لبنان ما بعد الحرب الأهلية

محمد سيد رصاص |

امتدت الحرب الأهلية اللبنانية من 13 نيسان (إبريل) 1975 حتى 13 تشرين الأول (أكتوبر) 1990. وكانت بداية النهاية لتلك الحرب عبر "اتفاق الطائف" في 30 أيلول (سبتمبر) 1989 والذي وقع عليه النواب اللبنانيون خلال اجتماعهم في مدينة الطائف بالسعودية برعاية أميركية - سعودية - سورية، قبل أن يصادق عليه مجلس النواب في جلسة الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) 1989 ويتحول إلى دستور. كان التوافق الثلاثي مستمراً عندما تم إخراج الجنرال ميشال عون وحكومته العسكرية من "قصر بعبدا" في 13 تشرين الأول 1990، لإفساح المجال أمام الرئيس اللبناني المنتخب، والحكومة اللبنانية، لتجسيد السلطة الوحيدة على الأرض اللبنانية. انتهى القتال بين الأطراف اللبنانية مع لجوء عون للسفارة الفرنسية ثم لجوئه إلى المنفى الباريسي. وجرى تسليم سلاح الميليشيات ومن ثم إجراء انتخابات نيابية في عام 1992، تولى على إثرها رفيق الحريري رئاسة الحكومة اللبنانية.


هنا، إذا قارنا الوضع بتجارب من الحروب الأهلية، كانت متزامنة مع الحرب اللبنانية، مثل الأنغولي (1974 - 1994) التي دارت بين يساريي "الحركة الشعبية لتحرير أنغولا" و"الاتحاد الوطني للاستقلال الكامل لأنغولا" ("يونيتا") المدعوم من الغرب وخلفت مليون قتيل، أوالحرب الكمبودية (1979 - 1993) بين الحكومة الناتجة عن الغزو الفيتنامي وقوات "الخمير الحمر" المدعومة من الصين وحلفائهم الملكيين من أتباع نوردوم سيهانوك، نجد أن الانتقال اللبناني من الحرب الأهلية إلى "السلم الأهلي" كان فاشلاً بخلاف تجربتي أنغولا وكمبوديا، على رغم أن الدماء أريقت فيهما أكثر من لبنان، وكانت تغذيتهما الخارجية أكبر من لبنان. وعندما قتل جوناس سافيمبي زعيم "يونيتا" في عام 2002 من قبل قوات حكومة "الحركة الشعبية" لم يتزعزع اتفاق العام 1994، على رغم استمرار التوترات والاشتباكات المتقطعة بين طرفي الاتفاق حتى العام 1999 ومقتل سافيمبي. عاش البلدان المذكوران انتقالاً نحو السلم الأهلي ونحو الحياة السياسية التي تشي بأن لاجمر تحت الرماد. وهو مالم يعشه لبنان خلال عقود ثلاثة من عمر "اتفاق الطائف".

يمكن على هذا الصعيد، تلمس الجمر اللبناني تحت الرماد من المحطات التالية: الانقسام اللبناني المجتمعي إلى معسكري "14 آذار" و"8 آذار" في مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس الحريري في 14 شباط (فبراير) 2005، واشتباكات "الجامعة العربية" في بيروت في شهر كانون الثاني (يناير) 2007 التي كادت أن تتطور إلى اشتباكات بين منطقتي الطريق الجديدة والضاحية الجنوبية، عملية السابع من أيار 2008 التي قام بها "حزب الله" في بيروت.

