفلسطينية، وبصفة خاصة الفصائل ذات التوجهات اليسارية، سواء في مواقع تواجد المقاومة الفلسطينية آنذاك، سواء داخل الأراضي الفلسطينية أو في الأردن حتى العام 1970، وأيضاً في لبنان، ولكن بما امتد أيضاً إلى تعاون ميداني تجسد في الكثير من العمليات المشتركة مع فصائل فلسطينية يسارية خارج حدود الوطن العربي كليةً.

ثم كانت لقطات كثيرة لاحقة، خصوصاً خلال حقبة الستينات ومطلع السبعينات من القرن العشرين، في دعم نضال العديد من التنظيمات اليسارية المحلية في العديد من بلدان منطقة الخليج العربي، والتي كانت تسعى، مع تنظيمات وجماعات وطنية أخرى في تلك البلدان، إلى تحقيق استقلال بلدان منطقة الخليج التي كانت في معظمها واقعة آنذاك تحت الاحتلال البريطاني. ولا شك أن نصيباً كبيراً من هذا النضال الأممي لليساريين العرب في منطقة الخليج، كان ناتجاً عن عمل العديد من التنظيمات اليسارية العربية التي نشأت وتفرعت عن "حركة القوميين العرب"، والتي كان من أهم وأبرز قادتها الراحل الدكتور جورج حبش، والتي ضمت عرباً من معظم الجنسيات العربية أو معظمها، ما شكل دلالة على الطابع الأممي لهذه التنظيمات والتيارات، والتي كان منها على سبيل المثال لا الحصر "الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي". واستمرت بعض هذه التنظيمات لاحقاً في الانخراط في ما اعتبرته "نضالاً" واعتبره خصومها "مسعىً انفصالياً" في إقليم ظفار، وهو الأمر الذي استمر تقريباً حتى منتصف السبعينات، والذي كان محل انتقادات عريضة لتلك التيارات اليسارية من منطلق النظر إلى عملها على أنه تشجيع لمزيد من التفتيت لوحدة أراضي بلد عربي والمساس بسلامته الإقليمية.

وكان من الحالات الملفتة لما اعتبره الأمميون اليساريون العرب نضالاً عبر الحدود، دعم العديد من الفصائل اليسارية العربية لما اعتبرته نضالاً لفصائل يسارية كردية، وبشكل خاص أكراد العراق، ولكن بما امتد أيضاً إلى صلات وثيقة مع حركات يسارية كردية عاملة في صفوف أكراد تركيا مثل "حزب العمال الكردستاني" وكذلك مع حركات يسارية نشطت بين أكراد إيران. وولّد دعم تنظيمات وجماعات يسارية عربية لحركات يسارية كردية في إقليم كردستان العراق، انتقادات واسعة، خاصة من التيارات القومية العربية على تنوعها من بعثية وناصرية وغيرها، وذلك باعتبار أن هذا الدعم يأتي خصماً من المساحة الكلية للوطن العربي، كما أنه كان يأتي انحيازاً لطرف غير عربي على حساب طرف عربي، كذلك أتاح ذلك الدعم الفرصة لتلك التيارات القومية العربية لتعيد إنتاج لغة الخطاب القديم الخاص باتهام اليساريين العرب بأن الانتماء العقائدي والطبقي لديهم يفوق بكثير أي انتماء عربي، إن كان هذا الانتماء (العربي) لديهم أصلاً، وتزامن ذلك مع الإشارة مجدداً والتذكير باتهامات ذات طابع تاريخي لليساريين العرب بالتخاذل إزاء قضية فلسطين، خاصة في مراحلها الأولى وحتى ما بعد حرب فلسطين (العام )1948، وذلك على خلفية الروابط الأممية التي جمعت بينهم وبين عدد من شخصيات وتنظيمات اليسار اليهودي في تلك الفترة. ومن الجدير بالذكر أن "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، ضمن عدد من التنظيمات اليسارية الفلسطينية واللبنانية، استقبلت واستضافت في معسكراتها في لبنان خلال ستينات وسبعينات القرن العشرين عدداً من كوادر وعناصر تنظيمات كردية عراقية لتوفير وتقديم التدريب العسكري لهم.

وهكذا نرى أن الليلة لا تشبه البارحة في ما يتعلق بخلفية والانتماءات العقائدية والفكرية لـ "الأمميين العرب" وطبيعتها، الذين توجه حراكهم من اليمين إلى اليسار على مدار عقود، وتحديداً عبر ثلاثة أرباع قرن تقريباً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. نستطيع في ضوء ما تقدم، تقسيم هؤلاء بشكل عام، وليس على الإطلاق، إلى فترتين: الأولى امتدت من نهاية الأربعينات وحتى نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات واتسمت بصفة عامة بغلبة الاتجاهات اليسارية على نشاط أصحاب التوجهات الأممية ضمن صفوف الشباب العرب الناشط سياسياً آنذاك، بينما المرحلة الممتدة منذ نهايات السبعينات ومطلع الثمانينات وحتى اللحظة الراهنة، غلبت على النشاط الأممي لعناصر من الشباب العربي خلالها توجهات فكرية ذات مرجعيات دينية تعتمد على تفسيرات معينة للفكر الإسلامي تتجه به في غالبها الأعم إلى اليمين.