مصالحة الثقافة الفردية مع الاجتماعية

جاسر الحربش |

يرى علم الفلسفة الاجتماعي أن أول اهتمامات المتخصص في علم المجتمعات يجب أن تكون مصالحة العابر الدنيوي مع الدائم الأخروي، لئلا يحيى الإنسان ويموت في وهم العبثية ومن دون هدف، قياساً على ذلك يمكن القول أن من واجبات المثقف الفرد في منطقتنا التي يهمنا خروجها من الحدية والفرز المعطل للطاقات، أن يعمل على مصالحة ثقافته الخاصة مع ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه، لئلا يستمر الانفصام التوجسي بين القديم والجديد فلا يهدأ المجتمع ولا تتغير أحواله.


الثقافة الفردية هي حصيلة ما جمعه المثقف من مفاهيم وقناعات عن الحريات المدنية والمعاني الثمينة للحياة، وعن تداخل الروحي مع المادي أو انفصالهما عن بعض، وعن التسارع التقني وتأثيره في قدرة الإنسان وتمكينه من السيطرة التعميرية أو التدميرية، وعن الفنون بأنواعها وأدوارها في امتصاص متاعب الحياة وإبراز جمالياتها كإسهام في التفرغ للإبداعات العلمية والتقنية والفلسفية، وغير ذلك كثير. بهذا التعريف تكون الثقافة الفردية الخاصة في حالة سيولة دائمة مثل الحياة التي يعيشها الفرد. أما الثقافة الاجتماعية فهي حصيلة ما يرثه المجتمع التقليدي الذي يعيش الفرد المثقف بداخله عن حدود وضوابط الحريات الفردية والجماعية ومعاني الاستقرار المشترط للتعايش، وأهمية الشعائر الدينية التعبدية للناس وما تحمله نصوصها من التعاليم الأخلاقية، وعن الوجل من طغيان المادي على الروحي والخوف من سطوة التسارع التقني على الترابط الأخلاقي والتربوي للأسرة والمجتمع، وعن أهمية الفنون الموروثة عبر الأجيال والنظر إلى الطارئ عليها بحذر وتوجس باعتبار أكثره نشازاً وأقله إضافات إبداعية، وغير ذلك كثير. بهذا التعريف تكون الثقافة الاجتماعية في ما يشبه الركود والرضا عن استقرار الأحوال والرغبة في استمرارها على ما هي عليه ويخالطها التوجس من تلوث عقول الأجيال الشابة بالمستجدات المستنبتة في الداخل من بذور مستوردة من الخارج، وذلك ما يسمى رهاب التلوث الثقافي.

تناكف (أو صراع) الأجيال في المجتمعات مفهوم ومرغوب، فهو الوقود اللازم لحدوث الحركة الاجتماعية التحديثية التي تكون عادة بطيئة، تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، عندما يكون المتحكم في الحركة ليست الأجيال المتناكفة وإنما الطبقات القليلة المستفيدة من بقاء المجتمع في الزمان والمكان قدر الإمكان، ولو حتى أن هذه الطبقة لا تطبق هي هذا النمط الشعبي على نفسها وأولادها وبناتها فتتواصل علمياً وفنياً وترفيهياً مع الخارج بمعزل عن الداخل.

لكن من غير المفهوم انعزال المثقف الفرد عن مجتمعه واكتفاؤه بفردانيته أو شلته، اعتزازاً بما حصل عليه بمجهوده التثقيفي الخاص واحتقاراً للثقافة الاجتماعية التقليدية، أي قطيعة المثقف مع الموروث الاجتماعي. أعتقد شخصياً أن هذه القطيعة بين المثقف الفرد وثقافة مجتمعه من أهم الأسباب في اكتساب التخلف المؤسساتي قوته وشرعيته مستفيداً في ذلك من تكسب المثقف الفرد بالتطبيل والنفاق للطبقة الاجتماعية المرفهة التي ترتدي ثياب العصرانية والحداثة ليلاً وتلبس عباءات التقوى والأخلاق المحافظة في النهار.

* كاتب سعودي.