حدود السلطات المختلفة في إسرائيل وإشكالاتها

نبيل السهلي * |

مع ارتفاع عدد اليهود الأشكناز في فلسطين خصوصاً عبر أبواب الهجرة التي سهلتها بريطانيا، اقترح البريطانيون تشكيل مؤتمر حاخامي مشترك يضم مجلساً مصغراً لكل من الأشكناز والسفارديم، فضلاً عن مجلس حاخامي أعلى مشترك. طبق هذا النظام في عام 1921، إضافة إلى إنشاء هيكلية للمحاكم اليهودية في فلسطين وبالتحديد في مدينة القدس.‏ واستمر العمل في هذه التراتبية بعد إنشاء الدولة العبرية في شهر أيار (مايو) 1948، و ذلك على رغم إرساء أسس الأنظمة القضائية العلمانية والعسكرية، كما أضيفت إلى النظام المذكور وزارة الشؤون الدينية التي يشرف عليها الحزب السياسي الديني الذي دخل الائتلاف الحكومي، و كان يدعى سابقاً «مزراحي» ، ومن ثم لاحقاً الحزب الوطني الديني "المفدال". وقد استقر كبار الحاخامات المحليين منذ العام 1988 في مدن فلسطين المحتلة الكبرى، وبالتساوي في كل مدينة: حاخام يمثل اليهود الغربيين الأشكناز و آخر يمثل اليهود الشرقيين السفارديم. وتم أيضاً إنشاء مجالس دينية محلية في إطار وزارة الشؤون الدينية تقدم الخدمات الدينية المختلفـــة، و تشرف في الوقت ذاته على المسالخ والملاحم، وتعنى بالقوانين الشرعية المتعلقة بالمواد الغذائية داخل المؤسسات العامة، كما تقوم تلك المجالس بمراقبة حالات الطلاق والزواج. وتشير الإحصاءات الإسرائيلية خلال العام الحالي (2019) إلى أن عدد اليهود في إسرائيل بلغ ستة ملايين وستمئة ألف يهودي، منهم 40 في المئة يهود أشكناز من أصول أميركية وأوروبية، و 36 في المئة يهود شرقيين سفارديم من أصول أفريقية و أسيوية، في حين يشكل اليهود لأب يهودي مولود في فلسطين ، أي يهود "الصابرا" 24 في المئة من إجمالي مجموع اليهود في الدولة العبرية، وتعود أصول غالبية الفئة الأخيرة إلى الدول الأوروبية الغربية.‏

تضمن الإعلان الرسمي لإقامة إسرائيل في عام 1948 بنوداً حول حرية العبادة للممجموعات كافة داخل المجتمع الإسرائيلي وأصبحت وزارة الشؤون الدينية في الدولة العبرية، تشرف على مراقبة المجالس الدينية المحلية ودعمها وأيضاً تلك العائدة للجماعات غير اليهودية، المسيحية، الإسلامية والدرزية التي تصفها الأدبيات الإسرائيلية بأنها "قومية و طائفة لها عاداتها و تقاليدها وهويتها الخاصة".‏ وأنشأت السلطات الإسرائيلية في عام 1965 نظاماً مستقلاً للمحاكم الدرزية، في محاولة لتمييز هذه الطائفة عن غيرها من الطوائف غير اليهودية في الدولة العبرية، و فرضت وزارة الأديان الإسرائيلية سلطتها المباشرة على الأوقاف الدينية الإسلامية بعد أن كانت تدار من الطائفة ذاتها، كما أشرفت الوزارة المذكورة على الأقسام التابعة لوزارتي الداخلية والرعاية الاجتماعية. وإلى جانب المحاكم المسيحية و الإسلامية و الدرزية، كان هناك أيضاً نظام آخر من المحاكم الأرثوذكسية اليهودية الموازية لها، و تعمل بشكل مستقل عن المحاكم الحاخامية، و كانت هذه المحاكم تشرف على شؤون المتشددين الأرثوذكس كحزب «أغودات إسرائيل» ، و جماعة «ناطوري كارتا» و غيرها من المجموعات، إذ لم يذعن المتشددون اليهود لسلطة الدولة الرسمية، وما ينبثق عنها كوزارة الشؤون الدينية والمجلس الحاخامي في إسرائيل. وتبعاً لذلك، فإن لأعضاء حزب "أغودات إسرائيل" والطائفة التي ينتمون إليها مجلسهم الخاص المؤلف من حكماء التوراة الذي يعمل بوصفه المحكمة الحاخامية العليا للمتشددين الأرثوذكس. وفي عام 1983 حصلت تعقيدات أخرى في المؤسسة الدينية في إسرائيل تمثلت بانسحاب الحاخام الأكبر لطائفة اليهود الشرقيين السفارديم عوفاديا يوسف من المجلس الحاخامي الرسمي في الدولة العبرية، احتجاجاً على إخفاقه في عدم انتخابه لمنصبه مرة ثانية. وشكل يوسف بعد ذلك المجلس السفاردي الأرثوذكسي المتشدد و الحزب السياسي الخاص بجماعته. ودعاه "حزب شاس" أي حزب حراس التوراة، ومنذ العام 1983 لم يغب ممثلو الحزب المذكور من عضوية الكنيست الإسرائيلي البالغ عددهم (120) عضواً .‏

ويبقى القول أن المؤسسة الدينية في إسرائيل تعاني صعوبات كثيرة، يأتي في مقدمتها غياب السلطة القضائية المدنية، ذلك أن أمور الزواج و الطلاق و الإرث و التبني، تعود مرجعيتها إلى رجال الدين المسـلمين و المسيحيين و اليهود، و يعتبر ذلك من الصعوبات الكبيرة التي تواجه السلطات التشريعية في الدولة العبرية، إضافة إلى ذلك تبرز صعوبة كبيرة تتمثل في خضوع العلمانيين في الطوائف المذكورة كافة لرجال الدين فيها.‏

* كاتب فلسطيني