المصرية نجاة علي تلعب بالصور

المصرية نجاة علي تلعب بالصور
محمد سمير عبد السلام |

تحتفي قصيدة النثر – في مشروع المصرية نجاة علي الشعري – بتعددية القوى المشكلة للنسق العلاماتي للنص؛ والتي تذكرنا بتصور دريدا للكتابة الأولى، وبحديث بارت عن لذة النص، وكذلك بإشارات كريستيفا إلى إنتاجية المحتمل الدلالي في كتابها "علم النص".


ولا ينفصل صوت الذات المتكلمة – عند نجاة علي – عن الفضاء السيميائي في النص الشعري؛ الذي يؤسس لمراوحة تصويرية محتملة بين الصوت، وتعددية الفضاء، والحضور الشبحي للذات، والآخر؛ والذي يؤكد استراتيجية اللعب طبقاً لدريدا في تداعيات النص. فالذات تراقب حضورها كعلامة قابلة للتحول، والاستبدال في نسق القصيدة السيميائي، بينما تورط القارئ الضمني، والقراء المحتملين في اللعبة نفسها التي تجمع بين بنيتي الحضور والغياب؛ تقول في نص "قبور زجاجية" ضمن مختارات أصدرتها لها الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة أخيراً: "لعلي صرتُ الآن شبحاً خفيفاً قادراً على التحرك بخفة في الظلام، من دون أن يصطدم بهذا الأثاث القديم الذي ملأ البيت، وجعل منه مقبرة عظيمة".

تمارس الذات نوعاً من الاختفاء اللعبي الجمالي الذي يمزج الوجود بالتشبيه طبقاً لتصور بودريار، ويصير البيت كمحتمل دلالي سيميائي، وتصويري، يشير إلى التعددية البنائية التي تفكك بنية الفضاء الأولى؛ فالبيت قبر، والقبر بيت، والسكون يشير إلى حياة صاخبة بحضور شبحي آخر في المشهد. وتبدو هذه الملامح والثيمات الفنية واضحة في المختارات الشعرية نفسها، إذ تنسج كتابة نجاة علي خطاباً شعرياً طليعياً، يؤسس لخصوصية سيميائية، ولغوية في مسيرة قصيدة النثر العربية. إذ يقوم الخطاب الشعري للذات المتكلمة على تفكيك المركز، والسخرية ما بعد الحداثية، وتداخل الفضاءات الحلمية، واليومية، والافتراضية، والفنية، وصيرورة السرد الشعري، والمراوحة التصويرية بين الذات، وتمثيلاتها الجمالية المحتملة، أو المستعادة من تاريخ الفن، أو من عوالم اللاوعي، وأخيلة اليقظة الأنثوية. ويؤكد خطاب نجاة علي الشعري تجاوز الخطاب الأبوي، ونسقه الرمزي، والبحث عن رؤية شعرية أنثوية للآخر، ولعلامات الحياة اليومية، ولشخصيات الفن، والفكر، والتراث الثقافي، بينما تمارس نوعاً من السخرية الإبداعية إزاء مدلول الذات نفسه، وقد تؤكد التناقض النيتشوي الداخلي في العلاقة بين الحضور، والغياب، والحضور الطيفي في التداعيات السيميائية للنص.

نكاد نلمح – إذن – انبعاثاً أدبياً للأطياف، والشخصيات الفنية في مسافة تقع بين الواقع، والوعي، واللاوعي، وقد تعيد تمثيل الذات، أو تحاورها خارج البنى الزمكانية المحدودة؛ إذ تستعيد المتكلمة أطياف إليكترا، وأوريست، وفرويد، ولاكان، وشخصية ساعي البريد في رواية "الصبر المحترق" للروائي التشيلي أنطونيو سكارميتا في علاقته الفنية بصورة الشاعر بابلو نيرودا، وأخيلته، فضلاً عن الحضور الطيفي التأويلي للكاتب، والمترجم الراحل سيد عبد الخالق في الأثر الجمالي للمقهى. وكأن الخطاب الشعري يؤسس لتفاعل مفتوح بين الصور، والأصوات المحتملة، والفضاءات الملتبسة بين الوجود، والغياب؛ ليفكك بنى الذات، والعالم، والزمكانية، ومركزية الوجود عبر احتمالاته، وصوره، وأطيافه التأويلية الخفية في المشهد الشعري، وصيرورة علاماته، وتحولاتها السردية الاستعارية. يستدعي خطاب نجاة علي الشعري الأطياف بصورة إنتاجية علاماتية، وتاويلية في آن؛ كي تكشف المتكلمة عن اتساع مدلول الوجود، وتعدديته، وعن اللقاء الإبداعي بين مجالي الفن، والواقع؛ فقد يبدو السياق الواقعي مثل خشبة المسرح، أو يستحيل المقهى إلى أثر جمالي يجمع بين التجسد، والغياب، وقد تتصارع أطياف إليكترا، وأوريست، وكليمنسترا في مستوى اللاوعي، وتذكرنا بنصوص "ثلاثية أوريست" لإسخيلوس، أو "الذباب" لسارتر، ولكن بصورة إنتاجية وتمثيلية، وخفية، تبدو في صيرورة المتكلمة، وتأويلاتها، وانطباعاتها الشعرية في الخطاب. وقد استعاد دريدا طيف والد هاملت في دراسته عن أرشيف فرويد، أو أثره؛ إذ يرى أن خطاب الباحث الياباني ييروشالمي إزاء فرويد هو خطاب – في الحقيقة – لشبح فرويد، ويشبه حث مارسيليوس لهوراشيو بأن يتحدث إلى شبح الأب.

