اليهود والطب في مصر المملوكية

تراث
سماح السلاوي |

بدأ اليهود في مصر في عصر المماليك بتعليم أطفالهم في المنزل أو في مدرسة أعدت للتعليم الأولى. وكان هؤلاء الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة والأدعية التي تتلى في صلوات السبت والمناسبات الدينية. أما المرحلة التالية فكانت تتضمن إرسال هؤلاء التلاميذ إلى أكاديميات مخصصة للشرائع والقوانين اليهودية والتاريخ المقدس واللغة العبرية وإتاحة المشاركة في خدمات السبت والأعياد والاحتفالات اليهودية. وهذا يعني أنهم صبغوا التعليم بصبغة دينية. ومن العلوم التي درسها اليهود ونبغوا فيها وتميزوا كثيراً واشتهروا بها، علم الطب. واهتم سلاطين المماليك بالعلم والعلماء في مختلف التخصصات ولاسيما علم الطب، اهتماماً عظيماً، وبخاصة عندما صارت مصر مركزاً للخلافة العباسية على يد الظاهر بيبرس وأصبحت محلاً لسكن العلماء ومحط الفضلاء ووفدَ إليها علماء كثيرون من المشرق والمغرب.


ونظراً لاهتمام سلاطين المماليك بالطب والأطباء والرعاية الصحية، فقد سمحوا لجميع الفئات بتعلم الطب وممارسته، وحازَ بعض الأطباء ثقة سلاطين وأمراء المماليك في مصر والشام حيث كانوا يجلسون على أبوابهم ينتظرون الإذن بالدخول لعلاج مَن يمرَض من أهل القصر. وكان السلاطين والأمراء المماليك لا يتركون صغيرة ولا كبيرة في الأمور الصحية إلا ولجأوا إلى الأطباء فيقومون باستشارتهم على الفور. وتميزت الدولة المملوكية بشهرة أطبائها من خريجي مدارس الطب في القاهرة وتفاخروا بإرسالهم تلبية لنداء ملوك الدولة العثمانية الناشئة كي يعالجوا أمراضهم المستعصية. ومن أشهر الأسر الطبية اليهودية في مصر، عائلة ابن صغيّر التي أنجبت الكثير من الأطباء الذين ترأسوا الطب في البيمارستان المنصوري. ورغم قلة المؤلفات الطبية لأطباء بني صغير إلا أن شهرة العائلة تكمن في أنها قدمت أطباء عالجوا سلاطين المماليك وأمراءهم، كما أن أحد أفرادها وهو علاء الدين بن صغير أشتهر بعلاجه للسلطان العثماني بيازيد بن مراد في القسطنطينية. كان بعضهم مقرباً للسلاطين مثل فرج الله بن صغير الذي اعتمد عليه الناصر محمد بن قلاوون في علاجه. ومن الأطباء الذين تقدموا في دولة السلطان الناصر وعاصر عدد من أولاده منهم المنصور أبو بكر والأشرف علاء كجك والناصر شهاب الدين أحمد وهو الطبيب السديد الدمياطي اليهودي، بالإضافة إلى أن بعضهم كان له مؤلفات طبية أو شروحات للكتب الطبية للسابقين أفادت الكثيرين في ما بعد.

فمن هؤلاء اليهود كان السديد الدمياطي المعروف بابن كوجك، حيث تذكر كتب التراجم أن بني كوجك وبني صغير أهل بيت واحد وهم يهود من بلاد العجم وكانوا جميعاً يعرفون ببني كوجك، وعندما قدموا إلى مصر عَرَّب فريق منهم اسم جدهم فاصبحوا يعرفون بـ"بني صغير". وقيل إن السديد كان "جالينوس زمانه" في الطب فقد قرأ على ابن النفيس والنابلسي وأتقن الحكمة والطب وخدم السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون وأولاده وتنافسَ عليه الأمراء لعلاجهم. وفي حالة وقوع اختلاف بين الأطباء حول مرض ما أو وصف دواء عادوا إلى رأي ابن كوجك رغم أنه لم يكن رئيس الأطباء إلا أنه ذو رأي سديد. أما فرج الله بن صغير فكان أفضل علمياً من ابن ماسويه وابن إسحاق وخدم السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي أسبغ عليه من كرمه الشيء الكثير، وعمل بمفرده بخدمة الأمير بكتمر الساقي نائب دمشق، وكان يعتمد عليه دون سائر الأطباء، ويعمل بقوله في معالجته ومعالجة ولده وحريمه، وخواصه، وأعزائه. وكان السلطان الملك الناصر يثق به، وبعد وفاة بكتمر الساقي جعله السلطان يعمل في خدمة الدور السلطانية. ومنهم أيضاً علاء الدين بن صغير الذي تولي رئاسة الأطباء في الديار المصرية، وأجمع الناس على براعته في تشخيصه للمرض. وهو كان يصف الدواء حسب قدرة المريض المادية، وكان طبيب الملك الظاهر برقوق في حلب وتوجه إلى بلاد الروم ليعالج الملك بايزيد بن مراد بن عثمان من مرض في مفاصله. وكذلك شمس الدين بن صغيّر، وقد ولد في مكة وكان أبوه فراشاً فمالَ إلى الطب وحفظ "الموجز" لابن نفيس وشرحه وصحِبَ البهاء الكازروني وغيره من المتصوفة وتعلق بالزكي الخروبي التاجر وجاورَ معه في مكة فأجزل له من المال بحيث إنه دفع له مرة في مجاورته معه ألف مثقال ذهب. أما الآخر الذي يحمل الاسم نفسه، فكان يلقب بالشمس أبو عبد الله بن العلاء أبي الحسن، ومارسَ الطب في البيمارستان في خدمة السلطان قلاوون في القاهرة، وهو والد الكمال وابن العلاء ابن صغير. تميَّز في الطب وتدرَّب على يد ابن جماعة، كما ألَّف كتاباً أسماه "الزبد في الطب". والكمال ابن صغير الذي عمل في الكحالة - طب العيون- في بيمارستان المنصور بن قلاوون، وحفظ الموجز في الطب واللمحة العفيفية في الأسباب والعلامات في الطب وفصول أبقراط ومقدمة المعرفة وتشريح الأعضاء، واستمر في علاج المرضى دهراً ما جعله مستقراً بوظيفة مشرف في البيمارستان القاهري، وفي أواخر أيامه كف بصره ثم أقعد حتى مات في القاهرة وعمره ست وتسعين عاماً قضى معظمها في خدمة المرضى.

ونتيجة للمكانة العظيمة التي حازها أطباء بني صغير، فمن الطبيعي أن يحقد عليهم أطباء آخرون مثل محمد بن إبراهيم الملقب بابن برهان الدين والذي كان حكيماً فاضلاً إلا أنه لم يكن يصبر على المريض الذي طال مرضه كما كان كارهاً لكل أطباء عصره ولا يذكر أحداً منهم إلا ذمَّه وبخاصة الأطباء اليهود، إذ كان شديد الكراهية لهم ويرى أنهم ارتفعوا وعلا شأنهم رغم جهلهم وقلة تحصيلهم العلمي. وهنا كان يقصد بالذات السديد الدمياطي وفرج الله بن صغير لحصولهما على مكانة متميزة عند السلطان.