المقاصد العمرانية للفنون الإسلامية

إبراهيم البيومي غانم |

للفنون الإسلامية الجميلة أصول شرعية مستمدة من القرآن الكريم وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ففي القرآن نجد حديثاً عن التماثيل ومعناها الصور الملونة أو المخروطة في موقفين مهمين: أولهما خاص بسيدنا إبراهيم عليه السلام، وما ورد بشأنه في سورة الأنبياء قال تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51).إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ٥٢﴾. (الأنبياء: 51ـــ59). أما الموقف الثاني فهو عند الكلام عن سليمان عليه السلام في سورة سبأ قال تعالى:" ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: 12ـ13).


وفي ضوء هذين الموقفين يتضح أن التماثيلَ حرام في الموقفِ الأول مع سيدنا إبراهيم، وحلال في الموقف الثاني من سيدنا سليمان؛ بل إن عملها مع سليمان عليه السلام بإذن من الله تعالى، وكانت فضلاً من أفضاله على آل داود تستحق الشكر، ولم يكن سليمان يهدف بطبيعة الحال أن يتخذها أصناماً يعبدها من دون الله. وعلى أساس هذا التوجيه القرآني يمكن فهم الأحاديث النبوية المتعلقة بالتصوير وغيره من صيغ الفنون الجميلة. فبعض ما رود في الأحاديث النبوية بشأن تحريم صناعة التصوير إنما كان يعني ما يصنع منها بقصد العبادة؛ أي صناعة الأصنام. ويؤيد ذلك أن العمل الأساسي لصانع التصوير في الجاهلية هو "صناعة الأصنام" (هشام بن محمد ابن السائب الكلبي أبو المنذر، كتاب الصنام، تحقيق أحمد زكي باشا/ القاهرة: دار الكتب المصرية، ط3، 1995م).

وإذا كان الإسلام قد نهى عن عبادة التصاوير، إلا أنه لم يحظر صناعتها. ومن الأدلة على ذلك أن ابن عباس أباح لصانع التصاوير- الذي جاء ليستشيره في أمر صناعته- أن يصور فقط الشجر وكل ما ليس فيه روح". أي أنه أباح تصوير ما ليس له قدرة ظاهرة حتى لا يظن المصور أنه قادر على الخلق، وحتى لا يزعم إنسان أن الصورة لها قدرة، أو قوة، أو عمل؛ وبذلك تزول شبهة الرجوع إلى عبادة الأوثان والأصنام، ولا سيما أن القوم كانوا حديثي عهد بتلك العبادة.

ومن الثابت في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي العام أن المسلمين عرفوا التصوير البعيد عن الوثنية في الصدر الأول للإسلام. ويشهد بذلك تعامل النبي صلى الله عليه وسلم بنقود عليها صور. (عبد الرحمن فهمي محمد، الشارات المسيحية، والرموز القبطية على السكة الإسلامية. مستخرج من كتاب المؤتمر الثالث للآثار في البلاد العربية سنة 1959م، ص337). وإباحة الأستار والوسائد والثياب المزوقة بالصور، و "اللعب" التي كانت في شكل كائنات حية. وعلى ذلك ليس ثمة جدل يعتد به في أن الإسلام أباح التصوير وغيره من ألوان الفنون الجميلة ما دامت بعيدة عن مقاصد الجاهلية، ومنفكة عن شبهة منافسة الخالق سبحانه وتعالى.

ونحن نرجِّحُ أن تكون النشأة العملية الأولى للفنون الجميلة الإسلامية قد بدأت في العام الأول للهجرة النبوية من مكة إلى المدنية؛ حيث ظهر نموذجها الأول في تخطيط مسجد قباء؛ وهو أول مسجد بناه الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان نزوله صلى الله عليه وسلم أرض قباء في ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة، الموافق سبتمبر من سنة 622م. ورغم ندرة المعلومات التي وصلتنا عن تفاصيل تصميم ذلك المسجد ومكوناته المعمارية؛ إلا أن المتوافر من تلك المعلومات يؤكد في أغلبه على أن البساطة والانسجام بين عناصر المسجد المعمارية والوظيفية هي أوضح المعالم الجمالية الأولى التي تجلت في مسجد قباء، ومنه انتقلت تلك العناصر إلى بقية المساجد. ولم يمض وقت طويل حتى "اتخذ الفن الإسلامي المعماري الجديد أهم أشكاله المميزة خلال العقدين الأخيرين من القرن الأول الهجري، وهما العقدان الأولان من القرن الثامن الميلادي، واشهر الأمثلة على ذلك هو الجامع الأموي في دمشق". (جوزيف شاخت، وكليفورد بوزورث : تراث الإسلام ـ الجزء الأول، ترجمة محمد زهير السمهوري وآخرين (الكويت: عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكتاب رقم 11)، ص297.). ودخل "المسجد" في صلب التخطيط العمراني للمدن والأمصار؛ وأصبح لا يمكن تصور مدينة إسلامية إلا بوجود المسجد الجامع في وسطها. ثم تكاثرت الفنون المرتبطة بتصميم المساجد وتشييدها، وتطورت بمرور الزمن مع انتشار الإسلام ودخول أمم ذات حضارات عريقة فيه، ومنها حضارات: الصين، والهند، وفارس، وروما، واليونان.

