موقع العرب من الاتفاق النووي الجديد

إسلام المنسي |

عقب التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة"، في تموز (يوليو) 2015، والذي تمَّ الترويج له باعتباره سيوفر أساساً للسلام في الشرق الأوسط، نظر العرب إلى الأمر نظرة مختلفة، إذ رأوا فيه بداية لفك عزلة طهران وتحرر اقتصادها ومنحها المزيد من القوة لدعم أذرعها الإرهابية. وأثبتت الأيام صحة المخاوف العربية التي لم تُقنعها تطمينات الرئيس الأميركي باراك أوباما آنذاك وتأكيده وقوفه بجانب "الأصدقاء" في المنطقة، و"العمل معهم سوياً لحل المشاكل التي تختلقها إيران"، وغيرها من العبارات التي لم نر لها رصيداً عملياً على أرض الواقع.


وبعد مرور نحو ثلاث سنوات على توقيع الاتفاق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انسحابه منه بعدما رأى أنه يغل أيدي العالم عن ردع سلوك نظام الملالي المزعزع للاستقرار وليس العكس. إذ كان العمل يجري على قدم وساق لتطوير برنامج الصواريخ الذي يزداد مداه يوماً بعد يوم، والميليشيات الشيعية تزداد تغولاً وانتشاراً، كما أن دور الاتفاق، وللمفارقة، لا يتعدى في أي حال مجرد تأخير امتلاك طهران للسلاح النووي، فلا يحمل أي ضمانات أو ترتيبات لفترة ما بعد انتهاء صلاحيته في عام 2030!

لم تكن "خطة العمل الشاملة" ملبية للحد الأدنى من الطموحات العربية منها، فالأطراف الدولية الستة، التي تعرف باسم المجموعة الـ 5+1، التي تولت التفاوض مع إيران لم تضم دولة واحدة من منطقة الشرق الأوسط! على رغم أن كل بنود الاتفاق تمس صميم الأمن القومي للدول العربية.

وأتت الاتفاقية التي قيل إن القصد منها "تحجيم خطر طهران"، بنتائج عكسية، وصرح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بتلك الحقيقة، مطلع تموز (يوليو) الجاري، قائلاً إن الاتفاق أطلق أيادي إيران في المنطقة، وقبله بأيام تفاخَر إبراهيم رئيسي، مسؤول السلطة القضائية لدى "نظام الملالي"، بأن امتدادهم الاستراتيجي يشمل قارة إفريقيا. وعلى رغم ما في هذا التصريح الأخير من مبالغة، فإنه يمثل اعترافاً بحقيقة مسؤولية الإيرانيين عن جانب من الأنشطة الإرهابية في القارة السمراء، والتي تعزَّزت خلال السنوات الأربع الماضية.

وعلى رغم ذلك، فإن الوقت لم يفت بعد لتدارك أخطاء الاتفاقية السابقة، ومحاولة تلافيها في النسخة الجديدة، عبر مشاركة العرب في صوغ بنودها، وفرض رؤيتهم بكل قوة، فالاتفاق لا يتناول العلاقات الثنائية بين إيران والدول الست، بل هو خطة عمل شاملة تهدف إلى كف يد "نظام الملالي" عن تهديد الأمن الإقليمي أولاً والدولي ثانياً، ومن المعيب أن يتم تقرير ترتيبات أمن المنطقة بمعزل عن دولها، التي هي أُولى الأطراف المتأثرة بتلك الترتيبات، والتي ستتحمل بشكل أساسي عواقب ما يقرره الروس والأميركيون والصينيون والإنكليز والألمان والفرنسيون، على غرار ما وقع خلال الفترة الماضية.

لدى العرب بلا شك أوراق كثيرة ونقاط قوة في هذا الصدد. ويكفي أن العقوبات الأميركية على طهران لم تُفرض، إلا بعد أن تعهدت الرياض وأبو ظبي بمؤازرتها وتغطية الفجوة النفطية المفترضة، ولولا ذلك لأصابت العقوبات الغرب قبل أن تصيب إيران جراء ارتفاع أسعار النفط عالمياً. من البديهي أنه لن يكون هناك أي طرف دولي أشد حرصاً على أمن الخليج العربي واستقراره من دوله، لكن طهران ستبذل ما في وسعها لعدم إشراك أطراف عربية في المفاوضات، لأن هذا في حال حدوثه يناقض مساعيها لفرض هيمنتها وسطوتها على المنطقة.

الدول العربية لا تطلب من إيران أكثر من أن تكفَّ شرها وتلتزم الحدّ الأدنى المفترض لإقامة علاقات طبيعية بين الوحدات السياسية، بما يعني احترام سيادة الدول، وعدم التدخّل في شؤونها. وكرر وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد آل نهيان مطالباته خلال لقائه بنظيريه الروسي سيرغي لافروف، والألماني هايكو ماس، خلال الشهر المنصرم، بضرورة إشراك دول المنطقة في الاتفاق المرتقب، مبيناً أن الاتفاق مع إيران، يجب أن يشمل بالإضافة إلى الملف النووي مسألة وقف دعمها الإرهاب وبرامج الصواريخ الباليستية. فالاتفاق لن يكون شاملاً وتاماً ما لم يعالج مسائل الأمن القومي الأكثر حساسية، بحيث تصبح الاتفاقية في النهاية إطاراً عاماً للسلام في المنطقة ولا تقتصر على ترتيبات الملف النووي فقط، تاركة أخطاراً قد لا تقل عنها إلحاحاً وحضوراً.

صحيح أن طهران التزمت بنود الاتفاقية منذ توقيعها وحتى انسحاب واشنطن منها أولاً، لكن الأحداث الأخيرة برهنت أن بإمكانها استئناف العودة إلى تخصيب اليورانيوم في أي وقت شاءت، وهو أمر لا يحتاج لبرهان، فطبقاً للبنود الفنية في الاتفاق كان الهدف زيادة الوقت الذي تحتاجه طهران لامتلاك سلاح نووي، ليصل إلى عام تقريباً في حال أخلَّت بالاتفاقية، كما وقع أخيراً، بعد أن كان لا يتجاوز ثلاثة أشهر في عام 2015. علماً أن المفاعلات النووية الإيرانية ظلت تعمل ولكن تحت رقابة دولية، وهذا ما مكَّن الإيرانيين من امتلاك زمام المبادرة وقرروا أن يتجاوز التخصيب نسبة 3.67 في المئة، والاحتفاظ بأكثر من 300 كيلوغرام من اليورانيوم، بما يخالف الاتفاق. لذا، فإن هناك توجهاً داخل الخارجية الأميركية الآن بضرورة منع طهران من مواصلة التخصيب بأي نسبة وتحت أي مبرر، لأنها ببساطة تستطيع الحصول على النتيجة ذاتها وإنتاج الكهرباء إن أرادت مِن دون تخصيب محلي من الأساس، عبر الحصول على اليورانيوم منخفض التخصيب من الخارج، هذا إذا افترضنا صحة الادعاءات الإيرانية بأن كل تلك الضجة العالمية تُثار من أجل الاعتراض على مشروع سلمي لإنتاج الكهرباء.

• كاتب مصري


الأكثر قراءة في الرأي