«جرائم براغ» لمليوش أوربان: أصولية غربية تعيد عجلة الزمن إلى الخلف

غلاف رواية «أصولية براغ» («الحياة»)
عبدالكريم الحجراوي |

كثيرة هي الأعمال الروائية التي تناولت «الأصوليات المتطرفة»؛ ذلك الاصطلاح السياسي الفكري المستحدث والذي يشير إلى نظرة للحياة بجوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية نابعة مِن قناعة متأصلة، تكون في الغالب تصوراً دينياً، وربما تصورات فكرية محضة، أو تصورات تربط بين الفكري والديني. وغالباً ما يركز الروائيون العرب على الأصوليات الدينية المرتبطة بتيار الإسلام السياسي. وقلما يجد القارئ روايات عربية تناقش أصوليات أخرى، وإن ناقشتها يكون الحديث عن فترات زمنية سابقة مثلما فعل يوسف زيدان في «عزازيل» وسط أقاويل عن اقتباس فكرة تلك الرواية من عمل روائي غربي.


ومن الأعمال الروائية الغربية التي تناقش أصولية -إن صحَّ القول- معمارية تاريخية مرتبطة بأصولية دينية، رواية «جرائم براغ» للكاتب التشيكي ميلوش أوربان، الصادرة عن حديثاً عن دار «العربي» في القاهرة (ترجمة عمرو شطوري) في 400 صفحة من القطع المتوسط. نشهذه الرواية في عام 1999 وترجمت إلى أكثر من 12 لغة، وهي تناقش أصولية دينية في الغرب، مثلما ناقش الكاتب الياباني هاروكي موراكامي في ثلاثية «19Q4» تفشي أفكار تنظيم «ساكيجاكِه» المنغلق على ذاته ويرتكب أفظع الجرائم في سبيل ترسيخ وجوده. وهناك رواية «الطريق إلى إيدا» للكاتب الأرجنتيني ريكاردو بيجليا والتي تتناول أصولية محبي الطبيعة في شخصية «توم مونك» الذي قتل 20 عالِماً محملاً إياهم مسؤولية تخريب الطبيعة لأنهم يبتكرون للساسة ورجال الأعمال الأدوات التي تمكنهم من السيطرة على البشر. ويلاحظ أن الروايات الثلاث تتناول تنظيمات لا ترى غضاضة في قتل مَن يخالفها، استناداً إلى أصوليات عدة ليس بينها الأصولية الإسلامية. تتحدث رواية «جرائم براغ» عن تنظيم ماسوني يدعى «رابطة جسد الرب»، يرتكب جرائم بشعة تجاه معارضيه، ويوجه عنفه خصوصاً إلى المهندسين المعماريين والشرطيين، أو حتى مراهقين بدعوى أنهم يعبثون بالكنائس الأثرية في مدينة براغ.

ودائماً ما تعتمد الأصوليات المتطرفة على آليات متشابهة، منها السرية، تجنيد الأفراد، استخدام المال في تنفيذ مآربهم. أفكارهم قائمة على نفي السلطة الشرعية، واستغلال نقاط ضعف أجهزة الأمن. يطرحون ذاتهم كسلطة بديلة لما هو قائم، ويؤمنون بفكرة الوطن البديل، والدعوة إلى هجرة إلى هذا الوطن. يفرضون تصوراتهم على المجتمع الذي يسيطرون عليه بالقوة، وغيرها من الآليات التي نجدها في تنظيم «رابطة جسد الرب» التي سعت إلى تجنيد الراوي «شفخ» بطرق ملتوية حتى يقع في شباكهم علماً أنه ضابط شرطة غير كفؤ في عمله لكنه يتمتع بميزة تخدم أفكار تلك الرابطة الإرهابية، وهي أنه محب لآثار العصور الوسطى في براغ التي تعرف بالمدينة ذات المئة برج نظراً إلى كثرة الأبراج التي تعلو كنائسها وقصورها.

بطل هذه الرواية الذي أجاد أوريان في رسمه، يعاني من اغتراب لانفصال والديه وهو طفل، ولمعاناته من تنمر أقرانه في المدرسة وفي الجامعة وفي عمله بسبب اسمه الذي يعني «الخائن». هرب مِن واقعه إلى القرون الوسطى متمتعاً بميزة عجائبية تجعله قادراً على رؤية الأحداث التي وقعت في الأماكن الأثرية التي يزورها. وهذا تحديداً هو ما دعا زعيم «رابطة جسد الرب» المعروف بـ»الفارس»، إلى التحايل لتجنيده كي ينفذ مخططهم في إعادة مدينة براغ كما كانت في العصور الوسطى، ورفض كل الإضافات الحديثة على هذه المباني المختلفة. ترى تلك الرابطة أن لا خلاص للعالم إلا بالعودة إلى الوراء، ومن ثم فإن أعضاءها يرفضون كل أشكال الحداثة وما أدت إليه من مبان ومنتجات. يريدون أن يديروا عجلة الزمان إلى الوراء الذي بداخله المستقبل من وجهة نظرهم: «الوقت مثل الإنسان يشيخ، إن الأحمق فقط هو من استطاع أن يخترع مفاهيم مثل العصر الحديث أو العالم الشاب ومثل هذه الحماقات. المجنون فقط هو مَن استطاع أن يقرر أن العصر الحجري القديم يسبق العصر الحديث... هل كان الوقت في عام 1382 أقدم أم أحدث من اليوم؟». يرفضون العِلم لأنه يدفع الناس إلى التعالي على الله. إذن؛ نحن أمام أصولية تريد العودة بالزمن إلى الوراء في أوروبا على رغم التقدم الذي تعيشه. أصولية دينية ترفض الحداثة وما تقدمه من إنجازات. تتخفى تحت ستار الدين، لتعيد عجلة الزمن إلى الخلف، مِن طريق استنساخ الماضي بكل تفاصيله في الحاضر. تم استقطاب بطل الرواية للاستعانة بقدرته العجائبية في إستعادة ماضي المدينة المعماري. ترتكب الراكب أبشع الجرائم في حق المهندسين المعماريين الذي يسعون إلى تغيير معالم المدينة أو ساهموا في ذلك، حتى الشرطيون لا ينجون من جرائمهم إن سعوا إلى إيقاف مخططهم.

وإذا كانت الجماعات المتطرفة تستغل الأماكن البعيدة عن قبضة الدولة لتحقق ما تريده من انطلاقاً منها، كما فعل تنظيم «ساكه جاكي» في رواية هاروكي موراكامي، الذي اختار مدينة منعزلة وفرض عليها حصاراً يصعب اختراقه، أو «مونك» في رواية «الطريق إلى إيدا» الذي يعيش في غابة، لا يخرج منها إلا لتنفيذ عملياته الإرهابية، إلا أن تنظيم «جسد الرب» يختار العاصمة براغ كي يحقق ما يسعى إليه داخلها، فيمنعون ركوب السيارات ويستخدمون السيوف ويجعلون لهم زعيماً هو وزوجته يشبهان آدم وحواء. يخلقون عالماً يعاقبون فيه المخطئ بالطرق البدائية. وربما يكون سبب نجاح هذا التنظيم في فرض رؤيته المتخلفة يشي بنوع من التحذير من جانب الكاتب من هذه الجماعات الأصولية التي باتت هي الخطر الحقيقي على الحضارة الغربية وليست الجماعات الإسلامية كما يشيع البعض.