ما قبل الرحيل بين سركون بولص وإدوارد سعيد

سركون بولص
رضا عطية |

في المرحلة الأخيرة من شعر سركون بولص تستشرف الذات موتها وتستدني الرحيل. فبعد هزائم الذات المتكررة والانكسارات المتكاثرة في المكان الآخر وصدامها الأيديولوجي وصراعها الثقافي مع الآخر، تبلغ مأساتها الاغترابية ضراوتها باستشعارها أفولَ العمرِ وانطفاء الحياة واستشرافها الموت، في انكسار ينضح بانهزامية تخرج من مسام اليأس، ونتيجة قنوط الذات واستشعارها بزحف الموت تأخذ في أن تُقيم قطيعة مع الزمن لإحساسها بفقده، بل بفقدها لنفسها مع تَسرُّب الوقت من بين يديها وتجمده، بلا حركة أو حياة: "لم يكن لي وأنا الماشي/ على الرمل، في نزهة النقاهة، ذات لحظة سوداء/ حينَ تجمّدت عقاربُ ساعتي السويسريّة (اشتريتُها في مطار زيورخ بالذات)/ على الساعة الثالثة، سوى أن أرمي بها إلى البحر/ إليه بالزمّن الميّت، بأيام التردّي/ بهيكل الماضي/ ذلك القارب المليء بالظلال: خُذهُ أيها البحر/ الذي لا يشبع، إنه لك/ الحلقات التي سيصنعها على مائك/ لن تصل إلى شاطئك الآخر/ والزمنُ المقذوفُ من يدي، ليس لأحدٍ سواي".


لماذا تُقدِم الذات على الإلقاء بساعتها السويسرية إلى البحر حال توقفها دون التفكير في محاولة إصلاحها؟ الساعة رمزٌ للزمن، أو بالأحرى وسيلة إحساس الذات بالزمن وتَمثُّلها الوقت. فهل يكون تَخلُّص الذات من ساعتها هو فعل عدمي تعبيراً عن شعور يائس يتملَّك الذات بعطب الزمن؟ استخدام الصياغة التركيبية لأسلوب النفي والاستثناء: (لم يكن لي... سوى) يعكس شعوراً جبرياً ينتاب الذات، يدفعها إلى مسلك لا مبال نحو الزمن. كما أن تعبير الذات الشاعرة عن تَعطُّل عقارب الساعة بالفعل (تجمّدت) لا (توقَّفت) على سبيل المثال، يجسد شعوراً مُحْبَطاً بتجمد الحياة، بما يعني موتها. إن إلقاء الذات بساعتها إلى البحر يتجاوز فقدان الأمل في قادم الزمن إلى رغبة عدمية تخامر الذات بالتخلص من كل تاريخها الذي تراه زمناً ميتاً، كما أن إعراض الذات عن ذلك القارب الصغير ولامبالاتها بالحلقات التي سيصنعها على ماء البحر يجيء من إدراكها عدم استطاعة فعل هذا القارب وتكويناته الظلالية بلوغ الشاطئ الآخر، شاطئ المكان الأول، فهذا الإحساس العدمي يخرج من شعور الذات بأبدية منفاها في المكان الآخر الذي لا تتوافق معه أيديولوجياً. هذا على مستوى القراءة الأولى للنص. ولكن بمحاولتنا تقديم قراءة أخرى تُنقِّب في حفرياته السُفلية وتفتش في طبقاته التحتية، بحثاً عن آثارٍ لنصوصٍ أخرى أو "نص باطن" تُشارك في تكوين النص الذي نحن بصدد قراءته. ذلك أن البحث عن تكوينات وجذور "النصيّة التحتيّة" هو بحث عن علاقة نص محايث بنص غائب. فلنا أن نستدعي نصاً من مذكرات إدوارد سعيد "خارج المكان" الصادر في العام 1999، أي قبل ديوان سركون بولص الأخير "عظمة أخرى لكلب القبيلة" الصادر في 2008 بعد رحيل سركون بعام، الذي ضمَّ بين دفتيه نص سركون الذي نحن بصدده. إذاً يتشارك نصا سركون وسعيد في تناول الذات علاقتها بالساعة، ساعة اليد، في فترة المرض، وفي اغترابها بالمكان الآخر. يقول إدوارد سعيد عن ساعة يده: "على أن ساعتي لم تنفك تثير دهشتي بحركاتها المندفعة إلى أمام من غير مقاومة. وهذا ما زاد، بأشكال مختلفة، من شعوري بأنني متأخر عن مواعيدي ومقصِّر عن واجباتي والتزاماتي... ونمتْ عندي عادةٌ سوف تلازمني مدى الحياة هي اختباري الوقت بما هو مهدورٌ، ومقاومته مِن طريق تمديد الوقت المتوافر لديّ بإتيان المزيد والمزيد من الأعمال (كاختلاس قراءات سريعة أو التحديق عبر النافذة أو البحث عن غرض تافه مثل سكين جيب أو قميص ارتديتُه بالأمس) خلال اللحظات القليلة المتبقية لي قبل أن يحين موعدٌ نهائيٌّ لا يرحمُ أحياناً. كانت ساعتي اليدوية عنصراً مساعداً، عندما تُعلن أنَّ ثمة ما تبقى مِن وقت، على أنها كانت غالبَ الأحيان تَحْرس حياتي مثل ناطورٍ منحازٍ إلى نظام برّاني فَرَضَه الأهلُ والمعلمون والمواعيدُ غيرُ القابلة للتأجيل".

