الأيوبيون في كتابات المؤرخين السريان

الأيوبيون.jpg
عبدالحميد صبحي ناصف |

تشهد الساحة الثقافية في منطقتنا العربية حركة نشر محمومة وخاصة للأقليات غير العربية أو غير الإسلامية، وبخاصة في العقد الحالي الذي نحياه ومن بين هؤلاء القوميات يأتي أكراد العراق في المقدمة نظراً للدور الملموس والمشهود لهم في مجال النشر باللغة الكردية أو العربية وهناك دور نشر متخصصة في شمال العراق (أربيل والسليمانية) كدار موكرياني ودار للطباعة والنشر، وقد أصدرت الأخيرة دراسات عدة مهمة تحتاجها المكتبة العربية نذكر منها: رحلة في الثقافة الكردية، القضية الكردية ماضي الكرد وحاضرهم، المسألة الكردية، مبحثان على هامش ثورة الشيخ عبيد الله النهري، نناشد صلاح الدين أم نحاسب أنفسنا؟ دراسات عن بعض الأصول الكردية، كردستان في عهد المغول، كردستان في عهد الدولة العثمانية، كردستان في سياسة القوى العظمى، وغيرها من الدراسات بأقلام متخصصين كرد ومستشرقين روس وغربيين.


وقد أصدرت دار النشر موكرياني في أربيل نحو 672 كتاباً بالكردية والعربية وفي سلسلة "الكورد وكردستان في المصادر التاريخية"، أصدرت كتابين؛ الأول بعنوان "الأيزيديون في كتابات الرحالة البريطانيين"، والثاني "الأيوبيون في كتابات المؤرخين السريان" للدكتور مهدي صالح سليفاني. لم يجد سليفاني دراسة أكاديمية متكاملة بحثت تاريخ الأيوبيين في مدونات المؤرخين السريان عدا معلومات متناثرة بين بعض البحوث، وعليه رأى البحث بين مؤلفات عدد من المؤرخين السريان للخروج بتاريخ الأيوبيين من وجهة نظر هؤلاء المؤرخين، بخاصة وأن المؤرخين السريان شاركوا بفاعلية في تدوين تاريخ الشرق الأدنى الإسلامي لكونهم يمثلون جزءاً أصيلاً من النسيج السكاني لهذه المنطقة له خصوصيته الحضارية من لغة ودين.

وبعد البحث والتقصي استقر المؤلف على أعمال أربعة مؤرخين سريان تناولوا فترة بني أيوب في مؤلفاتهم وهؤلاء هم: مار ميخائيل السرياني (ت 1199م) وتاريخه الذي يقع في ثلاثة مجلدات تتضمن 21 مقالاً مقسمة إلى مجلدات طبعت في حلب عام 1296، والرهاوي المجهول (كان حياً 1234م) الذي اعتمد على أول ترجمة عربية منشورة له قام بها ألبيرابونا عام 1986، والمكين جرجس (ت 1273م) المشهور بابن العميد، المولود في القاهرة وصاحب كتاب "المجموع المبارك" في جزأين يهمنا منه جزأه الثاني الذي طبع مبكراً في أوروبا وصولاً إلى تحقيق المستشرق الفرنسي كلود كاهن. حقق كاهن تاريخ الأيوبيين فقط من الجزء الثاني ونشره باسم "أخبار الأيوبيين" في المعهد الفرنسي في دمشق عام 1958. المصدر الرابع الذي كان أساس عمل سليفاني هو للمؤرخ غريئوريوس (ت1286م) الملقب بابن العبري الذي تميَّز بغزارة إنتاجه الفكري، ويهمنا ما كتبه في مجال التاريخ وهما كتابان: الأول "تاريخ الزمان" كتبه بالسريانية والثاني ألفه بالعربية وسماه "تاريخ مختصر الدول"، وبالنسبة للأول فتعود أهميته إلى أنه يتعلق بنهاية الدول الأيوبية والغزو المغولي لبلاد الشام والجزيرة ولكون ابن العبري أحد المؤرخين المعاصرين وشاهد العيان للكثير منها، ولقد تأخرت ترجمة تاريخ الزمان إلى العربية حتى منتصف القرن الماضي عندما قام الأب أسحق أرملة بترجمة أجزاء منه تحت عنوان "تاريخ الدول السرياني" نشرها تباعاً في مجلة المشرق البيروتية في الفترة (1949– 1956) ثم أعيد نشرها ثانية بعنوان تاريخ الزمان في كتاب منفرد عام 1986 ثم أعيد طبعها ثانياً عام 1991.

