قرن على دكتوراه طه حسين الباريسية

تراث
صلاح حسن رشيد |

قال عنه تلميذه عبد الرحمن بدوي (1917-2002م)؛ في تقديمه للكتاب الذي أشرف على إخراجه وتحريره؛ بمناسبة بلوغ طه حسين سبعين عاماً؛ إنه: "الناقد؛ الذي استطاع أن يرسم للأدب طريقه الصحيح؛ وأنْ يتخذ سُلَّماً للقيم جديداً سامقاً؛ وأن يوجِّه الأدب والنقد في الاتجاه الأصيل الخصب الحي؛ الذي من شأنه أن يدفع الإنتاج العربي في صدر الركب العالمي؛ وأن يرفعه إلى المستوى الإنساني؛ ولهذا أصبح المُوْقِظ الأكبر للعقل العربي".


لو لم يذهب طه حسين إلى باريس؛ وعاش في مصر؛ بعد حصوله على درجة الدكتوراه من الجامعة المصرية في عام 1914م؛ لكان مثل أقرانه؛ فلا يزيد عنهم إلا كما يزيد المخيط (الإبرة) إذا أُلْقِيَ في البحر! فلمّا رأت عين طه حسين فرنسا؛ بقلبه وفكره ووجدانه؛ وعاينها معاينة الفيلسوف المؤرخ الفنّان؛ الذي يسأل عن الأسباب؛ ليجد المُسبِّبات؛ ويرصد الظواهر والأحداث؛ فيحللِّها؛ ويُفسِّرها؛ وينظر إلى الطبيعة؛ فيكتشف أدق تفاصيلها؛ ويستخرج منها الأصيل من الزائف؛ الجوهر من العَرَض؛ ويُعيد تشكيلها من جديد؛ وكأنها لم تكن موجودة.. حينها؛ أدرك طه حسين؛ أنه قارع طبول الحرب الفكرية على كهوف العزلة العربية؛ فكان ما كان من جهاد طه الفذ؛ ودوره الأغر؛ بسبب باريس؛ وما أدراك ما أحدثته باريس على فتى مصر النابه البصير؟!

إذاً؛ فلو لم يذهب طه إلى فرنسا؛ لكان مثل غيره؛ ولكان إنتاجه مثل إنتاج أقرانه وتلامذته: زكي مبارك، وصبري السربوني، وأحمد ضيف، وأحمد أمين، وفؤاد الأهواني، وبيومي مدكور، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الحميد العبّادي، وعلي الجارم، وتوفيق الحكيم، وغيرهم؛ لكنه زاد عليهم؛ بعد أن زار باريس؛ وعاش فيها؛ فعاين آثارها ومتاحفها؛ وعرف شوارعها، ومفكريها؛ وناقش أبناءها؛ واحتكَّ بالعقلية الغربية في كل عصورها؛ وعرف مناهج الغربيين في النظر والاستدلال؛ ومذاهبهم في الفن والفلسفة والأخلاق والأديان؛ وأيقن أنَّ الحرية المسئولة هي فخر الغرب؛ بعد أنْ كانت قبلُ فخرَ العرب زمن؛ حضارتهم العظيمة الغابرة!

ويدهش الباحث كثيراً؛ ويُصاب بالحَيرة؛ إذْ كيف أصبح طه حسين فقط؛ هو حامل جرثومة الجديد والتجديد بلا مُنازَع؛ في حين أنَّ كثيرين غيره؛ قصدوا وجه باريس؛ وحجُّوا إليها فكرياً وفنياً؛ ونالوا منها درجات التبريز والدكتوراه مثل طه حسين؛ فلماذا كان هو فقط المُخَوَّل؛ بالنَّفخِ في صور البيئة العربية الصدئ؛ وبالجهر ليلاً نهاراً؛ من خلال مؤلفاته، ومعاركه؛ لإيقاظ العرب والمسلمين؛ من نومهم الكهفي الطويل؟! ولماذا كان تأثيره مُدَوِّياً؛ وقلمه يحظى بالمتابعة والرد والمساجلة؟! لأنه طه حسين؛ الذي جمع في نفسه: نفس أديبٍ؛ ونفس فيلسوفٍ؛ ونفس مُحارِبٍ؛ ونفس مُجَدِّدٍ؛ في آنٍ معاً! أمّا غيره؛ فكانوا أقلَّ منه في كل جانب من هذه الجوانب الأربعة!

ومن مُفارقات القدر المُتتابعة؛ التي؛ لا تُفَسَّر؛ أنَّ ميلاد كل كتابٍ؛ لطه حسين؛ لا؛ بل لا أُغالي؛ إذا قلتُ: كل مقالةٍ له؛ كانت تُحَرِّك الحياة الفكرية والأدبية الهامدة القاحلة في مصر والعالم العربي وقتها!

فهذا الرجل العظيم؛ كان كل رأي له؛ يُقيم العالم العربي؛ ويُحْدِث لغطاً وتأثيراً؛ وشدّاً وجذباً؛ في كل الأوساط: المحافظة، والليبراية؛ الدينية والعلمانية؛ الأدبية والأكاديمية؛ الخاصة والعامة! كان المجتمع وقتها؛ لا يقوى على الجهر بمثل آراء طه حسين؛ فكيف احتمل طه حسين كل تلك المهاترات، والمعارك، والمحاكمات، والمؤلفات؛ بحقه؟! وكيف استمرَّ يخوض المعارك؛ ولا يأبه لأحدٍ؟! وما هي القوة التي حملها بين جنبات نفسه؛ فأمدَّته بهذه الجسارة، وتلك الجرأة؛ في عصرٍ؛ كان أشجع الشجعان؛ لا يقوى على كتابة كتابٍ واحدٍ على غِرار طه حسين؟!

فلا شكَّ؛ أنَّ طه حسين؛ كان موهوباً؛ وكان يعرف أنه عبقري؛ إلا أنَّ الشيء الذي أميل إليه بشدةٍ؛ هو أنه كان مؤيَّداً من السماء؛ في كل ما خاض، وناضل، وحارَب؛ لإحداث شرارة النهضة؛ ولتبليغ رسالة اليقظة؛ ولتعليم الأجيال التالية؛ كيفية المنهج، وما سبيله؛ ما هو البحث، وما هو أسلوبه؛ ما التأليف، وما هي طريقته؟! تلك كانت فضائل باريس على طه حسين؛ ويا لها من مكارم وأفضال؛ أحسَنَها طه حسين؛ وعرف كيف يفيد منها؛ فكان تأثيره الطاغي؛ وكان أسلوبه الساحر؛ وكانت مؤلفاته؛ التي خنقت القديم البالي؛ وأجهزت عليه؛ فأحالته إلى التقاعد؛ فرحمة الله على طه المُلْهَم؛ الفنّان؛ الفيلسوف؛ المُحارِب؛ العبقري.