هذه العجلة ليست من الشيطان!

محمد المزيني |

يقال ليس في العجلة أو التعجل خير، وفي الحديث الشريف «العجلة من الشيطان»، ولا ينطبق هذا على كل شيء، لأن «خير البر عاجله»، وبناء على المعنى الأخير فإن ما حدث من نقلة سريعة وخاطفة تعد في تاريخية في البناء السعودي المشمولة في رؤية التحول 2030 وبرنامجها هي من العجلة المحمودة، هذه النقلة النوعية والكمية التي جاءت كالبرق الخاطف الذي نتمنى ألا يخبو وهجه، وخلّصت مجتمعنا من أدوات استعلائية متمكنة، حتما لم تكن نهاياتها دراماتيكية، بل جاءت عاصفة قلبت الأشياء «رأسا على عقب»، صاحبتها خلخلة وجودية أحدثت داخلها فجوات في قاعدتها، أدت كنتيجة حتمية إلى إسقاطها غير مأسوف عليها.


لم نكن نتصور أن تكون نهاياتها سريعة وخاطفة، وأن يتخلى عنها المجتمع بهذه البساطة ويستسلم لها سدنتها الذين كانت أصواتهم هادرة ومرعبة، حتى بات السؤال العالق بالأذهان عن حقيقة ما حدث لا يجد له إجابات نهائية ومقنعة، عدا حفنة من التأويلات والتخمينات التي لم تخضع بعد للدراسة والتمحيص، ونحن ندرك أن ما حدث بطبيعة الحال سيترك فراغا واسعا ما لم يسد بطرق مدروسة وأمنة، بما يجسر هذه الفجوة ويوجِد وشائج موضوعية توثّق عرى التصالح ما بين الأجيال السابقة إلى قبيل التحول، وما بين جيل التحول الذي وجد أنه يتماهى معه تماما، وإلا ستمتلئ هذه الفجوات بما لا يخدم التجربة برمتها، ولن تلبث طويلا حتى تصيب البناء بالهشاشة والتآكل من الداخل.

ولكي لا أكون فضفاضا في حديثي فسأقتصر على التكوين الثقافي والمعرفي الجديد الذي لم تكتمل بنيته بعد ولم تتحدد موضوعاته بشكل دقيق، عدا ما رأيناه من ظاهر المشروع الثقافي الذي تبنّى استراتيجية لم تصل بشكل كامل إلى وعي المثقف بعد، ولننطلق في الحديث عن هذا الملف من قاعد مهمة جدا وهي: «أن الثقافة داخل هذا التغيير الخاطف يقع عليها مسؤولية إعادة ترميم الذهنية النمطية التي طالها التغيير الخاطف». هنا لا أتحدث عن شكل الفعاليات التي تقيمها «هيئة الترفيه» على اعتبارها احد روافد التشكيل الثقافي الجديد، إنما أتحدث عن المضمون أو البناء الكلي للثقافة الجديدة التي لا تزال قيد الدراسة والتشكيل في ورشة عمل لا تهدأ، يستعان بها على ذوي الخبرات والتجارب السابقة، فمن المهم جدا والمنطقي أن نطرح أسئلتها الموضوعية الدقيقة ونجيب عليها إجابات وافية وموضوعية.

قبل أن نخطو خطوة واحدة، وقبل حتى الانطلاق في فعالياتها كي لا ندخل مستقبلا في إشكالات نعجز عن فهم دواعيها، وبالتالي يتعسر علينا حلها، أقول يجب ألا تكون هذه الأسئلة مكتوبة على ورق بخط باهت ولغة ركيكة كالتي وجدتها على مكتبي قبل أيام بعث بها المسؤول المكلف للإجابة عليها، وكل ما فهمته منها أنها مرسلة من وزارة الثقافة أو من جهة ترتبط بوزارة الثقافة بشكل ما، تلك الورقة لا تحمل شعارا ولا توقيعا رسميا، لغة أسئلتها الركيكة توحي بأنها مترجمة، بمعنى أن الذي صاغ الورقة أساسا ليس عربيا، يؤكد على ذلك أنه لا يفهم الآلية البيروقراطية في التخاطب بين الجهات الحكومية والخاصة، إلا أن الملمح الأهم أن من بعث بها مجردة من هويتها ومصدرها أراد أن يفهم معنى الثقافة عندنا، وكيف يمكن تفعيلها، والعقبات التي يمكن أن تعترضها.

