عبد المعطي بيومي... مجدد أصيل انتصر للمرأة والأقباط

تراث
محمد شعبان |

كثر الحديث في هذا الزمن عن تجديد الخطاب الديني، بل وتحول الكلام- في أغلب الأحيان- إلى ثرثرة فارغة. وطبيعي وبديهي أن يغيب كل ما هو جاد ومفيد في سياق هذه الثرثرة، بل وفي كل ثرثرة.


لا أذكر مرة واحدة تم استدعاء العلاّمة الراحل الدكتور عبد المعطي بيومي، العميد الأسبق لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف- عند الحديث عن تجديد الخطاب الديني رغم أن الرجل يعد واحداً من المجددين الحقيقيين بفضل اجتهاداته الجريئة والمنضبطة التي واجهت مشكلات العصر وقدمت حلولاً لا تصادم ثوابت الشريعة ولا تعاكس طبيعة عصرنا. وما أكثر استدعاء النفايات والجهالات في سياق التجديد!

تحل هذه الأيام الذكرى التاسعة لرحيل د. بيومي- توفي في 30 تموز (يوليو) 2012م- وعرفاناً بحق هذا الرجل بل وتقديراً لاجتهاداته سنحاول في السطور التالية رسم "بورتريه" لهذا الوجه التجديدي، نقف من خلاله على ملامح أو خطوط عريضة- كما تقتضي قواعد رسم البورتريه- للمنجز التجديدي عن "د. بيومي"

كان مجددنا الراحل واعياً بمكمن المشكل الحقيقي لدى المقلدين من ذوي التوجه التراثي، فيقول واصفاً الداء وعارضاً الدواء: "كثير من فقهاء الشريعة في عصرنا لا يستطيعون الخروج من بطن الحوت الذي وضعوا أنفسهم فيه وهو التقليد والجمود على آراء بعينها في مذهب بعينه في كتب الفقه القديمة وإصرارهم على التمذهب بمذهب واحد بحكم ثقافتهم التي تلقوها على هذا المذهب دون أن يخرجوا منه إلى مذاهب أو مناهج أخرى في تراثنا نفسه، يمكن أن تسمح لهم برؤية جديدة تحررهم من إسار المذهب الواحد إلى آفاق أوسع تنبع من تراثنا الفقهي القديم نفسه وتشرق على العالم الحاضر بكل مقتضيات الملاءمة معه والتجاوب مع هذه المقتضيات بما يحقق في النهاية عقيدة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان... حقاً وعدلاً وواقعاً".

حتى تتضح الصورة سنقترب أكثر وأكثر عبر تسليط الضوء على ثلاثة ملفات تبرز، بل وتكشف الأفق التجديدي الذي أبدعه عبد المعطي بيومي

أولا: الإسلام السياسي

تحت قبة البرلمان المصري وقبل أحداث 25 كانون الثاني (يناير) 2011 خاض عبد المعطي بيومي صولات وجولات ضد برلمانيي جماعة "الإخوان"، كاشفاً عن تلاعبهم بنصوص الشريعة من أجل حسابات سياسية حيناً وأحيانا نتيجة ضيق أفقهم. ونتيجة لهذه الخبرة مع نواب "الإخوان" بلور بيومي ما يمكن وصفة بنظرية سياسية إسلامية، إن جاز استخدام هذا الاصطلاح.

يقول بيومي: "الإسلام ليس له شكل محدد من أشكال الحكم. والحكم الإسلامي يقوم على أربعة دعائم هي: المساواة بين جميع الناس، والحرية المنضبطة لكل الناس، والعدالة لكل الناس، والشورى التي هي قيمة تنفّذ الآن من خلال الديموقراطية، فإذا توفرت هذه الدعائم الأربعة كان الحكم إسلامياً حتى وإن كان يطبق في دولة غير إسلامية. أما إذا كان نظام الحكم يخلو من إحدى هذه القيم أو من مجموعها فليس حكماً إسلامياً وإن سمى الحاكم نفسه أمير المؤمنين.

ويرى أيضاً: الإسلام مدني يتفق مع العلمانية في فكرة الفصل بين الدين والدولة، والغرب أخذ فكرة الفصل من ابن رشد في الأندلس، لكن تحولت عندهم إلى فصل مطلق، ولكن هناك فرق بين المدنية والعلمانية هو وجود إطار حاكم، هو المبادئ الكلية للإسلام في الدولة المدنية وهذا غير موجود في الدولة العلمانية، لذلك كانت المادة الثانية من الدستور المصري دقيقة في صياغتها حينما اعتمدت المبادئ الكلية للشريعة.