يكشف دريدا عن الحضور المجازي للأطياف، وتداخلاتها المعقدة في الفضاءات الزمكانية الواسعة؛ وسنجد أن الصور الحلمية، ونتف الذاكرة، وأخيلة اليقظة ستولد أطيافاً مجازية أخرى في نصوص نجاة علي؛ فصوت المتكلمة يبرز هويته التمثيلية من داخل تخييل الآخر، أو النماذج الفنية، أو الصور النيتشوية اللاواعية التي تجمع بين الموت المحتمل، والعشق؛ مثل صورة القصَّاب في نص "القصَّاب"، وصورة القبر في نص "ضجيج الموتى".

وتشير عتبة العنوان إلى لعب المنظور الشعري في إدراك العالم؛ فالتمزق الديونيسي يختلط ببهجة اللعب الأولى في تكوين الطيف/ الشبح في المنظور الذي يراقب العالم شعرياً من خلف مادة زجاجية، تستنزف مركزية الصمت في بنية مشهد القبور؛ تقول نجاة علي: "سأضيع الوقت مع الساقطين من أمثالي، سنتفرج معاً على جنازات حقيقية سوف تمر، ودفن حقيقي، وأشباح تتمرغ بمتعة في التراب. ما أجملها تلك الكوميديا المثيرة مع التراب، ومع الموتى" ص 104.

ارتكز الخطاب على فعل الفرجة، وعلى صمت الموتى المفكك الذي يستحيل - بفعل النسيج السيميائي للنص، وتداعياته - إلى بهجة، أو ولادة جديدة، ومؤجلة في آن.

وتتشكل الهوية الاستعارية للذات المتكلمة من داخل الالتباس الأصلي بين اليومي، والفني، والحياة المحتملة لشخصيات الفن التي تذكرنا بمتاحف مالرو، ومذكراته المضادة؛ فالذات تفكك مركزية حضورها الخاص بأن تحيلنا – في الخطاب – إلى شخصيات فنية تبدو ملتبسة بأخرى أيضاً، وتقع بين الداخل، والخارج؛ ومن ثم تذكرنا بشخصيات مسرح غروتوفسكي الطقسي؛ حيث يتحرر الصوت روحياً، وينفتح على الآخر؛ تقول في نص "إليكترا": "هي أيضاً لم تلعب/ دور الضحية كاملاً/ كما طُلِب منها/ كانت تهرب كلما استدرجها بثقة/ للمشهد الأخير/ وتسخر منه/ كلما حدثها عن إليكترا/ قرينتها القديمة/ تلك التي منحتها وخزات غائرة في/ الرأس/ وعلَّمتها كيف تحيا/ بأعضاء معطلة" ص 70، 71.

يولد العرض المسرحي، أو يتجدد من داخل صيرورة اليومي، وشعرية التجربة الأنثوية التي تجدد علامات الماضي في سياق زمكاني آخر؛ وتذكرنا بالمحاكاة الساخرة ما بعد الحداثية في تصور ليندا هاتشون؛ وإن كانت الذات تمارس هنا نوعاً مضاعفاً من السخرية؛ إذ تستعيد تمثيلات إليكترا التفسيرية الاستعارية من جهة، وتسخر من هذه الاستعادة نفسها من جهة أخرى. ويبدو الحضور الطقسي لشخصية إليكترا – في النص – في التباسها بآلام المتكلمة الذاتية اليومية، وبصورة الضحية التي تذكرنا بتضحية "أغاممنون" بابنته "إيفيغينيا" في "ثلاثية أوريست" لإسخيلوس، أو بتضحية أوريست نفسه في رؤية سارتر التنقيحية التأويلية لشخصيته في نهاية مسرحية "الذباب". إن آلام التضحية تمتزج بحكمة تمثيلية صامتة في المشهد اليومي الفني في النص. وتستعيد المتكلمة الحضور الشعري لكل من فرويد، ولاكان في سياق حوارها مع الآخر، واستعادة أطياف الأب، ومقاومتها في آن. إنها تستنبت طيف الأب من الغياب، وتقاوم منطق الآخر الأبوي في فعل مقامرة شعري أنثوي؛ يؤكد خصوصية الهوية، بينما يستنزف مركزيتها في اللقاء بين اليومي، والجمالي على المقهى.