رحلة حج الظاهر بيبرس البندقداري

(الحياة)
محمد فوزي رحيل |

فرض الله عزّ وجلّ الحج على المسلمين كأحد أركان دين الإسلام بشرط الاستطاعة، ومعلوم أن الحج في غابر الأيام لم يكن ميسراً مثل يسره في عصرنا، بل كان مشقة وعناء؛ بسبب بدائية وسائل المواصلات ومشاكل الطرق وبخاصة من الناحية الأمنية ناهيك عن ارتفاع الكلفة. وحينما نتحدث عن المدى الزمني لرحلات الحج في العصور الوسطى يتبادر إلى الذهن المدد الطويلة التي تبدأ من شهور وربما تصل إلى سنوات إذا رغب الحاج في جوار الحرم الشريف. هذا بالنسبة للحاج من عامة المسلمين. أما أن يحج الخليفة أو السلطان أو الملك فهذا لم يكن بالأمر الهين بسبب ضخامة الاستعداد بما يليق بشخص ولي الأمر: من زاد ودواب للحمل وأموال للنفقة، وكثرة المرافقين من الحرس الخاص ورجال الحاشية والخدم وكبار رجال الدولة، وفوق ذلك التدابير الأمنية اللازمة لضمان استقرار الدولة في غياب ولي الأمر لمدة طويلة خوفاً من قفز أحد المغامرين على العرش أو انتهاز العدو الفرصة للقيام بعمل معاد. وبسبب صعوبة هذا الأمر وقلة من حج من الحكام المسلمين حال ولايته للسلطة فقد ألف شيخ مؤرخي الإسلام تقي الدين المقريزي كتاباً ممتعاً مفيداً في هذا الباب سماه "الذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك". وممن غامر بالحج حال ولايته للسلطة وجاء ذكره في هذا السفر المهم السلطان المملوكي الظاهر بيبرس البندقداري، الذي أدى فريضة الحج في ظروف بالغة الخطورة في ظل تربص الصليبيين في الساحل الشامي والمغول في العراق بسلطنة المماليك، بسبب سلسلة النجاحات التي حققها بيبرس على الطرفين. وكان غياب السلطان ولو لمدة يسيرة عن أراضي السلطنة أعز أمانيهم. ورغم هذه التحديات وخطورة الأمر، قرر السلطان قضاء الفرض وشكر الله على التوفيق الذي حالَفه في انتصاراته المتوالية على عدويه اللدودين. ونظراً لتقدير السلطان لخطورة المغامرة فقد حرص على إنجاز حجته في سرية تامة وفي أقصر وقت ممكن. ومن ثم سطَّر لنا الظاهر بيبرس أسرع رحلة حج في العصر الوسيط، إذ استغرقت أقل من شهرين منذ مغادرته للكرك في السادس من ذي القعدة وحتى العودة إليها في نهاية ذي الحجة من العام 667هـ من دون أن يعلم أحد بذلك سوى قلة من خواص السلطان.


لما عزم الظاهر بيبرس على الحج، جعل ابنه السعيد بركة نائباً عنه بعد أن أقسم له الأمراء على السمع والطاعة. وجلباً للرضى وزَّع السلطان الأموال والهدايا على كل فرق الجيش في مصر والشام، وخرج إلى حصن الكرك في صورة الراغب في الصيد، وحظر على أي ممن اطلع على الخبر أن يشيعه. وجهَّز السلطان كميات كبيرة من البقسماط والدقيق وقِرب الماء وأنواع المشروبات المختلفة وتواصلَ مع مشايخ القبائل العربية في الطريق بين الكرك والمدينة النبوية، لتأمين طريق الحج من دون أن يعلموا بخبر السلطان. وفي الرابع من ذي القعدة تمَّ الاستعداد للرحلة، فأمر السلطان بخروج الأثقال إلى الطريق وهو باق في الكرك، على سبيل التمويه. ورتب الأمور مع من يثق فيه بالرد على المراسلات باسمه وكأن السلطان موجود في الكرك يدبر الأمور. توجه بيبرس في السادس من ذي القعدة إلى الشوبك سراً ومعه من اختصهم بالصحبة ولم يصحبه سوى عدد قليل من المقربين من الأمراء والموظفين والفقهاء.

سار ركب السلطان مسرعاً حتى وصل إلى المدينة المنورة في الخامس والعشرين من ذي القعدة، فحظي السلطان بشرف زيارة القبر الشريف وجال في مواضع نزول الوحي في المدينة وضواحيها التماساً للبركة. ولم تطل إقامة السلطان في المدينة بسبب اقتراب موسم الحج فغادرها في السابع والعشرين من ذي القعدة وأحرم من ميقات ذي الحليفة خارج المدينة وسار في ملابس الإحرام أشعث أغبر مثل عوام الناس حتى وصل مكة في الخامس من ذي الحجة وبدأ المناسك "ولم يغفل منسكاً" كما ذكر كاتبه ابن عبد الظاهر في كتاب "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر". وحرصاً على سلامة أداء المناسك اصطحب السلطان القاضي الحنفي صدر الدين سليمان ليكون مرجعه ومفتيه في كل منسك، وأعطى المقربين منه كثيراً من الأموال التي وزعت سراً بقصد الصدقة، كما تصدَّق بكثير من الملابس على المجاورين والمستحقين من سكان الحرمين. وأخذ السلطان في اتمام المناسك كأحد عوام الناس في الطواف والسعي والصلاة من دون أن يتعرف عليه إلا من صحبه في الرحلة. وتشرف السلطان بالمشاركة في غسل الكعبة بيديه بماء الورد وحمل الماء في القرب على رقبته. واجتهد في غسل الكعبة وخدمة الناس وكل من ألقى إليه إحرامه ليغسله بماء غسيل الكعبة غسله ودفعه إليه، وجلس على باب الكعبة يساعد الناس في الصعود تبركاً بدخولها. وبسبب كثرة الحجيج قُطِع إحرامه، من دون أن يغضب بل عدَّ ذلك من علامات القبول. وشارك في إلباس الكعبة الكسوة التي أرسلها من مصر قبل رحلته، فرفعها بيديه يعاونه خواصه، وأمر بفتح الكعبة لعوام الناس وأخذ في التردد على من جاوَرَ في مكة من الصالحين.

وفي وسط مناسك الحج لم يغفل السلطان إظهار قوة السلطنة بمراسلة حاكم اليمن يخبره بوجوده في العاصمة المقدسة برسالة أولها "سطَّرتُها من مكة، وقد أخذت طريقها في سبعة عشر خطوة" إشارة لسرعة الرحلة، موضحاً له أن الملك الحق هو الملك المجاهد ويدعوه إن كان ملكاً حقاً أن يخرج لجهاد التتار.

قضى السلطان مناسك الحج أحسن القضاء وحلق ونحر وأكثر من العطاء لأميري مكة: الأمير نجم الدين أبي نمى والأمير إدريس بن قتادة وحاكم ينبع وصاحب خليص وكل كبراء الحجاز. وعيَّن في الحجاز نائباً من قبله لقضاء حوائج الحرمين وهو شمس الدين مروان نائب الأمير. ويؤكد المقريزي خفاء خبر رحلة حج بيبرس قائلاً: "وسائر مَن ببلاد مصر والشام من الأمراء ومن دونهم لا يعرفون شيئاً من خبر السلطان، هل هو في الشام أو الحجاز أو غير ذلك من بلاد الله ولا يجسر أحد لشدة مهابته والخوف منه أن يتكلم بشيء من خبره ولا يسأل عنه".