الدوافع التركية في الدخول على خط الأزمة الليبية

حسين معلوم * |

ضمن أهم التساؤلات التي أثارتها المعركة الدائرة منذ ثلاثة أشهر حول العاصمة الليبية طرابلس، بين الجيش الليبي والقوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني، ذاك التساؤل الخاص بأهداف الدخول التركي على خط الأزمة الليبية ودوافعه؛ والمساندة التي تقوم بها تركيا، عبر التسليح والتدريب، للقوات والميليشيات المسلحة التي تتمركز في طرابلس ومحيطها.


قد يرى البعض دوافع واضحة للدخول التركي على خط الأزمة في سورية أو العراق، ذلك أنها تتشارك معهما الحدود والجوار، إضافة إلى مسألة الأكراد التي تُقلق أنقرة. ولكن، ماذا عن ليبيا التي تبعد آلاف الكيلومترات عن الأراضي التركية؟

بدأ التدخل التركي في الشأن الليبي يتبدى شيئاً فشيئاً، خلال الأشهر القليلة الماضية؛ إذ تم ضبط عدد من شحنات الأسلحة التركية، المحمَّلة على متن مجموعة من السفن، كان آخرها تلك التي تم ضبطها في أيار (مايو) الماضي، قبل وصولها إلى ميناء طرابلس. وفي ما يبدو، فإن هذا الدعم العسكري التركي يتوجه بالأساس إلى ميليشيات ينتمي أفرادها عموماً إلى جماعات الإسلام السياسي؛ وهو بالطبع امتداد لسياسات أنقرة التي سبق أن طبقتها ولا تزال، في بعض بلدان شرق المتوسط، وأهمها سورية، إذ تُمثل الخلفية الأيديولوجية مساحة مشتركة تساعد تركيا على تنفيذ سياساتها والحصول من خلالها على مكاسب استراتيجية.

لكن، مع انهيار تنظيم "الإخوان المسلمين" في مصر، وانحسار تأثير فروعه في سورية، وحالياً في السودان، وإلى حد ما في تونس، تحاول تركيا إنقاذ ما يُمكن إنقاذه في ليبيا، خصوصاً بعد استعادة الجيش الوطني الليبي السيطرة على معظم أراضي البلاد، فيما لم يتبق سوى العاصمة طرابلس. إلا أن التساؤل حول الدوافع والأهداف التركية يظل مطروحاً، على الأقل من منظور المصالح الاستراتيجية التي تسعى تركيا إلى تحقيقها. لعل أحد الأسباب التي تدفع أنقرة إلى التدخل في الصراع الدائر على الساحة الليبية، البحث عن "منطقة نفوذ"، تستطيع بها الضغط على أوروبا؛ وهو ما يمكن أن يتحقق عبر ورقة "المهاجرين"، باعتبار أن ليبيا تُشكل حالياً البوابة الرئيسة لوصول هؤلاء إلى أوروبا؛ وهي ورقة استطاعت تركيا استخدامها من قبل عبر المهاجرين السوريين. والواقع أن ورقة المهاجرين تُمثل مصلحة استراتيجية لتركيا، التي تسعى جاهدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، المُعرِض عنها، تتمكن من خلالها من تخفيف الضغوط الأوروبية عليها، خصوصاً تلك المتعلقة بـ"حقوق الإنسان". بل، تزداد أهمية هذه الورقة بعد الإجراءات العقابية التي فرضها الاتحاد الأوروبي (على تركيا) بسبب أنشطة التنقيب عن الغاز الطبيعي التي تقوم بها أنقرة قرب سواحل قبرص.

بيد أن هذا يأتي ضمن أسباب أخرى، من بينها: أن تركيا، المُهددة أيضاً بعقوبات أميركية، بسبب صفقة صواريخ "إس 400" الروسية، والتي تضع قدماً مع "حلف الأطلسي"، وأخرى مع روسيا، وتحاول أن تجد لنفسها منطقة نفوذ على الجانب الغربي من الأراضي الليبية، تُدرك تماماً أن انتصار الجيش الوطني الليبي في طرابلس، التي تُمثل آخر معاقل "الإخوان المسلمين" هناك، يعني نهاية الهيمنة على القرار السياسي والمالي في ليبيا؛ ومن ثم، دعمت هذه "المنطقة" منذ بدايات الأزمة الليبية بفتح خط ساخن مع تنظيم "الإخوان" وعناصر الجماعة الليبية المقاتلة، من أجل استخدامها كورقة "مساومة" مع دول الجوار الليبي جغرافياً.

