سينما "الآباء والأبناء" تتعانق على شاشات "بوهيميا"

مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي بحرص على تشريح المجتمعات الحديثة في اختياراته الفنية. (موقع المهرجان)
كارلوفي فاري (تشيخيا) – فيكي حبيب |

يتميز "مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي" بحرصه على تشريح المجتمعات الحديثة في اختياراته الفنية، محاولاً رسم صورة مصغرة عما تعانيه من مشكلات وآفات تقف حجر عثرة في وجه تقدمها.


وككل عام، اختار المهرجان في دورته الـ54 التي أسدلت ستارتها أخيراً، محوراً عاماً عبّرت عنه مجموعة كبيرة من أفلام المسابقة الرسمية، واضعة الأصبع على جرح تبلور أمام الشاشة في هذه المدينة البوهيمية من خلال عيون سينمائيين عبّروا عن هاجس واحد، وإن انتموا الى مناطق جغرافية متباعدة.

"تختلف المجتمعات وتتشابه المصائر"، خلاصة يمكن التوصل إليها بعد مشاهدة أفلام المسابقة الرسمية التي صوّرت تلك الهوة الشاسعة في العلاقات الاجتماعية، وتحديداً في العلاقة التي تربط الآباء والأبناء... هوة تميّز إنسان المجتمعات الحديثة بعد دخوله عصر السرعة و"غزوة" التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعية، ما ولّد ثغرة كبيرة في التواصل وغياب الحوار بين جيل الآباء وجيل الأبناء... وهو ما عبّر عنه بحساسية سينمائية عالية الفيلم البلغاري "الأب" الذي كافأته لجنة التحكيم بمنحه جائزتها الكبرى الـ"كريستال غلوب". فالحبكة، وإن بدت خاصة جداً بأبطال الحكاية، فإنها لا تكاد تبتعد عن حكايات كثيرة نصادفها بيننا. ولا ينتظر المشاهد كثيراً حتى يكتشف تلك العلاقة المتشنجة بين الأب وابنه اللذين وجدا نفسيهما في مواجهة مأساة واحدة، هي وفاة الأم. فالأب السبعيني "فازيل" تتكلم عيونه بعتب واضح على ولده "بافل". والابن الخمسيني "بافل" لا تخفي ملامحه اللامبالاة ورغبته بإنهاء مراسم الدفن بسرعة للعودة الى بيته وزوجته. لكنّ هذا لن يحدث بالسرعة التي يشتهيها، فتصرفات الوالد وهلوساته بأن زوجته المتوفاة تريد التواصل معه من وراء القبور، واستعانته، بالتالي، برجل يوهم المساكين بقدراته الماورائية، ستغيّر مخططات "بافل"، وتجعله يبقى أكثر قرب والده الذي يكاد يطأ عتبة الجنون بعدما فقد شريكة عمره، رغم انتقاداته له ولزوجته التي لم تأت لحضور دفن حماتها، هي التي لم تنجب له ولداً، كما يعيرها الوالد... وسرعان ما ينتهي الشريط السينمائي بخبطة مسرحية.

فالأب لا يتصرف على هذا النحو حباً بزوجته كما كان واضحاً للمشاهد منذ دقائق الفيلم الاولى وحتى الدقائق الأخيرة، بل إن تأنيب الضمير هو الذي يقوده الى هذا السلوك، إذ يعترف لولده بشجاره مع والدته قبل دخولها غرفة العمليات وصراخه في وجهها بأن لا تخرج منها سالمة.

والابن لم تكن مبالاته تجاه والديه من قاده الى عدم إخبار زوجته بوفاة حماتها، بل خوفه على حمل زوجته التي تنتظر مولوداً بعد طول انتظار، جعله يخفي الخبر الأليم عنها، وبالتالي، تحمّل الانتقادات وكلام الناس.

اعترافان سيكون لهما أثر في ردم الهوة بين الأب وابنه، لنصل في النهاية الى مصالحة تكسر جدار الصمت وتفتح باب الحوار بين جيلين تعوزهما قنوات الحوار.

وبين جيلين، أيضاً، تدور حبكة الفيلم الألماني "لارا" الفائز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة وجائزة أفضل تمثيل نسائي للممثلة كورينا حرفوش التي أبدعت في تجسيد دور الأم التي من شدة حبها بابنها وحرصها على مستقبله، تكاد تخنقه.

تنطلق القصة يوم احتفال "لارا" بعيدها الستين. عيد لن تنساه بطلتنا على الإطلاق، بخاصة أن ولدها عازف البيانو "فيكتور" يحيي حفلة موسيقية منفرداً، تُحدد مسيرته الفنية. ولكن، مع مرور الدقائق، تطفح المشاكل وتصبح العلاقة المتشنجة بين الأم وابنها في الواجهة... الى درجة تكاد تؤثر على الحفلة التي انتظرها الفتى طويلاً. فالأم لا تتوانى عن توجيه الانتقادات الى معزوفته الخاصة رغم فرحتها الكبيرة بالحفلة وشرائها كمية كبيرة من البطاقات وتوزيعها على من صادفتهم في طريقها.

والفتى رغم انتقاله الى بيت جدته وابتعاده عن والدته، ما زال رأي "لارا" يهمه ويؤثر فيه، ما قد يهدد حفلته، وبالتالي يُنهي مسيرته الفنية.

لكنّ هذا لن يحدث، بل تمرّ الحفلة على خير، لنكتشف معها موهبة "لارا" بالعزف على البيانو، هي التي تخلت عنها بعد رأي سلبي وجهه لها أحد أساتذتها الذي عاد واعترف لها خلال حفلة ابنها أنها كانت أكثر تلاميذه موهبة. وهنا بالذات، تعي "لارا" ما كادت تسبب لابنها من مصير مشابه لمصيرها رغم حبها الكبير له وخوفها على مستقبله.

الحب والخوف، أيضاً، يحددان علاقة الأب وابنه في الفيلم السلوفاكي "لندع النور يعبر" الذي فاز عنه ميلان أوندريك بجائزة أفضل ممثل بعدما أبدع بتجسيد دور الأب الذي يعود من رحلة عمل في ألمانيا ليجد ابنه المراهق متورطاً في منظمة خاصة، كان لها دور في انتحار أحد شبان القرية بعد اغتصابه من عدد من أعضائها بعد الاشتباه بميوله الجنسية.

علاقة تتسم بغياب الحوار بين الأب وابنه، ما يورّط الفتى أكثر، الى ان يقرر الوالد إنقاذ فلذة كبده، على طريقته، بعد أن كاد يضيع في مجتمع يسيطر عليه الخوف من الآخر الذي لا يشبهنا، فيتجه معه الى قسم الشرطة بعد إقناعه بالاعتراف بما فعله مع مجموعته... لتأتي نهاية الفيلم المفتوحة أمام اعترافات الفتى، لتعبّر أن ليس مهماً إذا ما كان الفتى سيدخل السجن أو لا، بل المهم هو مساندة الوالد له رغم كل شيء، وبالتالي المصالحة بين جيل الآباء وجيل الأبناء.

وعلى هذا المنوال سارت أفلام كثيرة من أفلام المسابقة، لا مجال لذكرها كلها. أفلام تَعانَق فيها جيلان قررا فتح باب الحوار وكسر جدار الصمت، ليقولا وداعاً للوحدة والتقوقع.