يتحدث إدوارد سعيد عن وعي الذات الأولى في مرحلة الحداثة والصبا بالساعة، ساعة اليد، باعتبارها أداة أو آلة لمطالعة الوقت، وهذا ما يرتبط باختبار تُوضع الذات فيه حول قدرتها على أداء الواجب والالتزام بمعناه البراغماتي لا الفلسفي الأخلاقي أو الاجتماعي. الساعة- كتجلِ مادي رامز لحركة الوقت- لدى الذات عند سعيد لاسيما في بواكير حياتها- كانت كالناطور، الحارس، أي كرقيب يَفرض على الذات نظام الخارج. الساعة غرست في الذات اختبار الوقت واستغلاله في مزيد من الأعمال، غير أن كتابة الوعي لتَمثُّلات الذات الأولى للساعة في حياة سعيد يتسرب إليها وعي ما بعدي، بفعل وطأة المرض والشعور بدنو الأجل -عند سعيد- إذ تُعين الذات علامات الزمن الحاسمة التي يجب عليها استثمار الوقت البيني دونها، بـ"موعد نهائيّ لا يرحم"، و"المواعيد غير القابلة للتأجيل" فيما يبدو أنه انطباع لوعي الذات المحايث والآني على ما تتمثله وعياً مبكراً لها، غير أنه مُثقل بوعي الغياب وإحساس الموت. أما تَمثُّل إدوارد سعيد للساعة في لحظته الآنية التي يشارف فيها الموت فيقول في ذلك: "شكّلت ساعتي اليدوية الموضوع الرئيسيّ الكامن وراء ذلك كله (الالتزام بأداء الذات واجباتها في الوقت المرجو)، فارضةً نوعاً من الانضباط الموضوعي الذي يحافظ على تشغيل نظام حياتي بطريقة أو بأخرى... ذلكَ أن مزيجاً من الشعور بالذنب لتضييع الوقت، ومن النظر إلى الكسل عيباً من العيوب، يَسحقني سحقاً. وللتحايل على هذا الانضباط الصارم، كان المرض (وأحياناً التمارُض، وأحياناً أخرى، تضخيمُ المرض) يسوِّغ تخلفي عن المدرسة... والآن، تشاء مفارقةٌ شيطانية أن أُصاب بسرطان الدم العنيد الغادر، فأحاول طرده من ذهني كلياً على طريقة النَعَامة، ساعياً بنسبة معقولة من النجاح، إلى أن أعيش حياتي وفق نظامي الميقاتيّ، فإذا أنا أَكدّ، ويطاردني التأخُّرُ، وترزح عليَّ وطأةُ المواعيد النهائية، ويسيطر ذلك الإحساس بالإنجاز غير الكافي الذي تعلمتُه منذ خمسين سنة واستبطنتُه منذ ذاك الوقت على نحو لافت. ولكن في انقلاب غريبٍ للأمور، أجدني أتساءل في سرّي ما إذا كان نظامُ الواجبات والمواعيد النهائية سوف ينقذني الآن، مع أني أدرك، طبعاً، أنَّ مرضي يَزْحف زحفاً على نحو غير منظور، وبسرّية أكبرَ وغدرٍ أعظمَ من سريان الوقت الذي كانت تعلنه ساعتي اليدويةُ الأولى... وقد حملتها وأنا غافل آنذاك عن حقيقة أنها تُرقِّم فنائيتي ترقيماً، وتقسِّمها إلى فواصل تامة وغير متبدِّلةٍ من المواقيت غير المتحققة إلى أبد الآبدين.

أما في تَمثُّل إدوارد سعيد الساعة في المرحلة الأخيرة من حياته، يأتي كنوع من الانضباط الموضوعي الصارم والمترسخ في الذات والمتراكم في وعيها منذ حداثتها، ولكن عيان الذات لتاريخ شعورها بفقد بعض الوقت أو تضييعه أو تَسرُّبه نجده مسيّجاً بآثار المرض القار في لاوعيها ليؤثِّر- بقصدٍ أو لا قصد- في تعبيرات الذات وألفاظها؛ إذ تنظر الكسل عيباً، يسحقها سحقاً، فهذا التوكيد لفعل السحق يعكس إحساساً مُلِحاً لدى الذات بالانسحاق تحت وطأة المرض. ثم يعقد مقارنة عن علاقة الذات بالساعة والمرض بين اللحظة المحايثة (في الآن)، وعهد الحداثة العمرية والماضي؛ فبينما كانت الذات- في طفولتها وماضيها- تهرب من الساعة وتتحايل على الوقت باللواذ بالمرض أو التمارض، فهي- على العكس الآن- تحاول أن تهرب من المرض بالساعة والوقت، غير أن الذات الرازحة تحت وطأة المواعيد النهائية مُشارِفةً موتها تأخذ في التقهقر أمام سطوة المرض وزحفه المُداهِم لتحس بأن ساعتها، ساعة اليد/ معاينة الوقت ما هي إلا ترقيم لفنائيتها واستنفاد العمر الذي يتسرب من يديها. أما نص سركون بولص عن ساعة اليد فيتشارك مع نص سعيد بكتابته في فترة المرض، وإن كان سركون يبدو أحسن حظاً بقليل من سعيد إذ كان في فترة النقاهة، غير أنه يبدو منغمساً في التشاؤم والقنوط، وإذا كان إدوارد سعيد قد استعرض تاريخ الذات مع الساعة الذي يخلص منه بتنظيم الساعة لفنائية الذات، فإن سركون يتخلص من الساعة نفسها، وكأنه قد أدرك الفخ الذي وقع فيه إدوارد سعيد- ضمنياً- بالمراهنة على الساعة تحايلاً على المرض، فيلقي سركون بساعته نفياً للزمن، وتوقيفاً للوقت، وإعداماً للماضي وتاريخ الذات، ذاتٌ تشطب تاريخها بإعدام ساعتها.