في ثنايا "جزء مؤلم من حكاية" لأمير تاج السر

جزء مؤلم من حكاية
عبدالكريم الحجراوي |

لعل أهم ما يميز الروائي السوداني أمير تاج السر، لغته الشاعرية في السرد، وإجادته رسم الحبكة في حكاياته، فما إن تبدأ في قراءة عمل له، لا تستطيع الفكاك من أسره حتى بعد أن تأتي على آخره، وهو الأمر الذي نجده في روايته "جزء مؤلم من حكاية" الصادرة حديثاً عن دار "نوفل" البيروتية في 320 صفحة، تلك الرواية التي تنتمي إلى عالم الروايات ذات الصبغة العجائبية وتدور أحداثها في أماكن متخيلة في أيلول (سبتمبر) من العام 1750 متوزعة ما بين مملكتي "الطير" في عاصمتها بوادي، و"قير" في عاصمتها كونادي.


وتشغل أحداث هذه الرواية الأسطورة التي يعرفها الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي بـ"اعتقاد الإنسان بعالم ما وراء الطبيعة" في كتابه "صانع الأسطورة... الطيب صالح" الذي يتناول فيه كيفية توظيف الروائي السوداني الراحل كأداة لنقل عالمية التجربة الإنسانية في روايته "عرس الزين".

وتتجلى الأسطورة في رواية أمير تاج السر في عالم مناقض لعالم الأسطورة في رواية الطيب صالح. فإذا كانت "عرس الزين" رسمت عالم الخير والمحبة في شخصيتيها الرئيستين؛ "الزين" وشيخه "الحنين"، فإن رواية "جزء مؤلم من حكاية" ترسم عالم الشر والشياطين عبر بطليها مراحلي السواركي القاتل المحترف، وأستاذه صانع التمائم ديباج الفارسي. فالرواية الأولى تناولت الاتصال مع العالم الأعلى النوراني؛ عالم الملائكة، والثانية رسمت عالماً أسود؛ هو عالم الشر والشياطين، فلا ضير إذن أن يُدعى "مرحلي" داخل الرواية "ابن إبليس".

العلاقة بين الشيخ ومريده فيها جزء عجائبي، بما أنهما يتعارفان عادة بطرق ميتافيزيقية، وتربطهم علاقة لا يفهمها الناس العاديون. وفي عُرف المتصوفة لا يصل المريد من دون شيخ يدله إلى الطريق. هذا الأمر نجده في "جزء مؤلم من حكاية"، فـ"مرحلي" لم يكن مدركاً لطاقة الشر داخله إلى أن دلَّه شيخه كيف يصرفها، في القتل. كان لقاء "مرحلي" بأستاذه عجيباً، إذ رآه في السوق فأدرك أن هذا هو صديقه وشيخه. جلسا سوية لأيام يتحدثان كأنهما صديقان قديمان فتجدهما يختلقان ذكريات مزيفة.

وإذا كان الراهب المتعبد يعتزل الناس، فإن بطل "جزء مؤلم من حكاية" يفعل الشيء نفسه، مع الإختلاف الواضح في هدف كل منهما من ذلك الاعتزال. المريد الصوفي لا يتزوج حتى يتفرغ لعبادة الله، ولا تشغله مباهج الدنيا عن عالمه الروحاني، وهو ما فعله الشيخ "الحنين" وكذلك الصوفي "بلال" الذي تزوج تحت ضغط من شيخه لأن امرأة أحبته بشدة، فتزوجها لليلة واحده وعاد إلى تعبده ومرافقة شيخه في "عرس الزين"، فإن هذا الموقف يتخذه "مرحلي" حين يعرض عليه أستاذه "ديباج" عروساً جميلة لتعينه على مواجهة كوابيسه، لكنه يرفض لأنه يريد أن يكون مخلصاً لعالمه المظلم. وإذا كان هدف عمل المتصوفة في غسل الموتى هو السعي إلى ترقيق قلوبهم وتذكر أن كل ما في الدنيا إلى زوال، نجد أن سواركي يعمل "غاسل موتى" ليقسو قلبه، فيسهل عمله وهو القتل. لبطلي "عرس الزين"، "كرامات"، نجد نقيضها في رواية "جزء مؤلم من حكاية"، فهي تشبه "معجزات" مسيلمة الكذاب الذي يقال إنه بصق في بئر ممتلئة بالماء فجفَّت على الفور.

ودائمًا ما تكون العلاقة بين المتصوفة علاقة مودة وتواصل، لا يتبرأ فيها الشيخ من مريده أو العكس، فإن العلاقة في عالم الشياطين قائمة على التنصل، يلخصها قول الله تعالى: "كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ". فعندما وقع "مرحلي" في ورطة أخبره "ديباج" أنه لم يقتل وليس له علاقة بجرائمه. لأكثر من 20 عاماً كان "ديباج" يأمر "مرحلي" بقتل أشخاص معينين، فيفعل من دون تفكير، قبل أن يظهر "ابن إبليس" آخر، يدعى "خفير" فيتبناه "الأستاذ"، ويستغني عن خدمات "مرحلي".

هكذا ينهي أمير تاج السر الرواية بجعل القارئ يتعاطف مع "القاتل" والخيانة التي دبرها له أستاذه مع "خفير" إلى جماعة تبحث عن ابن لإبليس تقدمه قرباناً إلى آلهتها لتحل عنهم اللعنة التي لحقت بهم، ولكن تظل هذه النهاية مفتوحة، إذ ترك المؤلف ست صفحات فارغة، ربما ليملأها القارئ الافتراضي، وربما ليشير إلى أنه سوف يكتب جزءا ثانياً من هذه الرواية التي يؤكد عنوانها أن المحكي هو مجرد جزء من الحكاية وليس الحكاية كلها.

تطرح الرواية بعد قراءتها تساؤلاً حول إذا ما كان أمير تاج السر تعمّد وهو يكتب عمله أن يأتي بنص مناقض لما كتبه الطيب صالح عن عالم الخير والأرواح والنور والمتصوفة في "عرس الزين"، أم أنه كتب الجزء المؤلم من الحكاية عن عالم الشياطين والقتل لأسباب أخرى ولم يدر في ذهنه ما كتبه سلفه.