يقال فهم السؤال هو نصف الإجابة، إلا أن «صياغة» السؤال ثلثي الإجابة، لذلك اعترى تلكم الورقة مجهولة الهوية كل العلل التي جعلتنا نتجاهلها، ذكرت قصة الورقة في معرض حديث لي مع صديق، فقال لي كلاما لم أستوعبه تماما، وهو أن الثقافة في مفهومها الجديد أصبحت صناعة، أو بمعنى أن ما يراد منها هو أن تكون سلعة تسوق مثلها مثل أي مادة مصنعة. لذلك، فإن ثمة من يعمل كي يعيد صياغة الوعي وفق مفاهيم استهلاكية، ولن يتحقق هذا إلا بتقويض كل ما درسناه وتعلمناه وكتبناه، ما عزز هذه المعلومة اتصال صديق آخر فهمت منه أنه يعمل داخل هذا المشروع «التقويضي» لقيم الثقافة التقليدية الراسخة، طلب مني تصورا لكيفية تفعيل الثقافة بأدوات جديدة ذكرني بما ورد في الورقة مجهولة الهوية، فنصحته ألّا يتعب نفسه بهذه الأسئلة المفتوحة كي لا يتوه في صحرائها، ثم اقترحت عليه أن يستنير بخبراء وناشطين حقيقيين في الأدب والثقافة والفن وتشكيل لجان متخصصة، ثم زودته بمن أعرف من المشتغلين في هذه الفنون، وبالفعل ذكر لي صديق ثالث أنه تم استدعاؤهم والجلوس معهم من أناس طارئين على المشهد الثقافي، وبعضهم طارئ حتى على هذا البلد، أخبرني الصديق أنهم استدعوا من دون أدنى التزامات من ضيافة وأتعاب استشارية، ثم طويت صفحتهم بالسرعة نفسها التي دعوا فيها بعدما نثروا كل ما في جعبتهم من آراء هي خلاصة تجاربهم، هذا يحيلني إلى نتيجة استلهمتها من تجاربي السابقة كمشارك في لجان ثقافية خارجية وداخلية، أن الثقافة ليست رؤية نسمعها من الآخرين ونبنيها على ورق بخطوط باهتة ولغة ركيكة، كما أنها ليست شكلا أو مشهدا من مسرحية أو معزوفة موسيقية، بل هي بحد ذاتها وعي عميق تتحرك من داخله قيم ومبادئ منتجة ومؤثرة. وعليه، فإن أي مشروع ثقافي لن يتم إلا بمعزل عن ذوي التجارب الحقيقة، لذلك من الخطأ جدا استخدام المثقف أداة لتمثيل دور مؤسسة، بل بالعكس على المؤسسة أن تقوم بتمثيل دور المثقف، وتتيح له الفرص الكاملة كي يتحرك بحرية وينتج من دون أدنى عوائق.

الثقافة ليست مادة يمكن النظر إليها قالبا جامدا بالعين المجردة، أو أن تلمس بالأيدي، هي وعي شامل تنهض عليه أرواح متوثبة للإبداع الذي تصنع منه الهوية، وتحدد من خلاله ملامح أي أمة، لذلك تسعى الدول التي تدرك معنى الثقافة إلى تأصيل قيمها من داخل الإنسان نفسه، وتبذل من أجل استنهاض القوى الإبداعية الكامنة داخل كل شخص، كي تحافظ على وجودها كهوية مستقلة تواجه بها ومن خلالها كل التيارات الفاسدة التي تسعى لتقويض القيم الثابتة، أولها قيم الوطن، وقد أدركت بعض الدول كيف أن هذه القوة الناعمة لديها القدرة على إحلال قيم السلام والمصالحة بين الشعوب، ومع ذلك فإنها تدرك أيضا أن هذه القوة الناعمة لديها نوازع أخرى خشنة، متى استثيرت أو حتى اقصيت أو استبدل بها غيرها، ومن الغرابة بمكان أن تجد من يسعى إلى تسليع الثقافة ويجعلها أحد أبواب الارتزاق والتحصيل المادي، في المسألة الثقافية ثمة أسئلة جوهرية يجب الإجابة عليها بشكل دقيق قبل اتخاذ أي قرار لا يصب في مصلحة الوطن، على أن تكون هذه الأسئلة أسئلة حقيقية نكتبها نحن بأيدينا لا بأيدي غيرنا. المثقف الحقيقي الذي يقف اليوم في مواجهة ما تتعرض له تجربتنا الحديثة من هجمات داخلية وخارجية، ينافح عنها بفنه وقلمة دون أن يملى عليه ذلك، لأنه ببساطة نابع من إيمان عميق شحذه بفكره ووعيه ولم يعبأ باستمالات الآخرين له.

برأي وإلى أن نبحث عن إجابات وافية لثقافتنا الجديدة من دون مؤثرات خارجية، علينا أن نتعجل في إنشاء معاهد أو أكاديميات للفنون تمنح شهادات عليا في المسرح والتمثيل وكتابة السيناريو والتصوير والإخراج والموسيقى، وأن نفكر مليا بأهمية إيجاد مجلس أعلى للثقافة والفنون والآداب يصادق على كل هذا.

* كاتب سعودي.

Almoz2012@hotmail.com

almoziani@