تحول أحكام الأوقاف من الفقه إلى القانون

(الحياة)
إبراهيم البيومي غانم |

ظلَّ فقه الوقف الموروث هو المرجعيةُ القانونية بلا منازعٍ لكل ما يتعلق بنظام الوقف ومؤسساته إلى نهايات القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي تقريباً. ولم تظهر اجتهاداتٌ معتبرة من أجل تقنين هذا الفقه وتيسير الإفادة منه والاحتكام إليه في ساحات المحاكم إلا عندما وضع محمد قدري باشا في عهد الخديوي إسماعيل في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري كتابه: "قانون العدل والإنصاف في القضاء على مشكلات الأوقاف" (اشتمل على 646 مادة). وما حدث لفقهِ الوقف، حدث أيضاً لبقية فروع الفقه في المعاملات والجنايات؛ ففي الفترة نفسها بدأت جهود تقنين الأحكام الشـــرعية تظهر من خلال مجلة الأحكام العدلية التي أصدرتها الدولة العثمانية، وهي تعدُّ أول تقنين تم بموجبه وضع الأحكام الفقهية في العصر الحديث صورة مواد قانونية مرتبة ومنظمة وفق ترتيب التشريعات الحديثة.


ورغم تعدد الرؤى والاجتهادات المذهبية/ الفقهية التي حكمت نظام الوقف، إلاّ أن الممارسة الاجتماعية على امتداد البلدان الإسلامية، وعلى طول تاريخ نظام الوقف، تكاد تكون واحدة من حيث آثارها الفعلية، وبخاصة من حيث إسهامها في بناء ودعم كثير من مؤسسات المجتمع الأهلي/ المدني، ومن حيث الممحافظة على التوازن بين المجتمع والدولة وتقويتهما معاً.

وقد أتاح الاختلاف المذهبي في فقه الوقف مجموعة من الاختيارات أمام أفراد المجتمع وفئاته للأخذ بأكثر تلك الاجتهادات ملاءمة لظروفه، وأقدرها على الإسهام في تلبية احتياجاته، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد كانت نقطةُ التحول الأساسية في الإطار التشريعي للوقف؛ ومن ثم في الممارسات المدنية الاجتماعية المرتبطة به، هي عمليةُ تقنين أحكامه في عدد كبير من البلدان، ومنها البلدان العربية. وقد جاء هذا التحول الكبير في موجتين كبيرتين:

الموجة الأولى بدأتها مصر بإصدار أول تقنين حديث للوقف في العالم العربي، وهو القانون رقم 48 لسنة 1946م، وتلتها كل من الأردن بقانون للوقف في سنة 1946م، ولبنان بقانون للوقف في سنة1947م، وسوريا بقانون في سنة 1949م، والكويت بمرسوم قانون للوقف في سنة1951م.

والثانية بدأتها السودان بقانون الوقف الخيري رقم 116 لسنة 1970م، وتلتها ليبيا بقانون للوقف رقم 124 لسنة 1972م، ثم الجزائر بإصدار قانون الوقف في سنة 1991م، وتلتها كل من اليمن في سنة 1992م، وقطر في سنة 1996م، وموريتانيا في سنة1997م، والإمارات العربية في سنة 1999م، وسلطنة عمان في سنة 2000م، والمملكة الأردنية، التي أصدرت في سنة 2001م تقنيناً جديداً احتوى على عدد مهم من الاجتهادات في طرق الإدارة والاستثمار والإعمار في الأعيان الموقوفة. وأصدرت المملكة المغربية الظهير الشريف رقم 1.09.236 المؤرخ في 8 ربيع الأول 1431هـ ـ 23 شباط (فبراير) 2010م، في شأن الأوقاف. وأخيراً أقرت الإمارات العربية قانونا جديداً للوقف في سنة 2017م.

وإذا كان الفقه الإسلامي قد أنتجته ولا تزال تنتجه نخب متعددة الاختصاصات من علماء الشريعة لصالح الإنسان والمجتمع، فإن القانون الحديث تنتجه للمجتمع نخبٌ سياسية وقانونية متعددة في توجهاتها ومتباينة في مصالحها، وإن ظلت موحدة فيما تصل إليه عبر مؤسسات الدولة المركزية الموحدة. ولهذا فإن التعددية هي أوضح سمات الفقه، ومرونة الاختيار من بين الاجتهادات الفقهية هي أهم مميزاته، ورعاية حرية الفرد والمجتمع هي أهم ثمراته. أما القانون فإن "وحدته" هي أهم سماته، والالتزام الجماعي به هو أهم مميزاته، وضبط النظام العام هو أهم ثمراته.