واحدة من القضايا الشهيرة التي لازمت ظهور وصعود الإسلام السياسي هي دعوة هذا التيار إلى ما سمّوه "الأدب الإسلامي" وقد رفض بيومي هذا الاصطلاح والتوجّه قائلاً: "الأدب أدب والحضارة الإسلامية احتفظت بكفريات المعري وأشعار المتنبي وبشار بن برد وغيرهم من الزنادقة، لكن المدائح النبوية يمكن اعتبارها أدب إسلامي".

ثانياً: قضايا المرأة

ورث العرب والمسلمون المعاصرون صورة شديدة التدني تجاه المرأة وحتى نكون أكثر صراحة فالمسؤول الأكبر عن هذه الصورة المتدنية للمرأة هي المدوّنة الفقهية الكلاسيكية. قد يكون للموروث الاجتماعي بل والحضاري لبلدان العالم الشرقي أثر في احتقار المرأة، لكن التراث الفقهي يظل هو الفاعل المسؤول عن هذه الحالة البغيضة.

قدم الدكتور عبد المعطي بيومي مجموعة من الفتاوى التي ناصرت ونصرت المرأة فجعلت منها "إنساناً" يقف على قدم المساواة مع الرجل. وسنشير إلى موقف بيومي من قضيتين شائكتين تبرز الوجه التجديدي لصاحب هذه الذكرى:

يظل الحديث عن "إباحة الاسلام المطلقة لتعدد الزوجات" واحدة من الموضوعات التي تُحدث غصة لدى كثيرات من بنات حواء، بل وعند تقديم الاسلام في كثير من المجتمعات المعاصرة يُحمل الأمر على وجه مسيء.

بعقلية الأصولي ومنطق المتفلسف يضع بيومي يده على موضع مشكلة التعدّد فيقول: هل أبيح تعدّد الزوجات على أنه حق أم على أنه حل؟ فرق بين النظرتين: نظرتَي الحق والحل: ففي النظرة إلى إباحته على أنه حق- كما هي غالبية المسلمين خاصة في عصرنا- فإن معنى هذه النظرة أنه يجوز للرجل في كل حال أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة كلما أراد ذلك. أما في النظرة إلى إباحة تعدّد الزوجات على أنه حل: فإن معنى ذلك أنه لا يجوز للرجل أن يتناول هذا المباح إلا إذا كانت هناك الدوافع والأسباب الموجبة أو الداعية لتناوله وما لم تتوفر هذه الأسباب والدواعي ينتقل الأمر من المباح إلى المحظور.

بعد أن يصوغ المسألة بهذه الطريقة ينتصر بيومي لفكرة أن التعدد حل وليس حق فيقول: الذي يتأمل النص القرآني الذي شرع به التعدد يدرك أنه لم ينزل أصالة أو قصداً لتشريع التعدد بل كان تشريع التعدّد فيه قصداً تالياً لقصد أساسي هو رعاية اليتامى والعدل في أموالهم، وهذا هو مسار السياق كله قبل آية التعدد وفيها نفسها وفى أولها وآخرها وفيما بعدها حيث قال تعالى قبل آية التعدد: وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيرا"... أي إثماً كبيراً ثم قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا"... فجاء نكاح النساء حلاً من الخوف من عدم العدل في اليتامى مما يرجح دلالة الآية على أن التعدد حلاً وليس حقاً. والجو الذي نزلت فيه هذه الآيات أو سبب النزول أن المجتمع الاسلامي في ذلك الوقت قد كثرت فيه الغزوات التي استُشهد فيها صحابة تركوا خلفهم ذرية ضعافاً، يتامى ويتيمات، قام الصحابة بكفالتهم وضمهم إليهم وتربيتهم ورعايتهم. فلما نزل التحذير من أكل مال اليتيم في الآية التي سبقت آية التعدّد تحرّج الصحابة من رعاية اليتامى وعزلوا أموالهم عن أموالهم وقد ترتّب على هذا الوضع بقاء اليتامى واليتيمات بلا وال يكفلهم، فنزل الأمر بالنكاح"... إذن فالتعدد في الأصل كان حلاً لمشكلات وليس حقاً مطلقاً

الحجة الثانية التي يطرحها بيومي للتأكيد على أن التعدد حلاً وليس حقاً هو أن القرآن نهى عن التعدد عند الخوف- مجرد الخوف- من عدم العدل. قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً... فلو كان التعدد حقاً لما علق على الخوف.