ودون الدخول في تفاصيل تاريخ الفنون التي عرفتها الحضارة الإسلامية في تاريخها الطويل؛ فإن مقتنيات المتاحف والمعارض المتخصصة في الفنون الإسلامية وآثارها شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، وأحدثها هو متحف "السلام عليك أيها النبي"؛ تدلنا على أن الفنون الجميلة بمختلف أنواعها نالت حظاً وافراً من العناية والاهتمام، وأنها أيضاً قد انفتحت على مختلف الخبرات الحضارية وهذبتها واستوعبتها وأضافت إليها وصبغتها بطابعها الإسلامي الخاص. كما تدلنا تلك الآثار على أن "وجود الله" هو الأساس العقيدي الذي صبغ كل أعمال الفن الإسلامي، وكما يقول روجيه جارودي "إن كل غرض حتى ذلك الأكثر استعمالاً؛ سواء كان سيفاً أو إبريقاً، أو طبقاً من نحاس، أو سرج حصان، أو منبراً، أو محراباً في مسجد؛ هو محفور ومرصع أو مطروق ليشهد أنه علامة على وجود الله". وقد تم افتتاح "متحف السلام عليك أيها النبي" في مكة المكرمة مع مطلع العام الهجري الجديد 1434هـ .ـ يناير 2013م . والمتحف يحتوي على 1500 قطعة من الآثار وأعمال الفنون الجميلة القديمة التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو هي محاكاة لها. وهو توثيق لعصر النبي وصحابته الكرام. وقد لقي المتحف إقبالاً كبيراً وترحيباً واسعاً من جمهور المسلمين. الأمر الذي يؤكد أهمية الفنون الجميلة في مخاطبة الوجدان وترقية المشاعر، وغرس القيم النبيلة في نفوس الناس.

ورغم كثرة البحوث في قضايا الفنون الإسلامية ومشكلاتها النظرية والعملية؛ إلا أن السؤال عن علاقة هذه الفنون بالمقاصد العامة للشريعة، لم يحظ بما يستحقه من الدرس- والتأصيل. ولا تزال أغلب البحوث في الفنون الإسلامية معنية بالجوانب التاريخية، أو الفقهية (الحلال والحرام)، أو المعمارية والهندسية، أو بعلاقات التأثير والتأثر بين الفنون الإسلامية وغيرها من فنون الحضارات الأخرى. أو هي معنية بمسائل وموضوعات مفردة مثل: فن الرسم، أو فن التصوير، أو فن التمثيل، أو فن الشعر، أو فن الموسيقى، أو فن الغناء، أو فن الزخرفة والزركشة ؛ دون محاولة اكتشاف علاقة كل هذه الفنون بالمقاصد العامة للشريعة.

قديمًا؛ تناول علماء المسلمين الفنون الجميلة ومسائلها بقدر كبير من التوسع مع التعمق الفلسفي. فالمعتزلة مثلاً ربطوا الأخلاق والجمال بالعقل وبالشرع معاً؛ وذهبوا إلى أن ما حسن في نظر العقل يكون حسناً في نظر الشرع . وابن سينا (370ـ428هـ /980ـ1037م) رأى أن "جمال الشيء وبهاءه هو أن يكون على ما يجب له" (ابن سينا، كتاب النجاة/ القاهرة: معهد المخطوطات العربية، 1938. ص79.). وابن طفيل كتب رسالة في "فن الموسيقى" استعاد فيها النظرية الكلاسيكية حول التوافق بين أجناس الألحان والأمزجة البشرية؛ وأكد على الامتدادات التربوية والتطبيقية لهذا التوافق؛ بما في ذلك التطبيقات الطبية عنده"( دومينيك أورفوا، تاريخ الفكر العربي الإسلامي. ترجمة رندة بعث، مراجعة سهيل سليمان ـ بيروت: المكتبة الشرقية، 2010م، ص540.).

أما الإمام أبو حامد الغزالي فقد قسم الجمال إلى "جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس، وجمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة" (أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين/ بيروت: دار المعرفة للنشر، ب.ت/ ج/2/ص316 ). وشرح الغزالي كيف أن الموسيقى أو فن "السماع" "يثمر حالة في القلب تسمى الوجد، وأن الوجد يؤدي إلى تحريك الأطراف بحركات غير موزونة تسمى اضطراب، أو بحركات موزونة تسمى التصفيق والرقص. وأكد على أن كل سماع يتم عن طريق قوة إدراك. وأن قوى الإدراك الحسية هي الحواس الخمس... وأما القوى الباطنة فمنها قوة العقل وقوة القلب، وكل قوة من هذه القوى تلذذ بموضوعها إذا استحق هذا الموضوع هذا الشعور باللذة. ويرجع الإمام الغزالي كل ألوان الجمال والخير إلى الله تعالى المتصف بصفات الجمال والجلال فيقول "لا خير ولا جمال ولا محبوب في العالم إلا وهو حسنة من حسنات الله، وأثر من آثار كرمه، وغرفة من بحر جوده؛ سواء أُدرك هذا الجمال بالعقول، أو بالحواس، وجماله تعالى لا يتصور له ثان، لا في الإمكان ولا في الموجود". ونستشف من مثل تلك الرؤى العقيدية والفلسفية للفنون والجماليات الكونية والنفسية أن فلاسفة المسلمين قد أدركوا عمق علاقة الفنون بمقاصد الشريعة؛ وخاصة بمقاصد حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النفس. ومقتضى كلامهم أن التأمل في الجماليات مؤدٍ حتماً إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى، وإلى الاتزان العقلي، والهدوء النفسي؛ على مستوى الأفراد والجماعات. ومن ثم يسهم الاهتمام بتلك الجماليات وفنونها في تقوية ما نسميه "الصحة العامة"، و"السلم الأهلي" وفق مصطلحاتنا المعاصرة.