وبالإضافة إلى تلك المصادر الأربعة فقد رجع المؤلف إلى مصادر ومراجع أخرى منها: "سنا البرق الشامي"، و"الكامل في التاريخ"، و "النوادر السلطانية" و "المحاسن اليوسفية" و "مرآة الزمان في تاريخ الأعيان" و "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" ومراجع ودراسات أخرى عربية وإنكليزية، وبالنسبة إلى المنهجية العلمية التي اتبعها فقد كانت تحليلية نقدية قائمة على أساس قراءة الروايات السريانية قراءة دقيقة ومكثفة ثم نقدها نقداً أكاديمياً ومقارنتها بروايات المؤرخين المسلمين لاسيما المعاصرون للدولة الأيوبية وتحديد مكامن الاختلاف والتوافق فيما بينهم للخروج بصورة التاريخ الأيوبي في نظر المؤرخين المسيحيين السريان ولتحقيق ذلك قسم المؤلف دراسته على أساس التسلسل الزمني للأحداث التاريخية إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة على النحو التالي: تضمنت المقدمة عرضاً لأهمية موضوع الأطروحة وسبب اختياره وتحليلاً لأهم المصادر والمراجع المعتمد فيها، الفصل الأول الموسوم بـ "المؤرخون السريان ومصادرهم في تدوين التاريخ الأيوبي" قسم إلى مبحثين، تناول الأول تعريفاً بالمؤرخين السريان قيد الدراسة وهم أربعة، ميخائيل السرياني والرهاوي المجهول وابن العميد وابن العبري. حيث وقفنا فيه بشيء من التفصيل على السيرة الشخصية للمؤرخين وتعريفاً بكتبهم ومخطوطاتها.

أما المبحث الثاني من هذا الفصل فخصص لدراسة مصادر المؤرخين السريان في تدوين أخبار بني أيوب. أما الفصل الثاني "المؤرخون السريان وظهور الأيوبيين في مصر" فقد قسم بدوره إلى مبحثين أيضاً؛ يبحث الأول في الأصول التي انحدر منها بنو أيوب وبدايات تكوين دولتهم في ضوء المدونات السريانية وعلاقتهم بآل زنكي متضمناً عرضاً لحملات أسد الدين شيركوه الثلاث على مصر. أما المبحث الثاني فيتناول بالدراسة ظهور صلاح الدين على مسرح الأحداث السياسية باستلامه مقاليد الوزارة الفاطمية وما واجهته من صعوبات في بداية حكمه حتى تمكن من إنهاء الخلافة الفاطمية وإعلان الخطبة للعباسيين في مصر.

وتضمن الفصل الثالث الموسوم بـ "المؤرخون السريان والتوسع الأوروبي تجاه بلاد الشام والجزيرة" عرضاً مفصلاً لمحاولات صلاح الدين الأيوبي بناء جبهة متحدة من مصر وبلاد الشام وما صاحب محاولاته تلك من مواجهات سواء مع الزنكيين أم الصليبيين حتى تمكن في نهاية المطاف من فرض سيطرته على معظم أجزاء بلاد الشام والجزيرة استعداداً للمعركة الفاصلة التي كان يعد لها منذ زمن، وتناول هذا الفصل أيضاً أحداث الحملة الصليبية الثالثة وما تمخض عنها من نتائج ألقت بظلالها على الصليبيين والمسلمين على حد سواء .

وتناول الفصل الرابع والأخير "المؤرخون السريان والدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين" وقد قسم إلى مبحثين ، تضمن المبحث الأول تقصّي تاريخ الأيوبيين بعد وفاة صلاح الدين من خلال ما عرضه المؤرخون السريان وتأثير ذلك على الكيان السياسي الأيوبي الذي تعرض لعدد من المحاولات الهجومية من قبل الزنكيين والصليبيين الذين حاولوا استغلال غياب قيادة موحدة للأيوبيين لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية حتى تمكن الملك العادل شي صلاح الدين من السيطرة تماماً على السلطة في الدولة الأيوبية، في حين تناول المبحث الثاني ما دوّنه المؤرخون السريان عن بني أيوب وتوحيد الجهود لمواجهة الحملة الصليبية الخامسة، وما تلا ذلك من صراعات أسرية انتابت الدولة الأيوبية بعد وفاة الملك العادل، وتضمّن أيضاً تسليط الضوء على العلاقة بين الملك الكامل الأيوبي والإمبراطور فريدريك الثاني خلال الحملة الصليبية السادسة وما نجم عنها من تسليم بيت المقدس للصليبيين. وفي الحقيقة فقد قدم الباحث دراسة موضوعية- إلى حد بعيد- لكيفية تعامل المؤرخين السريان مع تاريخ الأيوبيين.