ينتمي الفقه في عمومه إلى منظومة فكرية تعددية ومرنة وذات طابع اجتماعي إنساني منفتح؛ بينما ينتمي القانون إلى منظومة فكرية واحدية وجامدة نسبياً، وذات طابع دولتي/رسمي مغلق، وأحياناً يجنح القانون الوضعي إلى تكريس العنصرية ونزعة الاستعلاء على الغير. وإذا أدركنا هذا الفرق الجوهري بين البنية المعرفية الفقهية والحكمة منها، والبنية المعرفية القانونية وفلسفتها؛ سيكون ممكناً التمييز بين حالة الأوقاف وهي محكومة بالفقه التعددي، وحالتها وهي خاضعة للقانون الواحد. ولاختبار هذه الفرضية، يمكن توجيه النظر إلى عديد من مسائل الأوقاف بمنظور مقارن بين معالجتها في الفقه ومعالجتها في القانون، ومن ذلك مثلاً مسألة الولاية على الوقف، وهي أشمل من النظارة عليه.

والولاية على الوقف نوعان: ولايةٌ عامةٌ؛ وهي معقودة للقضاء قولاً واحداً. وولايةٌ خاصةٌ؛ وهي معقودة للواقف أصالةً؛ أو لمن ينيبه الواقف أو يوكله، ثم لمن يقيمه القاضي بموجب حكم نهائي واجب النفاذ. وفي جميع الحالات فإن الأصلَ الأصيلَ للولايةِ على الأوقاف وإدارتها هو أنها "أهليةٌ" "مجتمعيةٌ"، وليست "حكوميةً"، أو "دولتيةً". هي للمجتمع المدني، وليست للحكومة ومجتمعها السياسي (الرسمي) إلا على سبيل الاستثناء، وفي حالات خاصة تختلف من عصر إلى عصر، ومن بلد لآخر، بل ومن وقف إلى وقف.

وقد تبلورت أحكامُ الولاية على الأوقاف بأنواعها تلك في ضوء بيئة تشريعية صاغها الفقهاء، وطبّقها القضاة الشرعيون على مر الزمن في مختلف بلدان العالم الإسلامي. وأسهم المفتون في حل بعض مسائلها ومشكلاتها، وتقبلها عموم الناس وتفهموها إلى حد كبير؛ إلى أن تراجعَ نظام الوقف برمته منذ منتصف القرن العشرين الماضي، وأضحى خاضعاً لمرجعية قانونية موحدة تحت مركزية الدولة وبيروقراطيتها العامة. وهذا التحول الكبير هو الذي يفسر أغلب ــ وليس كل ــ مظاهر التدهور مؤسسات الأوقاف، ويكشف عن أسباب فقدان فعاليتها في ظل الدولة المركزية الحديثة في مجتمعات أمتنا الإسلامية.

ولما عاد الاهتمامُ بنظامِ الوقف الخيري الإسلامي ـ منذ الربع الأخير من القرن الرابع عشر الهجري/ ثمانينيات القرن العشرين الميلادي ـ تبين أن البيئة التشريعية لهذا النظام هي مظهر من مظاهر أزمته المعاصرة من جهة، وهي أيضاً سبب رئيسي من أسباب تلك الأزمة من جهة أخرى. وليست البيئةُ التشريعيةُ إلا أحدَ أوجه التعبير عن مركزية الدولة الحديثة والمعاصرة في مجتمعات أمتنا الإسلامية.

ما قبل ذلك، وما هو أهمُّ منه هو: أن تاريخ نشأة "نظام الوقف" في العهد النبوي، يوضح أن "تشريع الصدقة الجارية" كان أول لبنة في بناء هذا النظام العريق. والأحاديثُ والآثارُ المروية عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة في هذا الباب، ومنها مارواه مسلم "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية...إلخ". وقد قام الفقهاءُ بعد ذلك بتفصيل معالم "البيئة التشريعية" للأوقاف، وعلاقة تشريع/ قانون الصدقة الجارية بغيره من التشريعات، وبخاصة تشريعات الميراث، والوصية، والهبة، والزكاة، وأنواع مختلفة من الضرائب والرسوم الأميرية. ومن ثم؛ لم يكن غريباً أن يكون بابُ الوقف هو أول باب من أبواب الفقه يستقل بكتب خاصة به في تاريخ نشأة وتطور التدوين الفقهي. وكان أولها ظهوراً في منتصف القرن الثالث الهجري تقريباً، وهو كتاب "أحكام الأوقاف" لهلال الرأي، ومن بعده ببضع سنوات كتاب أحكام الأوقاف لأبي بكر الخصاف الحنفي. وهذا يعني أن العلماء وأئمة الفقه؛ أو قادة المجتمع المدني ــ بمفهومنا المعاصر ــ ومعهم المتطوعون بالوقفيات هم الذين قاموا بالدور الرئيسي في صوغ القواعد الإجرائية والعملية المنظمة للأوقاف ومؤسساتها.