ومن ثم فتعدد الزوجات مثل الزواج- والكلام لبيومي- قد يكون واجباً وقد يكون مندوباً وقد يكون مباحاً وقد يكون حراماً... فهو واجب ان كانت هناك مشكلة كأن تكون الزوجة الأولى عقيماً لا تنجب أو مريضة مرضاً يمنعها من القيام بواجب الزوجية... والتعدد يكون مكروهاً إذا لم يكن ثمة داع إليه، وهو حرام إذا كانت الزوجة الأولى قائمة بواجباتها الزوجية حافظة للغيب بما حفظ الله.

ثم ينقل ما قاله الأستاذ الإمام محمد عبده: إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور.

في حدود تتبُّعي للفتاوى المعاصرة المتعلقة بحقوق المرأة لم أطالع فتوى بعمق ورصانة فتوى د.عبد المعطي بيومي التي أباح خلالها تولي المرأة رئاسة الدولة مقدماً جميع الحجج النقلية والعقلية والتاريخية التي تؤكد ما ذهب إليه.

يؤكد بيومي أنه لو سلّمنا بصحة آراء الفقهاء القديمة بعدم تولي المرأة الخلافة فهذا الأمر لا ينطبق على رئاسة الدولة حالياً فرئيس الدولة الآن موظف أو سلطة ضمن سلطات متعددة وليس خليفة قائم بأمر دول وممالك وسلاطين.

ثم يعرض لموقعة الجمل حيث خرج تحت راية السيدة عائشة ثلاثة آلاف صحابي، في حين كان مع علي بن أبي طالب أهل الكوفة، ولو كان تولي المرأة الولاية العامة حراماً ما خرج مع عائشة صحابي واحد.

اما القول في أنه لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة... فـ "لن" تفيد الإخبار عن حدث وليس النهي ولو كان المقصود النهي لقال الرسول (عليه الصلاة والسلام) لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.

ثالثاً: الأقباط أو غير المسلمين

للراحل الكبير موقف فريد فيما يخص كيفية التعامل مع المسيحيين- اقباط مصر- وغير المسلمين عموماً.

في لغة واضحة وصريحة قال بيومي: لا يوجد تفسير للقرآن الكريم يلبي حاجة المسلمين في تعاملهم مع غير المسلمين... بل ويمضي أبعد من ذلك فيؤكد: استصحاب هذه التفاسير القديمة واستمرار فهم العلاقة منها مع غير المسلمين وتشكيل هذه العلاقة في ضوء هذه التفاسير يتبعه خطورة، بالإضافة إلى ان ذلك غير مأمون العاقبة لأنه قد يؤدي إلى كراهية طائفة من الطوائف تغيرت علاقتها مع المسلمين عما كانت عليه في الماضي.

إلا أنه استثنى تفسير الإمام محمد عبده لما فيه من اجتهادات عصرية تناسب المسلمين.

على أن بيومي أعطانا درساً هاماً في هذا السياق، وهو أننا قد نجد رؤى مستنيرة في التراث يمكننا البناء عليها. ومن ثم فنظرية استبعاد القديم كله غير مجدية.

فعلى سبيل المثال في العلاقة مع أهل الكتاب يتوقف بيومي ناقلاً عن العلامة الحنفي "شمس الدين السرخسي" جواز شهادة أهل الكتاب نافياً عنهم صفة "الكفر"، ويعلل "السرخسي" هذه التفرقة بأن أهل الكتاب الذين حكم القرآن بكفرهم كانوا يعرفون نبوة سيدنا محمد ثم ينكرونها عناداً "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم"... ومن ثم فهؤلاء كفار. أما غير المسلمين بعد ذلك - كما في القرن الخامس الهجري حيث عاش السرخسي- فليسوا منكرين بل أميين ينطبق عليهم قوله تعالى: "ومنهم أمّيون لا يعلمون الكتاب الا أماني وإن هم الا يظنون".. وهذا التخريج الذي قدّمه بيومي معتمداً على اجتهاد السرخسي يحل مشكلة مازالت قائمة وهي: هل كل مسيحي ويهودي كافر؟ العقلاء يجيبون بما أجاب به بيومي وقبله السرخسي.

في حوار أجريته مع بيومي أواخر عام 2011 ونشر في جريدة روز اليوسف القاهرية سألته: هل يجوز اجتهاد المسيحي في الشريعة؟ أجاب: يجوز كما أبدع المسيحيين واليهود في الفلسفة الإسلامية وكان كاتب الدولة مسيحياً.