هذا الجمر تحت الرماد اللبناني، كاد أن أن يتحول إلى حريق في المناسبات المذكورة لولا قوى الإطفاء الخارجية (إيرانية - سعودية في عام 2007، وأميركية - سعودية - إيرانية في 2008) ولولا الاتجاه نحو عدم الوصول إلى صدام أو قطع شعرة معاوية (واشنطن ودمشق بين الأعوام 2004 و 2007)، انعكس شللاً وفراغاً في المؤسسات، مثل الفراغ الرئاسي بين 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007 و25 أيار (مايو) 2008، بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، ثم بين 24 أيار 2014 و 31 تشرين الأول 2016، بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، وعندما تعطلت الانتخابات البرلمانية بين أيار2013 والشهر ذاته من العام 2018. لم يستمر التوافق الذي أنتجه "اتفاق الدوحة" عقب السابع من أيار 2008 والذي أنتج انتخاب الرئيس ميشال سليمان وحكومة فؤاد السنيورة التي أشرفت على انتخابات برلمان 2009، ما قاد إلى حكومة توافقية عقب الانتخابات برئاسة سعد الحريري، وفق "معادلة س - س" (سورية - السعودية)، إذ انكسر في 12 كانون الثاني (يناير)، 2011 عندما أسقط "الثلث المعطل"، المؤلف من قوى الثامن من آذار وحليفهم الجديد (منذ العام 2006) ميشال عون، حكومة الحريري.

وصل ميشال عون إلى الرئاسة في 31 تشرين الأول 2016 عبر تسوية أميركية- إيرانية، ترافقت مع صمت سعودي. ولكن كل المؤشرات تدل على أنها كانت تسوية هشة، خاصة مع انتهاء التوافق الأميركي - الإيراني في عهد ترامب الذي انتخب في الأسبوع التالي لانتخاب عون. وتعطي حادثة قبرشمون التي شهدتها منطقة الجبل في 30 حزيران (يونيو) الماضي، مؤشراً على هشاشة هذه التسوية وفي الوقت ذاته تؤشر إلى ولادة استقطابات داخلية لبنانية غير تلك التي ولدت في عام 2016 مع انتخاب عون رئيساً.

من الضروري هنا الرجوع في الزمن إلى الوراء: التوافق الثلاثي الأميركي- السعودي - السوري، هو الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية وليس التوافق اللبناني الداخلي. العامل الخارجي حافظ على لبنان هادئاً في الفترة الممتدة بين 1990 و2004 إلى أن حصل التباعد الأميركي - السوري بسبب عدم تأييد دمشق غزو العراق واحتلاله من قبل الأميركيين في عام 2003. وكانت "بلاد الأرز" ساحة الصدام بينهما. ومن ثم جاء القرار 1559 الذي صدر في الثاني من أيلول (سبتمبر) 2004 كحصيلة لهذا الصدام، لأول مرة منذ توافق واشنطن ودمشق على الدخول العسكري السوري إلى لبنان في الأول من حزيران 1976، تضغط الولايات المتحدة الأميركية عبر ذلك القرار الدولي باتجاه اخراج القوات السورية من لبنان.

فوراً، وعلى إيقاع هذا الصدام الأميركي - السوري تصدعت الحياة السياسية اللبنانية، ما قاد إلى استقالة الرئيس رفيق الحريري في العشرية من تشرين الأول 2004.

في "اتفاق الدوحة"، جاء الخارج الأميركي- السعودي- الإيراني لرأب الصدع اللبناني، ومن ثم استكمل ذلك في 2009عبر التقارب السعودي- السوري. وكان اسقاط حكومة سعد الحريري في عام 2011 ناتجاً عن تلاقي التصدع الداخلي اللبناني مع تصدع إقليم الشرق الأوسط وجنوحه في اتجاه استقطابات متصادمة، خاصة مع بدء التباعد بين دمشق وأنقرة وتباعد دمشق والرياض من جديد على غرار ما جرى بين الأعوام 2005 و2009.

خلال عقود ثلاثة من انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، لم تحصل دينامية توافقية داخلية لبنانية ذاتية، بل كانت التلاقيات، وليس التوافقات، بفعل عامل خارجي. وعندما كان يحصل التصادم الدولي - الإقليمي، أو الإقليمي - الإقليمي، كان لبنان يدخل في التصادم الداخلي، ولم يكن منعه من الاشتعال ناتجاً عن الداخل بل عن الخارج تماماً كما جرى بين العامين 2007 و2008.


الأكثر قراءة في الرأي