العقوبات والضغوط على حكومة لبنان

وليد شقير |

قد لا تضيف العقوبات الأميركية الجديدة على نائبين من "حزب الله" ومسؤول أمني فيه مكلف بمهمات سياسية وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية جديداً على المنحى التصاعدي لاستهداف الولايات المتحدة الأميركية الحزب، بصفته أحد أذرع طهران في تمددها الإقليمي منذ سنوات.


فواشنطن سبق أن أدرجت على لائحة الإرهاب الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، وغيره من قياداته ومسؤوليه أو المتعاونين معه ماليا، بالعشرات، منذ تصنيف الحزب إرهابيا على قوائمها قبل زهاء عقد من الزمن. هذا فضلا عن أن الاتحاد الأوروبي أدرج الجناح العسكري للحزب على لائحة الإرهاب منذ العام 2013، فيما شهد العام 2018 إلحاق بعض دول الاتحاد الجناح السياسي بالجناح العسكري. كذلك معظم الدول الخليجية.

قد تؤدي القرارات الأخيرة لوزارة الخزانة الأميركية إلى الحد من حركة النائبين والمسؤول الأمني الذين طالتهم قراراتها الأخيرة، فيتعذر عليهم السفر إلى دول تتعاون مع أميركا، وهي ستؤدي حكما إلى منع استخدام قادة الحزب النظام المصرفي اللبناني في تعاملاتهم المالية. إلا أن قيادة الحزب احتاطت للأمر منذ سنوات. فالرموز القيادية لا يسافرون إلى الدول الغربية والحليفة لأميركا حتى في أوروبا الشرقية. والحزب أعلن مرارا أن لا حسابات لديه أو أموالا في المصارف اللبنانية المضطرة للالتزام بالعقوبات خشية خضوعها لها. وحتى دولة "صديقة" للحزب وإيران مثل العراق اضطرت لاتخاذ إجراءات منذ 2018 لوقف التعامل معه ماليا.

نشأ منذ حينها نوع من التفاهم الضمني بين المصارف اللبنانية وبين الحزب بألا تكون لديه حسابات فيها. حتى نواب الحزب يتلقون رواتبهم الرسمية نقدا، ومن دوائر البرلمان مباشرة، وليس عبر شيكات مسحوبة على حسابات الخزينة اللبنانية ووزارة المال في هذه المصارف، تفاديا لاتهام الوزارة بالتعامل المالي مع الحزب. وهذا الالتفاف على العقوبات تعرفه واشنطن جيدا، من باب اهتمامها، حتى إشعار آخر، بعدم التسبب بهزة للاقتصاد اللبناني المتعثر أصلا، والحريصة على أن ينهض من تعثره حفظا لمبدأ صون استقرار لبنان وهي اللازمة التي يرددها المسؤولون الأميركيون سواء في بيروت أو في واشنطن. المهم بالنسبة إليها ألا تدخل العملة النقدية التي يتلقاها نواب الحزب كرواتب ، في النظام المصرفي حتى لا يعتبر ذلك تبييضا وفق قواعد وزارة الخزانة الأميركية، وتفاهماتها مع مصرف لبنان المركزي وجمعية المصارف.

إذا كان لا جديد في القرار الأميركي الأخير، طالما أن العقوبات تستهدف المرشد في طهران علي خامنئي، فإن أهمية استهداف نواب في البرلمان تعود إلى رمزيته من جهة، وإلى بعده السياسي من جهة ثانية. العقوبات تطال أشخاصا في قلب المؤسسات اللبنانية، وهي امتداد لتصاعد العقوبات على إيران والحرس الثوري، التي تعد إدارة دونالد ترامب بالمزيد منها. لكن اللافت في القرارات الأخيرة هو دعوة وزارة الخزانة الأميركية الحكومة اللبنانية إلى "قطع اتصالاتها" بـ"حزب الله"، على رغم معرفتها باستحالة ذلك كونه جزء منها.

عبارة "قطع الاتصالات" ترمز إلى أمر آخر. فواشنطن تريد من "الحكومة" أن تشاركها في دفع الحزب إلى الانسحاب من الحروب والأزمات الإقليمية، في سياق مسعاها لتحقيق أحد أهداف عقوباتها على إيران وذراعها القوية، أي الانسحاب من سورية ومن حرب اليمن، وهما بندان من البنود الـ12 التي وضعها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لطهران. إنه الوجه الآخر للدعوة الدولية الدائمة للبنان ولحليف الحزب الأساسي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من أجل مناقشة مسألة سلاح الحزب في إطار الحوار على الاستراتيجية الدفاعية.

إذا صح هذا الاستنتاج حول ما ترمز إليه دعوة الخزانة الأميركية الحكومة إلى قطع اتصالاتها مع الحزب، فإنه يأتي في ظرف معاكس للهدف من ورائه. فالحكومة اللبنانية تتعرض للضغط من الحزب المأزوم بفعل تصاعد المحاولات الأميركية والدولية لتطويق طهران. والحزب يقوم عبر حلفائه بحملة استباقية من أجل ضمان ميزان للقوى يبقي الحكومة اللبنانية خاضعة لنفوذه وحلفائه، للتأكد من أن السلطة اللبنانية ستبقى إلى جانبه في المواجهة الكبرى التي يخوضها على المستوى الإقليمي. وبين ما تقتضيه هذه الحملة، القيام بكل ما يلزم من أجل إضعاف فرقاء يعترضون على أخذ لبنان نحو هذه المواجهة. وما يجري في منطقة الجبل من أحداث لا يخرج عن هذا السياق، ويفسر أسباب دعمه لحلفاء له في وجه من يخالفونه التزاماته الإقليمية.

الطلب الأميركي من الحكومة اللبنانية قطع اتصالاتها مع الحزب، يأتي في وقت لا تحسد هذه الحكومة على وضعها جراء الضغوط المقابلة التي تتعرض لها منذ أشهر من أجل تطويع خصوم الحزب أكثر فأكثر على رغم التسوية التي عقدوها معه.