إشراق كراونة تدرس «النجدي» لطالب الرفاعي أكاديمياً وتحصل على درجة الماجستير من جامعة السوربون

رسالة ماجستير حول النجدي
باريس - «الحياة» |

قالت الباحثة إشراق كراونة إنك «قد تَعلَق في حبائل رواية «النجديّ» التي خطّها «طالب الرفاعي» كما تعلق الحيتان بشباك الصيّادين. تسحبك إلى قاع التاريخ فتعبق في ثنايا صحائفها ريحُ الشرقِ القديم، وإذا «ألفُ ليلة وليلة» تترامى إليكَ نديّة كأعشاب البحر التي فتنت بطل الرواية النوخذة «علي ناصر النجديّ». تَبْصُرُه سندباداً يجدّد على مسامعك قوله المُعتّقَ: «من لم يركب الأهوال، لم ينلْ الرّغائب.»

ومضت تقول:» تفتح عينيكَ في لجّة الماء، فتلوح لك سفينة «بوم بيان» ويلوح لك عالمها بقيادة ربانها النجدي وبحارته، الذين وصفهم القبطان والمؤرخ والكاتب الأسترالي «ألن فاليرز» بأنهم «أبناء السندباد». يجلس النجدي بقرب «السكّوني» المنحني على الدفة، راصداً بعيني صقر كل ما يدور فوق سفينته وحولها. يشم الريح ويراهن على نجمة مضيئة في سماء الليل، ويركن إلى معرفته بالموانئ والشواطئ وتجار الأقاليم وشيوخ القبائل.

رواية النجدي، وبقدر ما تقدّم حكاية مغامرة حب بين بحار كويتي وبين البحر، فإنها تكشف عالم من طبيعة العلافة بين الإنسان وبين أحد قوى الطبيعة وهو البحر. وكيف أن هذه العلاقة مرهونة بحب البحار وبطبيعة البحر المتقلبة».


جاء ذلك في ثنايا رسالة علمية أنجزتها كراونة في قسم اللغة العربية بجامعة السوربون 3 بعنوان «النجدي من البحر إلى البر»، ونوقشت الرسالة مؤخرا وحصلت بموجبها على درجة الماجستير مع مرتبة الشرف. ورواية «النجدي» الصادرة بطبعتها الأولى عن دار ذات السلاسل عام 2017، تمت ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، وهي إذ تقدم حكاية عن بحار كويتي، فإنها تضيء عالماً دالاً يحكي تاريخ دولة الكويت، يوم كانت إمارة صغيرة تعيش على مغامرة البحر غوصاً على اللؤلؤ وتجارة مع أفريقيا والهند. والرواية إذا تختصر مشهدها السردي بـ 12 ساعة وهي الساعات الأخيرة التي عاشها النجدي وزميلاه على سطح قارب صيد وما آلت إليه الأمور بعد هبوب عاصفة مجنونة عليهم، فإنها تقدم حكاية إنسانية باقية لعلاقة الإنسان بعشق البحر.

رسالة الماجستير، توقفت مطولاً أمام لعبة الزمن الفنية في الرواية، خاصة تقنية الاسترجاع، التي استخدمها الكاتب طالب الرفاعي وكيف أنها كانت قادرة على الموائمة ما بين الزمن الحاضر زمن الصيد وزمن الذكريات التي تسترجع كامل عمر النوخذة النجدي، ومعه عمر الكويت. ولقد لاقت الرسالة الإشادة من أساتذة لجنة الاختبار، وكان أن اجتازت الباحثة إشراق كراونة مرافعتها بامتياز مع مرتبة الشرف.

هذا وقد باشرت الباحثة فور نجاحها الترتيب لترجمة رسالة الماجستير إلى اللغة العربية. ومن المقرر أن ترى النور خلال الأشهر القليلة المقبلة.

ومما جاء في بعض فصول الرسالة: «وأنتَ تلتهم رواية «النجدي»، تنشأ وشائج ودّ لا تدركُ علّتها بينك و بين صاحبها «النجديّ» فلا تدري أهو بطل الرفاعي أم بطلكَ الذي لمّا تكتبْهُ، ولا تعلم يقينا مردّ فتنته. أهي تسمية «النوخذة عليّ» المعطّر بدلالات الشجاعة والإقدام، أم تُراها مغالبته الصعاب سلاحه المفرد وإدراكه العميق لغباوة الإنسان و تفاهة الدنيا وعبث الأقدار. ومن عجب، أنّ رواية «الرفاعي» وهي تشدّ خيوط سردها بحكايتها مجتمعة مثلما تُشدّ الحبال ضفائر على أرصفة الموانئ يجعل الاسترجاع محرّك «سفينة الحكي» فينقلب السرد جوسا في الذاكرة و فحصا لموضع وجع أسقم النجديّ بعمره المديد.

غامر عليّ ناصر النجدي يطلب نصرا يعليه أو يهلك دونه، وغامر «طالب الرفاعي» وهو يعيد إلى الحياة «النوخذة» رمزا واقعيّا من ذاكرة الكويت ليقرأ حاضره بماضيه. ولأن الأبطال العظام، شأن أصحاب الملاحم، لا يقبلون أنصاف الحلول، يسيرون معصوبي الأعين، يتسلّل إليهم سرّ الإصرار «السيزيفي» لذلك كان لا بدّ أن يلقى النجدي نهاية فاجعة، فيغيب وسط الماء الذي عشق، ويفنيه الموج الذي أحبّ، بيد أنّنا لا نكاد نشعر أنّه جزع ساعة لقاء نهايته التي أخبر عنها بنفسه منذ البدء وهو شأن السارد يستبق وهي أمارة كيد النصّ، لأنّ فتنة الكتابة لا تكتمل من دون تجاور «مكر الفنان» و فطنة المتلقّي.