أضف إلى ذلك، أن أنقرة تدرك أن لا مستقبل لنفوذ تركي، عسكري وأمني، في سورية، سواء طال أمد وجودها العسكري هناك أم قصر؛ وبالتالي، تسعى إلى التموضع في ليبيا كمنطقة بديلة، أو مضافة إلى سورية كحد الأدنى، ونقل جماعات مسلحة استخدمتها أنقرة هناك لتعزيز حضورها في ليبيا، بما يمكنها من المشاركة في تحديد مستقبل هذا البلد، أو على الأقل الاستفادة من عقود الإعمار المحتملة مستقبلاً. هذا، فضلاً عن محاولة التأثير على مقاربات دول الجوار، وإزعاج مصر، بالحصول على موطئ قدم على السواحل الليبية.

من بين الأسباب، أيضاً، أن ليبيا التي تتميز بكونها أحد أكبر احتياطيات النفط في أفريقيا، تُعد بلداً مثالياً لاستيراد الأسلحة من تركيا، طالما استمر فيها الصراع العسكري؛ إذ تحظى مشروعات الصناعات العسكرية الدفاعية باهتمام الحكومة التركية، التي تخصص لها ما متوسطه 1.3 بليون دولار من الموازنة السنوية. وبالتالي، فإن تحقيق نوع من التوازن بين القوى المتصارعة على الساحة الليبية، أمر مهم بالنسبة إلى أنقرة، من حيث إن دعم القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني، وميليشيات مصراتة، يشكل فرصة لفتح سوق للسلاح التركي؛ هذا، فضلاً عن أن صراع هذه الميليشيات مع الجيش الوطني الليبي، يتيح الفرصة لاختبار السلاح التركي في مواجهة هذا الأخير.

ثم يأتي أهم تلك الأسباب، من منظور الأولويات التركية في دعمها تلك الميليشيات؛ فبالإضافة إلى محاولة الحصول على نصيب من الثروة النفطية الليبية، تضع أنقرة نُصب أعينها الفوز بحصة من الاحتياطي الهائل من الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط؛ وهو الهدف الذي يحتاج إلى حلفاء لتركيا في طرابلس. وهنا، لنا أن نلاحظ أن أنقرة التي تجد نفسها في عزلة إلى حد ما، بعدما دخلت دول الجوار في البحر المتوسط في اتفاقات لتقسيم مناطق التنقيب عن الغاز واستخراجه. وفي ظل المعارضة الأوروبية والمتوسطية للخطط التركية للتنقيب بشكل أحادي؛ تجد أنقرة نفسها مضطرة إلى محاولة التوصل لاتفاق مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، حول المشاركة الساحلية للحد من مطالبات اليونان بالسيادة البحرية على المنطقة؛ إذ، في حال الاتفاق بين طرابلس وأنقرة، تستطيع الأخيرة ترسيم حدود بحرية "غير سليمة"، لمواجهة الضغط الناشئ عن الكتلة "المصرية – اليونانية - القبرصية اليونانية"، وتستفيد من زيادة إجمالي مساحة منطقتها الاقتصادية إلى نحو 190 ألف كلم، متجاوزة بذلك اليونان وقبرص.

هكذا، تتبدى بوضوح الدوافع الاقتصادية التركية وراء تدخل أنقرة في الأزمة الليبية، ومحاولة تصعيد هذه الأزمة، عبر دعمها لحلفائها السياسيين والميليشيات المسلحة، التي تتمركز في طرابلس العاصمة؛ بداية من اللعب على ورقة المهاجرين للضغط على أوروبا، مروراً بمحاولة الحصول على حصة من عقود إعادة الإعمار في ليبيا، وكذلك تجريب السلاح التركي واختباره في مواجهة الجيش الليبي، وصولاً إلى غاز منطقة شرق المتوسط.

فهل تمتلك تركيا المؤهلات اللازمة لإدراة هذه الدوافع الكبرى؟

إذا لاحظنا تراجع أحلام العثمانية الجديدة، واضطرار أنقرة لتفكيك تحالفاتها الدولية والإقليمية وإعادة تركيبها، تحت وطأة التفاعلات الدولية في سورية، وفي ظل تضاؤل الأمل التركي في الدخول على خط الغاز السوري؛ ناهيك عن المشكلات الاقتصادية التي تواجهها حالياً، وسوف تواجهها مستقبلاً؛ إضافة إلى بعض المؤشرات الأخرى، لا يكون من العسير أن نلمح تراجع الدور الإقليمي لتركيا في المستقبل القريب.

* كاتب مصري