هل إيران حقاً عدو لإسرائيل؟

المثنى حمزة حجي |

لو حللنا طبيعة الصراع الإيراني - العربي، لوجدناه صراع تاريخي قومي عرقي ديني ثم أيديولوجي دفعة واحدة، ما يجعل من الصعب الوصول إلى حل، سواء من جانبنا أم من جانب إيران، أما الصراع الإيراني - الإسرائيلي الظاهر هو مجرد تنافس استراتيجي رؤيوي على النفوذ في المنطقة، وهو صراع ناعم وسياسي وإعلامي في أغلب الأحوال لا يصل من حيث العنف والتأثير إلى مستوى النوع الأول، وإن تصاعد الصراع بينهما بعد هزيمة العراق، العدو المشترك، في حرب تحرير الكويت 1991، فوجد الاثنان نفسيهما وجهاً لوجه.


كانت العلاقة بين نظام شاه إيران وإسرائيل قائمة على مزيج من المصالح المشتركة القائمة على العداء للمنطقة العربية، مع قدر من الشكوك المتبادلة بينهما، فعلى رغم التحالف السائد قلق شاه إيران من الانتصار الإسرائيلي الساحق في حرب 1967، ليس بسبب خوفه من جيش إسرائيل، بل بسبب تحول اسرائيل إلى محور الاستراتيجية الأميركية بدلاً من إيران، ما جعله يتعامل مع إسرائيل بقدر متزايد من الغيرة والضغوط التي أثارت استغراب الإسرائيليين والأميركيين معاً، وحاول الشاه التقرب من العرب لموازنة القوة الإسرائيلية المتزايدة، ولكن لم يستطع الشاه تجسير الهوّة بين الفرس والعرب، حتى عندما اتخذ مواقف ودية مع الحقوق العربية بعد حرب 1967 بسبب إصرار الشاه أن رغبة شعوب المنطقة في السلام والتنمية لا يمكن أن تتحقق إلا تحت السلطة الفارسية.

خلال الحرب العراقية - الإيرانية عاد التحالف بشكل غير مباشر بين الطرفين، ففي تموز (يوليو) 1981 قصف الطيران الإسرائيلي مفاعل أوزيراك (تمّوز) العراقي بعد شهر من المشاورات مع إيران حول الضربة، واستخدم الطيران الإسرائيلي خرائط وصور فوتوغرافية حصل عليها من المخابرات الإيرانية للموقع وبعد اتفاق على هبوط الطائرات الإسرائيلية في مطارات إيرانية في حالة الطوارئ خلال الضربة الجوية، أما في حزيران (يونيو) 1982 استقبل شيعة الجنوب اللبناني الجيش الإسرائيلي الغازي بالورود والأرز في ظاهرة احتفالية واضحة لا تحتاج إلى تعليق حول دور «شعب المقاومة» في تعزيز فكرة التحالف الاستراتيجي الإيراني - الاسرائيلي، مع حق الاختلاف على الغنائم، وهم الفئة السكانية اللبنانية ذاتها التي تغدق على نفسها الآن ألقاب مثل: «أشرف الناس» وتيار «الممانعة والمقاومة»، في إهانة واضحة للتاريخ المسجل والعقل البشري معاً.

تطورت العلاقة بين إيران «الخمينية» وإسرائيل في الثمانينات على قاعدتين من المصالح مشتركة:

الاولى: الرؤية المحيطية للاستراتيجية الإسرائيلية التقليدية منذ عهد الشاه، والتي تعتمد على تطوير العلاقات الاستراتيجية مع الدول المحيطة بالعالم العربي لتطويقه بأعداء أولهم إيران.

الثانية: الورطة العسكرية التي وجدت إيران نفسها خلال الحرب مع العراق بعد تدهور وضعها العسكري وخوف كل من الخميني وإسرائيل من أن هزيمة إيران أمام العراق ستؤدي حتماً إلى سقوط إيران في يد الاتحاد السوفياتي ووصوله المياه الدافئة، وهذا القلق كان أيضاً يساور حكومة الرئيس رونالد ريجان في أميركا وكان مبرراً رئيسياً لزيادة المبيعات السرية للأسلحة الإسرائيلية لإيران، بل حتى الأسلحة الأميركية التي انكشفت فيما عرف بفضيحة «إيران جيت»، بالتالي لا صدقية لشعار «تحرير القدس»، بل إن الخطة الرئيسة هي التوسع والسيطرة على العراق مع استمرار اعتبار، شكلياً فقط، أن الخطر الأعظم عليها هو إسرائيل، ولم تظهر إيران على خريطة أعداء إسرائيل حتى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.

