رحيل توني موريسون... بلغة شاعرية وأسلوب ملحمي كتبت المسكوت عنه في تاريخ السود

توني موريسون.
الرياض _ «الحياة» |

منذ أن صدرت روايتها «محبوبة» عن مركز الأهرام للترجمة والنشر في (ترجمة أمين العيوطي) في نهايات التسعينات الميلادية، إثر حصولها على جائزة بولترز، وهي توني موريسون، التي رحلت أمس الثلثاء عن عمر ناهز الثامنة والثمانون، تؤثر في القارئ العربي وتفتح له نوافذ عن عالم الزنوج، كاتبة عن أدق خفايا هذا العالم بنفس ملحمي وشاعري في الوقت نفسه. توالت أعمال هذه الكاتبة شديدة التميز، إلى العربية لتصبح إحدى إيقونات السرد الأنثوي، الذي يتخطى ثنائية الرجولة والأنوثة، إلى كتابة مفتوحة على قضايا الذات الإنسانية التي يمثلها الزنوج، ذاهبة في معالجة للمسكوت عنه في حياة الزنوج، المسكوت الذي لا يفضل الزنوج أنفسهم الحديث عنه.


ونعى الرئيس الأميركي السابق باراك اوباما الكاتبة في تغريدة له على حسابه الرسمي في تويتر قائلا: "كانت توني موريسون كنزا وطنيا... كانت كتابتها تحديا جميلا ذا معنى لضميرنا وخيالنا الأخلاقي، يا لها من هدية أن تتنفس الهواء الذي تتنفسه، ولو لفترة قصيرة".

كانت تونى واحدة من بين أكثر الأديبات قربا من أوباما الذي منحها وسام الحرية الرئاسي، وقال عنها: "أتذكّر قراءة "أغنية سليمان" عندما كنت طفلاً، ليس فقط لأحاول معرفة كيفية الكتابة، ولكن أيضاً كيف أكون وكيف أفكر، إنّ نثر توني موريسون يجلب لنا هذا النوع من المُثل الأخلاقية والعاطفية التي لم يحاول الوصول إليها سوى القليل من الكتاب".

منحت تونى أوباما تأييدا مطلقا عشية ترشحه للانتخابات في العام 2008، وكانت هى تعتبر فوز أوباماً انتصار لقيم الحرية والانتماء.. وعشية فوزه فى الانتخابات الرئاسية الأميركية في العام 2009، رأت تونى في انتصار أوباما تحقيقا لأمنية طالما نادت بها في إبداعها. وفي حديث صحفي لها بعد فوز أوباما قالت بوضوح: "شعرت لأول مرة بأنني أميركية، وأن رموز الحكم الأميركي والمارينز والإعلام صارت تعني لي شيئا، إنه حلم جاء قدومه متأخرا لـ70 عامًا على الأقل".

وتعد موريسون أول كاتبة سوداء تحصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1993 إضافة إلى حصولها على ميدالية المساهمة المميزة في الآداب الأميركية 1996، عن مجمل أعمالها وهي "أكثر العيون زرقة، نشيد سليمان، صولا، وطفل القطران".

حظيت تونى بموقع في الحياة الثقافية الأميركية، بالرغم من أنها عانت مختلف أنواع الاضطهاد والتهميش، وجاءت كتاباتها الإبداعية باللغة الإنجليزية لتقاوم هذا التهميش وترد عليه عبر كتابة قويّة ومتنوعة فيها استنباط وإبداع، فضلا عن الرغبة في تحدي المعايير السائدة في الأدب والثقافة.

طوال رحلتها مع الكتابة، عبرت موريسون عن الاعتزاز البالغ بأصولها الأفريقية التي لم تعكسها ملامحها فقط وإنما انعكست في نصوصها الإبداعية التي مكنتها من الفوز بأرفع الجوائز الأدبية. وكانت رواية "بيلوفيد" ضمن الأعمال الأكثر إبداعاً فى التعبير عن واقع السود فغي الولايات المتحدة.

ملامح الاعتزاز كانت أكثر وضوحاً في عبارتها الأشهر التى قالت فيها "إن شخصي الأسود وهويتي كامرأة جعل قلبي يجيش بمشاعر لا ينعم بها أحد دون ذلك.. فلم ينكمش الإطار العالمي لأنني كاتبة سوداء وامرأة، بل على النقيض اتسعت آفاقه". خلال مسيرتها الأدبية، التي استمرت ستة عقود، كتبت إحدى عشرة رواية، وخمسة كتب للأطفال، ومسرحيّتين، وأغانٍ، بل وحتى أوبرا. عملت محرّرة وأستاذة، وموجّهة تربوية دؤوبة لأجيال من الكتّاب الشباب السود.

وُلدت موريسون كلو أرديليا ووفورد، في 18 فبراير 1931، في بلدة فقيرة بالجنوب الأميركي، وكانت الثانية من بين أربعة أطفال، لأب كان عامل بناء السفن.

تحولت إلى الكاثوليكية عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها، وانضمت في سنّ المراهقة إلى فريق المناظرات الأدبية والفكرية في مدرستها. درست تونى بجامعة هاوارد؛ العلوم الإنسانية، وبعد تخرجها، العام 1953، ذهبت إلى كورنيل؛ حيث حصلت على درجة الماجستير في اللغة الإنجليزية، وكتبت أطروحتها عن ويليام فوكنر وفيرجينيا وولف.

ومن بين روايات موريسون الشهيرة (ذا بلويست آي) أو "العين الأكثر زرقة" و"جاز" المنشور في العام 1992 والتي ترجمت إلى لغات من بينها العربية، وراوية "الفردوس" 1997. ومن أهم أعمالها "الكتاب الأسود"، المنشور في العام 1974، وهو مختارات عن حياة الأميركيين من أصل إفريقي، والذي أثّر إلى حدّ كبير في صورة الأنثروبولوجيا والثقافة السوداء، وكتاب "السيرة الذاتية لمحمد على كلاى".

وكان فوز توني موريسون بجائزة نوبل قوبل بترحيب كبير من دوائر واسعة في العالم، نظرا لما تشهد أعمالها من حفاوة واهتمام نقدي وعلى صعيد القراء.

عربيا صدر لها تقريبا معظم أعمالها: العين الأكثر زرقة، صولا، نشيد سليمان، جاز، وسواها من أعمال، إضافة إلى بعض الكتابات النقدية التي تمس عصب الكتابة لديها وفي شكل عام، كما تتطرق إلى السود، ثقافة وبشرا.

برحيلها يخسر فعليا السود صوتا متفردا وعميقا وهائلا، قد يكون لا مثيل له في تاريخ الكتابة الأميركية السوداء.

تدور أحداث رواية «محبوبة» أكثر أعمالها شهرة وعمقا ومتانة، أثناء الحرب الأهلية الأميركية وتستند إلى قصة حقيقية عن امرأة قتلت طفلتها التي تبلغ من العمر عامين حتى لا تُستعبد. وقبض على المرأة قبل أن تنتحر وطارد شبح الطفلة، الذي أطلق عليه اسم بيلوفيد، الأم. وتحولت الرواية إلى فيلم لعبت بطولته أوبرا وينفري كما شاركت في إنتاجه.