في بحوث سابقة لي ــ عن نظام الأوقاف ــ انتهيتُ إلى أن الولاية على الأوقاف هي من أهم المسائل التي تحتاج إلى بحوث متعمقة تستهدف تخليص نظام الوقف من الرواسب السلبية لنمط الولاية الفردية/ العائلية وهي ولاية تقليدية موروثة من العصور السابقة. وانتهيتُ أيضاً إلى أن فاعلية الوقف ارتبطت بمقدار إسهامه في تحقيق المقاصد العامة للشريعة. وقد كَشَفَتْ وقائعُ الممارسة الاجتماعية للوقف عن أنه لا يكفي وجود تلك الصلة على المستوى النظري حتى يكون النظام فعالاً في الواقع، ومؤدياً لأهدافه، بل لا بد من توافر شروط عملية أسميناها شروط الوقف الفاعل، وهي تتلخص في: المؤسسية، واستقلالية الإدارة وكفاءتها(الولاية على الوقف) والتمويل، واللامركزية. ومن هنا تتجلى أهمية التشريعات الوقفية الحديثة في تطوير نظم الولاية على الوقف وضبط اختصاصاتها بحيث تجمع بمرونة ثوابت هذا النظام، ومتغيرات الواقع.

لقد بقي التعامل مع أحكام الوقف عامة دون محاولة تقنينها إلى بدايات القرن الرابع عشر الهجري/مشارف القرن العشرين الميلادي ـ شأنه في ذلك شأن كـــثير من العقود والتصرفات التي هي بحاجــة إلى التقنين الإلزامي الرسمي ـ وشهد الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري/ الأخــير من القرن التاسع عشر ظهور بوادر تقنين الأحكام الشـــرعية من خلال مجلة الأحكام العدلية؛ وهي تُعدُّ أولَ تقنين تم بموجبه وضع الأحكام الفقهية في صورة مواد قانونية مرتبة ومنظمة، وأخذت طريقها إلى التنفيذ الرسمي الملزم في بعض بلدان الأمة الإسلامية.

ورغم تعدد الرؤى والاجتهادات المذهبية/ الفقهية التي حكمت نظام الوقف، إلاّ أن الممارسة الاجتماعية على امتداد مجتمعات الأمة الإسلامية، وعلى طول تاريخ نظام الوقف، تكاد تكون واحدة من حيث آثارها الفعلية، وبخاصة من حيث إسهامها في بناء ودعم كثير من مؤسسات المجتمع الأهلي/ المدني. وقد أتاح الاختلاف المذهبي في فقه الوقف درجة عالية من المرونة، ووفر مجموعة كبيرة من الاختيارات أمام المجتمع للأخذ بأكثرها ملاءمة لظروفه، وأقدرها على الإسهام في تلبية احتياجاته، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد كانت نقطة التحول الأساسية في الإطار التشريعي للوقف - ومن ثم في الممارسات المدنية الاجتماعية المرتبطة به، هي عملية إدماج الأوقاف في مركزية الدولة وسيطرتها الشمولية. وكان أوضح مظهر لهذا الإدماج هو"تقنين" فقه الوقف في عدد كبير من بلدان الأمة.

وتتيح لنا تلك التشريعات الحديثة المقارنة فيما بينها على النحو الذي يساعدنا في التعرف على خصائص البيئة التشريعية للأوقاف وأهم مشكلاتها. وتتيح لنا كذلك التعرف على الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي ترتبت على هذا الانتقال من الفقه إلى القانون في أحكام الأوقاف ومؤسساتها الخيرية. ويمكن كذلك اختبار أطروحة المرونة والجمود في الوقف ومؤسساته في سياقات الانتقال من الدولة التقليدية/ السلطانية، إلى الدولة الحديثة/ المركزية.