في حوار لمدة ثلاث ساعات بين الخميني ومساعديه، أقرّ الخميني استراتيجية «ألا تكون إيران طرف مباشر في الصراع العربي - الإسرائيلي»، وأن يكون إسهامها محدودا، كما رفض طلب حزب الله اللبناني ومستشاري الحرس الثوري إرسال 10 آلاف مقاتل إيراني إلى لبنان حين اجتاحته إسرائيل في يونيو 1982، كما رفض عرض صدام حسين إيقاف الحرب العراقية - الإيرانية وارسال قوات مشتركة لمحاربة إسرائيل في لبنان، مصراً على أن تحرير فلسطين لا بد أن يمر بكربلاء والبصرة، بل إن موشي ديان وقادة إسرائيليين آخرين ألحّوا على الولايات المتحدة ضمان تزويد إيران بالسلاح لهزيمة العراق -على رغم شعارات إيران عن تدمير إسرائيل-، وتعهد قيام إسرائيل بتقديم معونات عسكرية لإيران، ووقفت إسرائيل العسكرية والسياسية تماماً إلى جانب إيران.

في الواقع لم تختلف إيران الخمينية عن فارس البهلوية إلا من جانب منظومة الحاكمية الداخلية التي تحولت من «الدولة القومية» التي تسعى لإحياء التراث الإمبراطوري الأخميني لقوروش الأعظم إلى «الدولة الدينية»، ولكن لم تختلف من حيث طموحات زعامة المنطقة وإن استبدلت فقط الطموح القومي الفارسي بحالة من الإسلام السياسي الشعوبي الفارسي، وبعد أن فشل الملالي في إزاحة التراث الأخميني من إيران وفشلت في فرضه على المنطقة بسبب الحساسية التاريخية بين القوميتين الفارسية والعربية، عملت بنجاح على دمج الشعوبية الفارسية مع المذهب الشيعي مع قيادة الخميني، وخرجت بنظام فارسي من حيث العمود الفقري، ولكن برأس حربة وطلائع شيعية شعوبية تخاطب ضمائر طائفة عربية وهي الشيعة، وتمكنت من عقول هؤلاء فأصبح الخروج عن إرادة الخميني هو خروج عن المذهب الشيعي ذاته ظاهراً وعداء للمصالح الفارسية باطناً، كما نجحت إيران في صناعة الوهم في عقول جزء من القوميين العرب أن إيران حليف استراتيجي لاستعادة الحقوق الفلسطينية.

التحالف الفارسي مع الغرب الاستعماري الذي تمثله الآن إسرائيل يعود للقرن الـ15، منذ الدولة الصفوية التي جعلت نفسها دولة خادمة المصالح الصليبية والاستعمارية الغربية، بل يعيدها بعض المحللين إلى العهد الأخميني، حيث حرر قوروش الأكبر اليهود من السبي البابلي، والأدبيات اليهودية تعج بالمحبة للتاريخ الفارسي، وما زال الإسرائيليون من أصل إيراني يعيشون في بيئة لغوية وثقافية فارسية داخل إسرائيل، كما يوجد داخل إيران أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل والولايات المتحدة، بالتالي لا يوجد عداء غربي - إيراني حقيقي، وأي توتر هو فقط مرتبط بالنظام الكهنوتي الإيراني وأحلامه المهدوية.

لم تكن معاداة النظام الايراني ونواياه التوسعية إحدى أهداف إسرائيل وأمريكا، بل الاستحواذ على إيران كدولة وسحبها من محيط تحالفها الحالي مع روسيا والصين بسبب أهداف عدة تتعلق بالمركزية التاريخية للحضارة الفارسية وموقعها الجغرافي وقدراتها الاقتصادية الكامنة، كما أن هذا الاستحواذ سيوجه ضربة كبيرة لطموحات التوسع الإمبراطوري الصيني عبر «طريق الحرير».

بناء على ما سبق، أي مفاوضات قادمة بين أميركا وإيران ستعمل أميركا على تحقيق الشرطين الرئيسيين لإسرائيل، وهما: نزع النووي والصواريخ، وهما كرتا إيران الرئيسيين، ولكن سيتم تعويض إيران، بهدف كسبها، بإعطائها نفوذ رسمي وقانوني على المشرق العربي لتكوين إمبراطوريتها الشيعية الفارسية، وأعتقد أن هذا هو الهدف الحقيقي لإيران، وما التلويح بالنووي إلا بهدف المبادلة، بحيث يعود الفرس ليصبحوا الحارس الرسمي للحدود الإسرائيلية الشرقية والضامن الأول لها مقابل تسليم البرنامج النووي الذي تعتقد إيران أنها غير قادرة على الاحتفاظ به، بل هو فقط ورقة مبادلة وهو ثمن بسيط بالنسبة للعقلية الغربية، ولكنه محور الطموح الاستراتيجي الإيراني منذ عهد قوروش الأكبر، وكذلك فرصة تاريخية للشيعية السياسية لتحقيق ثارات المهدي التاريخية ضد شعوب المنطقة والاستحواذ الطائفي عليها لبناء الإمبراطورية الشيعية القادمة.


الأكثر قراءة في الرأي